تتصاعد التحذيرات من خطورة الوضع الاقتصادي في مصر تحت إدارة حكومة الانقلاب، خصوصًا مع اشتعال التوترات الجيوسياسية وتداعيات الحرب الإيرانية المستمرة. الخبير الاقتصادي هاني توفيق كشف بوضوح عن حجم الضغوط الكبيرة التي تضرب البلاد حاليًا.

 

وأرجع هذه الضغوط المروعة إلى الارتفاع الجنوني في أعباء الديون، بجانب الضعف الشديد في قطاعات الاستثمار والتصدير. وأكد توفيق في مقابلة خاصة مع "العربية Business" أن هذه التحديات الخطيرة قد تمثل فرصة أخيرة لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد المصري المنهار. وطالب بإطلاق إصلاحات هيكلية أعمق تعتمد على الإنتاج والتصنيع الحقيقي، بدل الاكتفاء بسياسات التقشف والجباية التي أرهقت كاهل المواطنين بلا رحمة.

 

اقتصاد مكبل بالديون وضعف الإنتاج

 

أكد هاني توفيق أن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة خلال الفترة الراهنة. تتزايد الضغوط المالية بشكل يومي على الدولة في ظل استمرار ارتفاع الديون وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. وأشار بوضوح إلى أن الإصلاح الهيكلي الحقيقي لم يتبلور حتى الآن على أرض الواقع. وأضاف أن الحكومة لم ترتب أولوياتها الاقتصادية بالشكل المطلوب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن الانهيار السريع.

 

ورغم إشادته بإدارة البنك المركزي لملف سعر الصرف والتي تتم بدرجة عالية من الاحترافية، إلا أنه وضع يده على أصل الداء. توفيق شدد على أن استمرار هذه الضغوط القاسية يتطلب تدخلًا عاجلًا لتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج لضمان استقرار الاقتصاد على المدى المتوسط. وهنا يتفق الخبير الاقتصادي ممدوح الولي مع هذا التشخيص الدقيق لحالة الاقتصاد المصري. الولي أكد في تصريحات موثقة أن أعباء خدمة الدين تلتهم أكثر من 50% من الموازنة العامة للدولة سنويًا.

وأوضح الولي أن الاقتراض الجديد المستمر لا يذهب أبدًا إلى دعم الإنتاج أو خلق قيمة مضافة، بل يوجه لخدمة ديون سابقة متراكمة. هذه الدائرة المفرغة من الاستدانة تجعل الاقتصاد المصري هشًا وعرضة لأي صدمات خارجية عنيفة. كما أنها تلغي أي تأثير إيجابي حقيقي للسياسات النقدية الحالية التي تعتمد على الحلول المؤقتة والمسكنات بدل العلاج الجذري وتأسيس صناعة وطنية.

وفي سياق متصل، تمثل الحرب الدائرة مع إيران جرس إنذار جديدًا ومخيفًا للاقتصاد المحلي الهش. توفيق وصف الوضع الجيوسياسي الحالي بأنه يمثل الثواني الأولى من زلزال اقتصادي عالمي قادم. وتوقع أن يحمل هذا الزلزال تداعيات واسعة ومدمرة على أسواق المال والطاقة العالمية. ورغم هذه المخاطر الكبيرة، يرى توفيق أن التطورات قد تفتح فرصة ذهبية لمصر لتعزيز قطاع الطاقة محليًا. وطالب بتنمية الحقول الحالية وتسريع عمليات استكشاف النفط والغاز لتخفيف الضغوط الاقتصادية المتراكمة.

 

استسهال حكومي وتضخم يلتهم الجيوب

 

انتقد هاني توفيق بشدة لجوء الحكومة المستمر إلى رفع أسعار الوقود كأداة وحيدة لمعالجة الاختلالات المالية العميقة. ووصف هذا القرار الحكومي المتكرر بأنه يمثل نوعًا واضحًا من الاستسهال في الإدارة الاقتصادية. وأكد أن هذه الخطوات القاسية تفتقر للرؤية طالما أنها لا تترافق مع إجراءات حقيقية لزيادة الإنتاج والتصنيع وتعزيز الصادرات الوطنية.

