تكشف قرارات مصطفى مدبولي الأخيرة لترشيد الكهرباء حجم المأزق الذي وصلت إليه حكومته أكثر مما تكشف أي خطة جادة لإدارته، لأن السلطة التي ظلت تكرر لأسابيع أنها تملك السيطرة وأن البلاد لن تعود إلى سيناريو الانقطاعات، عادت الآن لتطرح على المصريين وصفة قديمة تقوم على إغلاق المحال مبكرًا، وتعتيم الإعلانات، وخفض إنارة الشوارع، وتقليص العمل الحضوري في الجهاز الإداري، وكأن الدولة لا تعرف من إدارة الأزمات سوى نقل كلفتها إلى المواطنين ثم مطالبتهم بالصبر.
الحكومة نفسها تحدثت عن ترشيد استهلاك الكهرباء في المباني والمرافق الحكومية، وإغلاق الإنارة الداخلية والخارجية بعد ساعات العمل، وتخفيض إنارة أعمدة الشوارع بنسبة لا تقل عن 50%، مع ربط هذه الإجراءات بتداعيات التصعيد العسكري في المنطقة وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة، بعدما كان مدبولي قد أكد قبلها أن البلاد “أفضل استعدادًا” وأنه لا عودة لقطع الكهرباء، وهو تناقض لا يمر على الشارع بوصفه تنظيمًا إداريًا بل باعتباره اعترافًا متأخرًا بأن الحكومة لا تزال تدير الملف بمنطق رد الفعل لا بمنطق التخطيط.
الاعتراض الشعبي لم يخرج من فراغ، لأن القرارات مست حياة الناس اليومية مباشرة من دون شرح مقنع لحجم الأزمة ولا لمدتها ولا لكلفتها الحقيقية ولا لبدائلها، فحين تطلب الحكومة من بلد يعمل ويتحرك ويتسوق ليلًا أن يغلق محاله ومطاعمه ومولاته عند 9 مساءً، ثم تدرس توسيع العمل من المنازل، وتخفض الإضاءة العامة، فهي لا تقدم سياسة عامة بقدر ما تعلن عجزها عن معالجة أصل الخلل.
ولهذا بدا الغضب واسعًا وسريعًا، من ناشطين ومواطنين ورجال أعمال، ليس فقط بسبب مضمون القرار، بل لأن الناس قرأته باعتباره حلقة جديدة في مسلسل القرارات المرتجلة التي تضرب السوق الصغير، وتضغط على الخدمات، وتربك الحياة اليومية، بينما يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة واضحة، كيف وصلت مصر أصلًا إلى نقطة تصبح فيها إدارة الكهرباء مرادفًا لإطفاء المدينة بدل إصلاح المنظومة.
قرارات تعترف بالأزمة وتكذبها في الوقت نفسه
أول ما يلفت النظر في المشهد أن حكومة مدبولي تريد من المصريين أن يصدقوا روايتين متعارضتين في اللحظة نفسها، فهي من جهة تطمئنهم إلى عدم وجود أزمة تستدعي الفزع، ومن جهة أخرى تطلب إجراءات استثنائية تمس الإضاءة والعمل وحركة التجارة والخدمات. هنا لا يبدو الغضب الشعبي مبالغة، بل ردًا طبيعيًا على خطاب رسمي مأزوم فقد القدرة على الإقناع.
الناشطة نسرين نعيم قرأت القرارات باعتبارها مؤشرًا على وضع أخطر مما يقال رسميًا، وتساءلت بسخرية مرة هل وصل إلى مصر “إشعاع نووي” حتى يجري التعامل مع البلد بهذا الشكل القلق والمفاجئ.
إغلاق جميع المحلات والمولات والمطاعم بمصر
— نسرين نعيم (@nesrinnaem144) March 18, 2026
الساعة 9 مساءا ،
ويومي الخميس والجمعة الساعة 10 مساء
اعتبارا من يوم 28 مارس ولمدة شهر
كما أعلن إيقاف إنارة جميع الإعلانات على الطرق ترشيدا لاستهلاك الكهرباء وغلق الحي الحكومي بالكامل الساعة 6 مساءً
كما تدرس الحكومة، منح الموظفين… pic.twitter.com/De7UxsBK7B
الجيزاوي لخص الإحساس الشعبي في جملة أكثر مباشرة، الحرب هناك لكن نتائجها هنا، والخسائر تقع في جبهة أخرى اسمها الداخل المصري، حيث المواطن هو من يدفع الفاتورة في النهاية، لا من اتخذ القرار ولا من أخطأ في إدارة الملف من البداية.
