لم تعد إيران تواجه أزمة واحدة يمكن فصلها عن غيرها، بل صارت تعيش تراكبًا حادًا بين الحرب والانكماش الاقتصادي والاختناق الطاقي والتشدد الأمني. فحتى قبل التصعيد العسكري الأخير، كانت تقديرات صندوق النقد الدولي تضع الاقتصاد الإيراني عند نمو هزيل لا يتجاوز 1.1% في 2026، مع تضخم متوسط يبلغ 41.6%، وهي أرقام تكفي وحدها لشرح هشاشة الداخل. لكن منذ أواخر فبراير 2026، دخلت البلاد طورًا أشد قسوة: ضربات عسكرية، اضطراب في الطاقة، نزوح داخلي واسع، وتعطل متزايد في الحياة اليومية.
والأرقام الميدانية تجعل الصورة أكثر فجاجة. تقارير منشورة هذا الأسبوع تتحدث عن أكثر من 1,300 قتيل ونحو 19 ألف مصاب داخل إيران منذ بدء الحرب في 28 فبراير، وعن نزوح يصل إلى 3.2 مليون شخص من مدنهم، في وقت تعرض فيه حقل “جنوب فارس” لضربة مباشرة رغم أنه يوفّر نحو 80% من إمدادات الغاز الإيرانية، ما وضع بلدًا يملك واحدًا من أكبر احتياطيات الغاز في العالم أمام احتمال أعمق من مجرد نقص مؤقت: شلل اقتصادي واجتماعي واسع.
اقتصاد كان يترنح أصلًا.. ثم جاءت الحرب لتدفعه نحو الحافة
اقتصاديًا، لا تبدأ أزمة إيران من الحرب، بل من اقتصاد متآكل أصلًا. صندوق النقد الدولي يقدّر نمو 2026 عند 1.1% فقط، بينما يبقى التضخم عند 41.6% في المتوسط، وهي مستويات تعني عمليًا أن أي صدمة إضافية في الطاقة أو العملة أو الإمداد تتحول فورًا إلى ضغط معيشي مباشر على الأسر. كما تُظهر بيانات “تريدينغ إيكونوميكس” المبنية على أرقام مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم السنوي بلغ 48.6% في أكتوبر 2025، ما يعكس أن موجة الأسعار كانت مرتفعة أصلًا قبل الانفجار العسكري الأخير.
هذا التدهور المعيشي لم يبقَ في خانة المؤشرات الاقتصادية فقط، بل خرج إلى الشارع. منظمة العفو الدولية وثّقت أن الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر 2025 كانت مدفوعة بالغضب من عقود من القمع ومن أزمة معيشية خانقة، وقالت إن السلطات ردّت بعنف قاتل، مع انقطاع كامل للإنترنت منذ 8 يناير 2026 للتستر على الانتهاكات. كما أشارت المقررة الأممية الخاصة ماي ساتو، بحسب يورونيوز، إلى مقتل 8 أشخاص على الأقل في الاحتجاجات التي تفجرت بسبب فرط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومع اتساع الحرب، لم تعد الأزمة الاقتصادية تُقاس بسعر الصرف أو معدل التضخم فقط، بل بقدرة الناس على البقاء في مدنهم والعمل والشراء والتنقل. صحيفة “الغارديان” نقلت عن سكان في طهران ومدن أخرى أن القصف اليومي أخرج حياة الناس من أي إيقاع طبيعي، وأن أصحاب المتاجر يخشون أن تقضي الحرب الطويلة على ما تبقّى من أعمالهم، في وقت تواصل فيه العقوبات استنزاف الاقتصاد.
بلد غارق في الطاقة.. لكنه يواجه العتمة والاختناق
المفارقة الإيرانية الأكثر قسوة أن الأزمة تضرب قلب قطاع الطاقة نفسه. وكالة أسوشيتد برس نقلت في 18 مارس 2026 أن الضربة التي طالت حقل “جنوب فارس” أصابت شريانًا حيويًا تعتمد عليه إيران في نحو 80% من إمدادات الغاز، وهو الغاز الذي تحتاجه للكهرباء والتدفئة والصناعة. وفي بلد يعاني أصلًا اختلالات مزمنة في الطاقة بسبب سوء الإدارة والعقوبات وتآكل البنية التحتية، فإن ضرب هذا الحقل لا يعني مجرد خسارة تقنية، بل تهديدًا مباشرًا للحياة اليومية.