 

معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة تتطلب بالضرورة تبني سياسات إنتاجية ذكية تعزز القيمة المضافة للسلع. كما تتطلب دعم الصناعة المحلية بكل قوة بدل الاعتماد على رفع الأسعار وجمع الأموال من المواطنين كحل سريع للأزمات. وهنا يبرز رأي الدكتور مدحت نافع، الذي حذر صراحة من التداعيات الكارثية لسياسات الحكومة الحالية. نافع أكد أن قرارات رفع أسعار المحروقات تحمل أثرًا تضخميًا كبيرًا يضعف القوة الشرائية لجيب المواطن المصري المنهك.

وأشار نافع في تحليلاته إلى أن التراجع الشكلي في معدلات التضخم الرسمية لا يعكس أبدًا تحسنًا حقيقيًا في مستويات المعيشة. وحذر بلهجة حاسمة من أن هدوء التضخم قد يكون ناتجًا عن تباطؤ اقتصادي خطير يعطل ماكينة الاقتصاد بالكامل. هذا التباطؤ يعتبر النتيجة الطبيعية لسياسات الجباية التي تتجاهل تشغيل المصانع والمزارع بشكل متعمد لصالح حلول ترقيعية تخدم السلطة فقط.

المواطن المصري أصبح يواجه ضغوطًا ساحقة ولا تحتمل في حياته اليومية بصورة غير مسبوقة. المواطن سواء كان منتجًا يكافح للبقاء في السوق، أو مستهلكًا يعاني من الغلاء، يدفع الفاتورة كاملة. توفيق شدد على ضرورة مراعاة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة للمصريين قبل اتخاذ أي قرارات توسعية أو إصلاحية جديدة. وأكد أن أي قرارات غير مدروسة ستزيد الأعباء الكارثية على كاهل المواطنين وتدفعهم نحو حافة الهاوية المعيشية.

 

غياب البدائل وملاذات الاستثمار الآمنة

 

وسط هذه العواصف الاقتصادية وحالة عدم اليقين المتزايدة، وجه هاني توفيق نصائح مباشرة للمستثمرين وأصحاب المدخرات لحماية أموالهم. وأكد بوضوح أن الذهب والعقار لا يزالان يمثلان أهم الملاذات الآمنة في مصر حتى شهر مارس 2026. ويأتي هذا في ظل غياب بدائل استثمارية موثوقة ومستقرة في السوق المحلي الذي يعاني من التخبط المستمر وغياب الرؤية.

 

ونصح توفيق المستثمرين بالتوجه السريع إلى شراء شقق جاهزة للتسليم الفوري مع خطط سداد طويلة الأجل وبالتقسيط المريح. واعتبر هذا الخيار العقاري وسيلة مناسبة وعملية للتحوط من تقلبات الأسواق العنيفة والانهيارات المحتملة في قيمة العملة المحلية. هذا التوجه التحوطي يعكس فقدان الثقة المتزايد في قدرة السياسات الحكومية على توفير بيئة استثمارية صحية ومنتجة.

 

وفي نفس الإطار المؤيد لضرورة العودة إلى الإنتاج الحقيقي، يتدخل الخبير الاقتصادي وائل النحاس برؤية عملية داعمة. النحاس يؤكد أهمية التركيز الفوري على قطاعات صناعية محددة وقوية لجذب استثمارات سريعة وحقيقية تنهي الركود الحالي. ويرى النحاس أن صناعة الغزل والنسيج، على سبيل المثال، يمكن أن تعود قاطرة لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية بفاعلية. واشترط لتحقيق ذلك أن تتوافر الجدية المطلوبة والإجراءات الحكومية السريعة واللازمة لتذليل عقبات الاستثمار والقضاء على البيروقراطية.

اختتم توفيق حديثه ورؤيته الشاملة بالتأكيد على أن الأزمات المتلاحقة الحالية يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة. واشترط لذلك أن يتم استغلال هذه الأزمات لإعادة هيكلة الأولويات الاقتصادية للدولة بعيدًا عن سياسات الاقتراض الأعمى. دعم الإنتاج والصناعة وزيادة الصادرات هو المسار الوحيد الذي يمكن أن يضع الاقتصاد المصري على طريق نمو أكثر استدامة بدلًا من توريط الأجيال القادمة.