بصوا يا جماعة هي الحرب هناك
— 🇵🇸🇪🇬🇰🇼🇹🇳الجيزاوي🇶🇦🇸🇾🇹🇷🇾🇪 (@AhmedYe57742811) March 18, 2026
لكن تأثيرها هنا
والضرب والخسائر هناك
لكن نتائجها هنا
وعليه العوض ومنه العوض
عمر طرح السؤال الأوضح وربما الأكثر إحراجًا للحكومة، ما السبب الحقيقي لهذه الإجراءات ما دامت مصر توصف رسميًا بأنها آمنة مقارنة بكثير من دول المنطقة، وهو سؤال يكشف أن السلطة لم تفشل فقط في تسويق القرار، بل فشلت قبل ذلك في بناء حد أدنى من الثقة يجعل الناس تفهم وتصدق وتتحمل.
سؤال للمصريين بالداخل.. شو السبب الحقيقي لهذه الإجراءات؟ مع العلم مصر دولة آمنة مقارنة ببقية دول المنطقة
— عمر بيازيد (@byazyd92273) March 18, 2026
المفارقة أن هذه القرارات لا تأتي من فراغ إداري، بل من توجيهات رسمية معلنة بترشيد الاستهلاك في الجهات الحكومية، وإغلاق لوحات الإعلانات بالشوارع والطرق الرئيسية، وتخفيض إنارة الأعمدة العامة، وكلها خطوات أكدت مصادر حكومية تطبيقها في مارس على خلفية التداعيات الإقليمية وأزمة الطاقة.
لكن بدل أن تقدم الحكومة ذلك ضمن خطة شفافة تشرح المؤقت والدائم والضروري والبديل، تركت المجال العام للشائعات والتأويلات والسخرية، فصار القرار يبدو أقرب إلى تمهيد لأزمة أوسع منه إلى إجراء احترازي محسوب. هذه ليست مشكلة شرح فقط، بل مشكلة سلطة تعودت أن تصدر القرار أولًا ثم تطلب من المجتمع أن يفهم لاحقًا.
الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، كان قد حذر في أكثر من مناسبة من أن إدارة الاختناقات الاقتصادية عبر حلول قصيرة الأجل لا تعالج أصل المأزق، لأن نقل العبء إلى السوق والمستهلك يخلق تشوهات أوسع من المشكلة نفسها.
وهذا بالضبط ما تفعله حكومة مدبولي الآن، فهي لا تقول للناس كيف ستزيد كفاءة المنظومة، ولا كيف ستعالج فجوة الوقود والغاز على المدى المتوسط، بل تطلب منهم فقط أن يعيشوا أقل ويشتروا أقل ويتحركوا أقل، ثم تعتبر ذلك نجاحًا في الإدارة.
الركود المفروض يدفع ثمنه الأسواق الصغيرة
المشكلة الأكبر في قرارات الإغلاق المبكر أنها لا تضرب فراغًا اقتصاديًا، بل تضرب نمط حياة وسوقًا قائمًا بالفعل على النشاط المسائي. كثير من المصريين لا يبدأون التسوق ولا الخروج ولا قضاء احتياجاتهم إلا بعد انتهاء ساعات العمل، ولذلك فإن تقليص ساعات النشاط التجاري ليس مجرد تفصيلة تنظيمية، بل خصم مباشر من المبيعات والدخول وحركة النقد اليومية.
مها لخصت هذه الزاوية بوضوح حين قالت إن تخفيض إضاءة الطرق قد يرفع الحوادث، وإن إغلاق المحال عند 9 مساءً يضرب الاقتصاد المصري ويدفعه إلى الركود، لأن وقت التسوق الفعلي عند المصريين يبدأ في الليل لا قبله.
ونتيجة تخفيض اضاءة الطرق زيادة الحوادث اللى هيكون ضحيتها مئات المصريين
— 🎼 𝓂𝒶𝒽𝒶 🎸 🎼 (@mahamamdoh62008) March 18, 2026
ونتيجة قفل المحلات الساعة ٩ خسارة للاقتصاد المصرى وركود وكارثة
لان التسوق عندنا بيبداء من بالليل لما الناس ترجع من شغلها
إبراهيم ذهب إلى جوهر آخر في النقد حين قال إن التفكير نفسه عقيم، لأن إغلاق المحال يعني نقص المبيعات ونقص الضرائب، والعمل من المنازل لا يعني بالضرورة ترشيدًا حقيقيًا، بل قد ينقل الاستهلاك من مكتب واحد إلى عشرات البيوت، فتدفع الأسر ما كان يجب أن تتحمله الإدارة العامة.