ولم تبقِ الحرب أثرها داخل الحدود الإيرانية فقط. فتعطل “جنوب فارس” أوقف تمامًا صادرات الغاز الإيراني إلى العراق، بحسب وول ستريت جورنال، ما تسبب في فقدان نحو 3,100 ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء العراقية. هذه المعلومة تكشف حجم مركزية الحقل في منظومة الطاقة الإقليمية، كما تكشف في الوقت نفسه حجم هشاشة الداخل الإيراني حين يتعرض مركز إنتاجه الأساسي للاهتزاز.
أما على مستوى النفط والتجارة، فقد تسببت الحرب مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز في ما وصفته تقارير إعلامية ناقلة عن وكالة الطاقة الدولية بأنه “أكبر اضطراب في تاريخ أسواق النفط”، مع تعطل ما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميًا، واحتجاز أكثر من 85 ناقلة في الخليج، في وقت قفز فيه خام برنت إلى ما فوق 118 دولارًا للبرميل اليوم. هذا الارتفاع قد يبدو ظاهريًا مكسبًا لبلد نفطي، لكنه بالنسبة لإيران المحاصرة بالعقوبات والمضروبة عسكريًا لا يتحول بسهولة إلى انتعاش داخلي، بل إلى مزيد من التوتر والاختناق اللوجستي والمالي.
المشكلة ليست في الحرب وحدها.. بل في بنية مأزومة تتداعى أسرع تحت النار
الخبير الاقتصادي الإيراني سعيد ليلاز قال في مقابلة مع يورونيوز في يناير 2026 إن “أسلوب الحكم في طهران وصل إلى طريق مسدود”، رابطًا بين الانسداد السياسي والانفجار الاقتصادي والاجتماعي. أهمية هذا التوصيف أنه سبق التصعيد العسكري الحالي، ما يعني أن ليلاز كان يرى الأزمة بنيوية قبل أن تتحول الحرب إلى عامل تسريع مباشر لها.
الاقتصادي الإيراني مسعود نيلي، في مداخلات نُقلت عنه خلال نقاشات “آفاق الاقتصاد الإيراني 2025”، حذّر من أن المشكلة الأكبر ليست فقط في المؤشرات الكلية بل في “اتساع الفجوة الاجتماعية وتآكل الثقة العامة”، معتبرًا أن الاقتصاد الإيراني يعاني خللًا أعمق من مجرد العقوبات أو التوتر الخارجي. مغزى هذا التحذير اليوم أن الحرب لا تضرب اقتصادًا سليمًا، بل اقتصادًا يحمل أصلًا شروخًا اجتماعية عميقة.
أما إسفنديار بَتمانقليج، وهو خبير اقتصادي إيراني ورئيس “مؤسسة بورس آند بازار”، فشدد في مقابلة منشورة في مارس 2026 على أن العلاقة الاقتصادية بين إيران والصين “ليست عميقة كما يُروَّج”، وأن الشراكة الاستراتيجية لم تتحول إلى دعم سياسي أو اقتصادي مباشر قادر على إنقاذ طهران. هذا التقدير يضرب واحدة من أكثر السرديات الرسمية تداولًا، أي أن طهران تستطيع الاحتماء شرقًا كلما اشتد الضغط الغربي.
ومن زاوية سياسية-استراتيجية، يرى علي واعظ، مدير مشروع إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، في مقال نشره مطلع مارس 2026، أن الضربات الأخيرة تفتح “صندوق باندورا” في الخليج، وتدفع المنطقة إلى تصعيد قد يطول أثره الاقتصاد والسياسة معًا. أهمية رأيه هنا أنه لا يتحدث فقط عن ضربة عسكرية أو رد عسكري، بل عن تحول الصراع إلى بيئة دائمة لتآكل الدولة والمجتمع والسوق داخل إيران.
حصيلة هذه المؤشرات أن إيران لا تقف أمام أزمة عابرة يمكن احتواؤها بخطاب تعبوي أو جولة مفاوضات. نحن أمام بلد نموه المتوقع 1.1% فقط، وتضخمه 41.6%، واحتجاجاته سبقت الحرب، ثم جاءت الحرب لتضيف أكثر من 1,300 قتيل ونحو 19 ألف مصاب و3.2 مليون نازح، وتضرب حقلًا يوفر 80% من غازه، وتدفع المنطقة كلها إلى اضطراب طاقي غير مسبوق. بهذا المعنى، لا تُختصر مأساة إيران في القصف، ولا في العقوبات وحدها، بل في أن الدولة دخلت الحرب وهي أصلًا مثقلة بأزمة حكم واقتصاد ومجتمع، ثم وجدت نفسها تنزف على كل الجبهات في وقت واحد.

