تكشف القليوبية، خلال أقل من 48 ساعة، صورة سلطة تدير الكارثة بالأوراق لا بالوقاية؛ تريلا محمّلة بالردة تنقلب على 2 تروسيكل أمام كوبري الشموت في بنها، فتقتل المواطن أحمد إبراهيم السيد السيد من منشية النور وتُصيب محمد صالح صلاح، بينما في قرية القشيش بشبين القناطر تلتهم النيران 3 أطفال داخل عشة أعلى منزل معروش بالخشب، ثم تبدأ بعد ذلك دورة البلاغات، والمحاضر، والانتدابات، والتصريحات المعتادة.

 

في الحادث الأول، تلقت أجهزة الأمن بالقليوبية إخطارًا من شرطة النجدة بوقوع انقلاب التريلا على الطريق الزراعي، فانتقلت سيارات الإسعاف وقوات المرور إلى الموقع، ونُقل المصاب إلى مستشفى بنها التعليمي، كما نُقل جثمان المتوفى واتُّخذت الإجراءات القانونية وبدأت التحقيقات مع رفع آثار التصادم لإعادة الحركة المرورية. هذه هي الدولة كما تظهر في الأخبار الرسمية: حاضرة بعد الدم، وغائبة قبل الاصطدام.

وفي الحادث الثاني، باشرت النيابة العامة التحقيق في مصرع 3 أطفال بقرية القشيش، وصرحت بالدفن عقب انتهاء الإجراءات القانونية، كما أمرت بانتداب الأدلة الجنائية وإعداد تقرير مفصل عن سبب الحريق لبيان وجود شبهة جنائية من عدمه، بينما كشفت المعاينة الأولية أن الأطفال كانوا يلهون داخل عشة أعلى سطح المنزل وقت اندلاع النار، فاحتجزتهم ألسنة اللهب حتى الموت. المسافة هنا ليست بين بيت ونقطة إطفاء فقط، بل بين مجتمع يُترك في مساكن قابلة للاشتعال وسلطة لا ترى الفقراء إلا في دفاتر الوفيات.

 

طريق يبتلع الفقراء

 

حادث بنها ليس مجرد خطأ سائق يُكتب في محضر ثم يُغلق الملف. الطريق الزراعي، مثل غيره من مسارات النقل الثقيل، صار ساحة مفتوحة لاختلاط الشاحنات الضخمة بمركبات هشة مثل التروسيكل، وهي معادلة يعرف الجميع نتيجتها قبل أن تقع. الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس وعميد المعهد القومي للنقل، قال إن تكرار الحوادث في النقطة الجغرافية نفسها يُعد مؤشرًا على وجود مشكلة هندسية أو فنية في تصميم الطريق، كما شدد على أهمية إعداد دورات تدريبية لسائقي النقل الثقيل.

هذا الرأي ينسف الرواية الحكومية الكسولة التي تختصر كل مأساة في “العنصر البشري” وحده. إذا كانت الدولة تعرف أن النقل الثقيل يحتاج تدريبًا خاصًا، وتعرف أن تكرار الحوادث في موضع واحد إشارة خلل، ثم تترك الطريق نفسه والحمولات نفسها والاختلاط نفسه، فهي لا تواجه الخطر بل تُديره حتى يسقط قتيل جديد.

والأفدح أن ضحايا هذا النمط غالبًا ليسوا من أصحاب السيارات المحصنة ولا من سكان الكومباوندات. الضحية هنا مواطن من منشية النور، والمركبتان تروسيكل، أي أن الفقراء يدفعون ثمن سياسات نقل ومرور تعتبر حياتهم هامشًا يمكن تعويضه بمحضر وتحويلة مرورية وبيان مقتضب.

بيت خشبي تحت سمع الدولة

 

في القشيش، الصورة أكثر قسوة. منزل مكون من طابقين معروشين بالخشب، وعشة أعلى السطح، و3 أطفال محاصرون بالنار قبل أن تصلهم النجدة. تقرير مفتش الصحة كشف أن الوفاة نتجت عن حروق شديدة من الدرجة الرابعة طالت جميع أجزاء الجسم ووصلت إلى الأنسجة العميقة، كما أشار إلى أنه لا يمكن الجزم بعدم وجود شبهة جنائية وأن الأمر يعود إلى تحريات المباحث. هذا ليس حادثًا منزليًا عابرًا؛ هذا تعريف كامل لمعنى السكن غير الآمن تحت بصر الإدارة المحلية.

النيابة أمرت بانتداب المعمل الجنائي، والأمن انتقل، والحماية المدنية دفعت بسيارات الإطفاء وسيطرت على الحريق قبل امتداده إلى المنازل المجاورة. لكن السؤال الذي تكرهه الحكومة يبقى قائمًا: كيف يعيش أطفال أصلًا فوق منزل معروش بالخشب، داخل عشة قابلة للاشتعال، من دون رقابة سلامة، ولا تدخل وقائي، ولا بدائل سكن تحمي الحد الأدنى من الحياة؟

هنا يفرض البعد القانوني نفسه. المستشار نجيب جبرائيل شدد، في قضية أخرى تتعلق بحماية القُصَّر، على أن المجلس القومي للأمومة والطفولة هو الجهة المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة، وأن أي تأخير في التحرك القانوني قد يؤدي إلى فقدان الإطار الخاص بحماية الأطفال. معنى ذلك في واقعة القشيش واضح: حماية الطفل لا تبدأ من المشرحة، بل من رصد البيئات الخطرة التي يعيش فيها الأطفال قبل أن يتحول اللعب إلى احتراق جماعي.

محاضر بعد الموت

 

الواقعتان تكشفان آلية حكم واحدة. بلاغ من النجدة، انتقال أمني، إسعاف، رفع آثار، محضر، نيابة، أدلة جنائية، ثم تهدأ الضجة إلى أن تأتي كارثة جديدة. لا يوجد في المشهد ما يدل على سياسة وقاية عامة، لا في تنظيم مرور النقل الثقيل على الطرق المكتظة، ولا في مراقبة البيوت شديدة الخطورة داخل القرى، ولا في نظام إنذار مبكر يحمي الأطفال من مساكن تشتعل أسرع مما تصل إليه سيارات الإطفاء.

 

وإذا كان الدكتور حسن مهدي قد ربط تكرار الحوادث بوجود مشكلة هندسية أو فنية محتملة، وإذا كان تقرير مفتش الصحة قد أثبت بشاعة الإصابات في حريق القشيش، وإذا كان نجيب جبرائيل قد أعاد التذكير بأن حماية الأطفال اختصاص مؤسسي لا يقبل التأجيل، فإن الحكومة لا تملك بعد كل ذلك رفاهية الاختباء وراء عبارة “قضاء وقدر”. ما يحدث في القليوبية ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لإدارة عامة تتدخل بعد الانهيار، وتترك أسباب الانهيار قائمة كما هي.

في بنها، مات رجل وأُصيب آخر تحت حمولة تريلا. وفي القشيش، مات 3 أطفال داخل عشة فوق بيت خشبي. وبين الموقعين خيط واحد: سلطة تتقن عدّ الضحايا أكثر مما تتقن منعهم. هذه ليست مصادفة محلية في محافظة منكوبة بالحوادث، بل فشل سياسي وإداري صريح، وثمنه هذه المرة 4 موتى في يومين، كلهم من خارج دوائر الحماية الحقيقية في هذا البلد.