نفس التفكير العقيم
— ebrahim hamouda (@Ebrahima34) March 18, 2026
اغلاق المحال يعني نقص المبيعات ونقص الضرائب
العمل اون لاين يعني زيادة استهلاك الكهرباء فبدلاً من وجود خمس موظفين في مكتب واحد بإضاءة مشتركة سيعملون من بيوتهم كل منهم بإضاءة خاصة به .
أبو عبدالرحمن صاغ غضبه بلغة ساخرة لكنها كاشفة، فبدل معالجة الخلل من جذره تتحرك الحكومة نحو فرض نظام معيشة قسري على الناس، ثم تتركهم يواجهون الغرامات والارتباك والخسائر، وكأن المطلوب ليس إدارة أزمة بل فرض إتاوة جديدة على مجتمع لم يعد يحتمل.
طيب قول موعد الفتح و خليها بعد صلاة الفجر بساعه
— أبو عبد الرحمن MA_محمد (@MS_Abou_Alabd) March 18, 2026
و خلي كل الموظفين يشتغلوا بعد الفجر بساعه و سكن كل الموظفين قريبين من اماكن عملهم بالمره دي تبقي خطوه حلوه
انما تقفل المولات و المقاهي الساعه 9
و دا عشان تفرض عليهم غرامات مش منطقي خالص فرض الاتاوه
هذه الاعتراضات لا يمكن التعامل معها بوصفها ضجيج سوشيال ميديا فقط، لأن السوق نفسه ينبه إلى الكلفة.
رجل الأعمال نجيب ساويرس طالب رئيس الوزراء بمراجعة قرار إغلاق المحال والمطاعم عند 9 مساءً بسبب تأثيره السلبي على قطاع السياحة، وهو اعتراض مهم لأن السياحة ليست هامشًا اقتصاديًا يمكن تجاهله، بل من أكثر القطاعات حساسية للصورة العامة وسهولة الحركة ومرونة الخدمات. حين تصل الاعتراضات من مواطنين متضررين ومن رجال أعمال معنيين بالتشغيل والإنفاق والاستثمار، فالمشكلة هنا ليست في تقبل القرار فقط، بل في منطق القرار نفسه.
رجل الأعمال نجيب ساويرس يطالب رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بمراجعة قرار إغلاق المحال والمطاعم في الساعة 9 مساءً لما له من تأثير سلبي على قطاع السياحة#مزيد pic.twitter.com/IaybJPPO7i
— مزيد - Mazid (@MazidNews) March 19, 2026
الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، تحدث مرارًا عن أن أي إجراء يضغط على النشاط التجاري والخدمي من دون تعويض واضح أو معالجة لجذر الأزمة ينعكس سريعًا على العمالة الصغيرة والاقتصاد اليومي. وهذه هي النقطة الغائبة تمامًا عن خطاب مدبولي، لأن الحكومة تتكلم عن الترشيد بلغة الجداول، بينما يدفع الكلفة أصحاب المحال والعمال والموظفون والسائقون والمطاعم والمقاهي وكل نشاط يعتمد على الليل بوصفه وقت الذروة الفعلي.
عجز عن البدائل وسلطة تتقن تحميل المواطن الفشل
الأخطر من الإغلاق نفسه أن الحكومة لا تقدم أي نقاش جدي حول البدائل الممكنة، فلا حديث واضح عن تسريع التوسع الشعبي في الطاقة الشمسية، ولا عن حوافز حقيقية لتخفيف العبء على الشبكة، ولا عن مراجعة أولويات الإنفاق، ولا عن خطة شفافة تقول للناس لماذا ندفع هذه الكلفة الآن ومتى تتوقف. بدل ذلك يظهر القرار كما لو أنه امتداد طبيعي لأسلوب حكم لا يرى المواطن إلا الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها أي عجز في الطاقة أو التمويل أو الإدارة.
