تدفع الحكومة ملايين المصريين إلى جولة جديدة من الإفقار اليومي، بعدما رفعت في 10 مارس 2026 سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية سعة 12.5 كجم من 225 إلى 275 جنيهًا، ورفعت الأسطوانة التجارية سعة 25 كجم من 450 إلى 550 جنيهًا. القرار لا يتوقف عند باب المستودع. هو ينتقل فورًا إلى عربة الفول، وفرن الخبز، ومائدة الأسر التي ما زالت تعتمد على الأسطوانة في الطهي لأن الغاز الطبيعي لم يصل إليها.
الفول يدفع الفاتورة
في حي الدقي بالقاهرة، وجد بائع الفول علاء عثمان نفسه مضطرًا إلى رفع أسعار ما يبيعه في السحور بعد زيادة تكلفة التشغيل. سندوتش الفول صعد من 5 إلى 7 جنيهات. والوجبة الكاملة التي تضم طبق الفول والخبز والسلطة اقتربت من 35 جنيهًا. وحتى قرص الطعمية ارتفع من 3 إلى 4 جنيهات. هذه ليست رفاهية في التسعير. هذا دفاع بائس عن هامش بقاء لمهنة تعيش أصلًا على الزبون محدود الدخل.
ولا يبدو علاء حالة منفردة. بعد موجات سابقة من رفع أسعار الأنابيب، حذر النائب محمود قاسم من أن النتيجة المباشرة ستكون زيادة أسعار ساندوتشات الفول والطعمية والبطاطس، وهي الوجبات الشعبية الأكثر حضورًا على موائد المصريين. كما رصدت تقارير صحفية في سبتمبر 2024 وصول سعر سندوتش الفول والطعمية في بعض المناطق إلى 9 و10 جنيهات، وقفز بعض الطلبات إلى 55 جنيهًا، بالتوازي مع ارتفاع مكونات السلطة والخضار. ما يحدث الآن ليس مفاجأة. هو تكرار لنفس السيناريو، لكن بسعر أعلى وضغط أشد.
الضربة لا تقف عند عربات الفول والطعمية. كثير من المطاعم الشعبية عدلت قوائمها في الأيام الأخيرة. وبعضها رفع الأسعار بنسب تجاوزت 30% وفق تقديرات غير رسمية متداولة في السوق، خاصة في المناطق التي تعتمد بالكامل على أسطوانات الغاز. وفي الخلفية، يتحرك الخبز السياحي إلى أعلى. وتتحرك معه كلفة النقل. ثم تصل الزيادة كاملة إلى طبق الفقير الذي كان آخر خطوط الاحتمال.
12 عامًا من الجباية
هذه القفزة ليست حادثًا منفصلًا. النائبة مها عبد الناصر قالت إن سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية ارتفع من 8 جنيهات إلى 275 جنيهًا خلال 12 عامًا، بزيادة بلغت 3338%، كما أشارت إلى أن أسعار الغاز الطبيعي للمنازل زادت بين 900% و5000% خلال الفترة نفسها. هذا الرقم وحده يكشف جوهر المسألة. الحكومة لا تدير أزمة. هي ترحلها من موازنة الدولة إلى مائدة المواطن، ثم تعود لتطلب منه الصبر كل مرة.
الأخطر أن هذا العبء يقع على الشرائح الأقل قدرة على المناورة. الأسر الفقيرة لا تملك بدائل حقيقية. لا مطابخ كهرباء قادرة على تحمّل الفاتورة. ولا توصيلات غاز طبيعي متاحة في كل قرية ومنطقة شعبية. لذلك تصبح الأسطوانة سلعة حياة يومية، لا بندًا ثانويًا. وكل زيادة فيها تُترجم فورًا إلى تقليص عدد الوجبات، أو خفض جودتها، أو الاستدانة من أجل احتياجات أساسية لا تحتمل التأجيل.
وحتى التبرير الفني يفضح أصل الأزمة. نائب رئيس هيئة البترول الأسبق مدحت يوسف أرجع زيادة أسعار البوتاجاز إلى تضخم دعم الأسطوانة في الموازنة العامة بعد انخفاض سعر الصرف، وقال إن البوتاجاز يستحوذ على الحصة الأكبر من دعم المواد البترولية بسبب اتساع الفجوة بين سعر البيع وتكلفة الإنتاج. وبحسب ما نقله، كانت تكلفة الأسطوانة الواحدة تصل إلى 340 جنيهًا، بينما كانت تباع قبل زيادة 2024 بسعر 100 جنيه، وكانت الموازنة تتحمل 240 جنيهًا عن كل أسطوانة. المعنى هنا واضح. الدولة تركت الفجوة تكبر، ثم قررت أن يسددها المواطن وحده.
خطاب الدعم لا يطعم الناس
في المقابل، تكرر الحكومة خطابها المعتاد عن استمرار الدعم. وزير البترول كريم بدوي قال إن الدولة ما تزال تتحمل نحو 30 مليار جنيه سنويًا لدعم أسطوانات البوتاجاز رغم الزيادة الأخيرة. كما برر القرار بارتفاعات عالمية وصفها بغير المتوقعة، منها صعود النفط الخام بنحو 30% وقفز سعر البرميل من نحو 61 إلى قرابة 120 دولارًا، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى نحو 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية. لكن هذا الدفاع الرسمي يتجاهل السؤال الذي يهم الناس: لماذا تكون وجبة الفقير هي أول بند يُستهدف كلما اختلت حسابات السلطة؟
المشكلة لا تقف عند قرار التسعير نفسه، بل في سوق منفلت يضاعف أثره. رئيس شعبة الدواجن بغرفة الجيزة التجارية عبدالعزيز السيد وصف أسعار البيض بأنها “مبالغ فيها”، وقال إن السعر العادل للكرتونة 120 جنيهًا في ظل انخفاض الأعلاف إلى 17 ألف جنيه للطن، مرجعًا القفزات الكبيرة إلى احتكار بعض التجار والمضاربة على الأسعار. هذه الشهادة لا تخص البيض وحده. هي تشرح مناخًا اقتصاديًا كاملًا. طاقة أغلى. رقابة أضعف. وتاجر ينقل العبء فورًا إلى المستهلك الذي لا يملك التفاوض ولا المقاطعة.
لهذا لا تبدو أزمة البوتاجاز مجرد زيادة جديدة في قائمة طويلة. هي قرار يضرب مطبخ الفقير مباشرة، ويضغط على بائع السحور الصغير قبل أن يضغط على الأسرة التي تشتري منه، ثم يدفع الجميع إلى مساحة أضيق من الغذاء والكرامة. وحين تصبح أسطوانة الغاز عبئًا يوميًا على من يعيش أصلًا عند حافة العوز، لا يعود حديث الحكومة عن “الدعم” سوى ستار رسمي لانسحابها من أبسط واجباتها الاجتماعية.