شاهيناز طاهر عبرت عن هذا الغضب بصيغة مباشرة حين خاطبت مدبولي بأن قراراته دائمًا ضد المواطن وليست في صالحه، وأن غرابتها صارت عبئًا يوميًا على الناس.
📌يا مصطفى بيه قراراتك دايما ضد المواطن مش في صالحة تعبتنا والله قراراتك غريبة
— شاهيناز طاهر (@ChahinazTaher) March 18, 2026
بقيت بتقبض من تصريحاتك
الحكومة تقرر إغلاق المحال والمولات والمطاعم 9 مساء ضمن خطة أوسع لترشيد الكهرباء...رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يعلن التفاصيل@CabinetEgy@AlsisiOfficial pic.twitter.com/Q5vOQyFA7N
رانيا الخطيب قدمت في المقابل ما يشبه البديل الغائب، إذ دعت إلى رفع الجمارك عن خلايا الطاقة الشمسية ومستلزماتها وتشجيع الناس على تركيبها فوق البيوت بدل إبقاء المجتمع كله تحت رحمة نقص الغاز أو سوء إدارة الموارد، وهي ملاحظة تفضح الفرق بين مجتمع يحاول التفكير في حل وسلطة لا تزال أسيرة المنع والتقييد والإغلاق.
ياريت الحكومة تشيل الجمارك عن خلايا الطاقة الشمسية وكل حاجة تخصها وتشجع الناس انها تركب وحدات فوق بيوتها عشان منبقاش تحت رحمة اللي معاهم محبس الغاز ده لو وفروها بدل ما يمنعوها كانت البيوت والبلد ارتاحت
— Rania Elkhateeb (@ElkhateebRania) March 18, 2026
أحمد فريد قرأ القرارات باعتبارها استباقًا لانهيار أوسع يلوح في الأفق
ده استباق لما سيحدث من انهيار شامل في جميع مناحي الحياة وقبل الطوفان الكبير القادم من الجنوب ولله الأمر من قبل ومن بعد
— ahmed farid (@ahmedfa13331515) March 18, 2026
بينما عبّر عاطف صلاح عن غضب أكثر حدة من حكومة يعتبرها أصل الأزمة لا أداتها التنفيذية فقط.
عايزين تحسسوا الناس انها ازمه بجد وهو مفيش ازمه فى البلد غيركم ياولاد الك لب ياشوية حراميه مهى نهيبه انهبوا فيها براحتكم بس لكم يوم اسود والله ماحد هيرحمكم
— atef slah (@AtefSal11725599) March 18, 2026
وقد تبدو هذه اللغة غاضبة أو منفلتة، لكنها في حقيقتها نتيجة مباشرة لانهيار الثقة، فعندما تتكرر القرارات المرتبكة نفسها، وتدفع الطبقات الوسطى والدنيا الكلفة نفسها، ويغيب الشرح والبديل والمحاسبة، يصبح الغضب نفسه خبرًا سياسيًا لا يمكن عزله عن القرار.
الدكتور ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، أشار في تحليلات متعددة إلى أن أزمات الطاقة والعملة والاستيراد في مصر ليست منفصلة عن نمط إدارة اقتصادي وسياسي يفضل التسكين على الإصلاح. وهذا ما يفسر أن حكومة مدبولي كلما واجهت اختناقًا جديدًا عادت إلى الأدوات نفسها، إجراءات فوقية سريعة، كلفة يدفعها المواطن، خطاب رسمي مطمئن من الخارج ومرتبك من الداخل، ثم انتظار أن يمر الوقت. لكن الوقت لا يحل شيئًا هنا، لأنه يترك وراءه سوقًا أضعف، وثقة أقل، وغضبًا أوسع.
المحصلة أن قرارات مدبولي لا تبدو خطة إنقاذ بقدر ما تبدو اعترافًا قاسيًا بأن الحكومة فشلت مرة أخرى في إدارة الملف قبل أن يصل إلى حافة الانفجار.
وحين تعالج السلطة نقص الطاقة بإطفاء الإعلانات وتعتيم الطرق وتقليص ساعات العمل والنشاط التجاري، فهي لا ترشد الاستهلاك فقط، بل ترسل إلى الناس رسالة أخطر، أن الدولة التي توسعت في الجباية والوعود والمشروعات لا تزال عاجزة عن تأمين أبسط حق يومي للمجتمع، كهرباء مستقرة من دون أن تدفع المدينة كلها ثمن هذا العجز.

