فتحت سلطات الاحتلال معبر رفح لعبور محدود من غزة إلى مصر؛ لكن اليوم نفسه انتهى بثلاثة استهدافات دامية وسط وشمال القطاع، واعتقال مرافق مريض أثناء العودة، وسقوط قتلى وجرحى في مناطق مدنية مزدحمة.

الحصيلة الأولية، وفق مصدر في وزارة الصحة، بلغت مقتل 4 فلسطينيين على الأقل وإصابة 20 آخرين في 3 هجمات منفصلة، بينما عبر 25 مسافرًا فقط إلى مصر لتلقي العلاج.

المشهد هنا لا يحتاج تفسيرًا مطولًا. المعبر يعمل بالقطارة؛ والقصف يعمل بكامل طاقته.

 

وغادر 25 شخصًا غزة عبر معبر رفح، بينهم 8 مرضى و17 مرافقًا، بحسب مصدر صحفي من خانيونس تحدث إلى المنصة. وفي المقابل، سمح الاحتلال بعودة 28 مسافرًا، بينهم 8 موظفين من هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية التي تدير عمل المعبر من الجانب الفلسطيني. لكن العودة نفسها تحولت، وفق أحد العائدين، إلى مسار تحقيق واحتجاز.

الشاهد قال إن الاحتلال اعتقل شابًا كان يرافق شقيقه المريض المقيم في مصر منذ ما قبل حرب 7 أكتوبر 2023، ثم أخفى مصيره بعد ساعات انتظار طويلة عند نقطة التفتيش القريبة من بوابة المعبر.

هذا الوصف يتقاطع مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية من أن الإجلاء الطبي من غزة لا يزال «بطيئًا للغاية»، وأن ما بين 12,000 و14,000 شخص ما زالوا بحاجة إلى علاج تخصصي خارج القطاع، بينهم آلاف الأطفال؛ في وقت شدد فيه ممثل المنظمة في الأرض الفلسطينية المحتلة، د. ريك بيبركورن، على ضرورة استعادة مسارات الإحالة الطبية الطبيعية وتسريع الخروج عبر كل الطرق الممكنة.

عبور محدود وتحقيقات واعتقال على بوابة المعبر

 

وصل 28 من العائدين إلى مجمع ناصر الطبي منتصف ليل الاثنين. أحدهم قال للمنصة إن فريق الصليب الأحمر الدولي المرافق للقافلة رفض التحرك أولًا من دون الشاب المعتقل، قبل أن يبلغهم الاحتلال أنه نُقل إلى داخل الأراضي المحتلة من دون أي معلومات إضافية.

بعد 7 ساعات من الانتظار، تحركت القافلة إلى خانيونس من دونه. الرواية هنا لا تتحدث عن «ترتيبات أمنية» مجردة؛ تتحدث عن مريض ومرافقين، وعن عائدين مدنيين، وعن احتجاز جرى في معبر يفترض أنه خُصص أصلًا لحالات إنسانية.

 

هذه الوقائع جاءت بعد إعلان منسق جيش الاحتلال للمناطق الجنوبية، في 15 مارس، إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين بدءًا من الأربعاء 18 مارس أمام «حركة محدودة للأشخاص فقط»، مع إخضاع العابرين لفحص إضافي في نقطة «ريجافيم» الواقعة تحت سيطرة الجيش.

النص الإسرائيلي تحدث عن «تقييم أمني» و«قيود مطلوبة». لكن النتيجة على الأرض كانت أضيق من أن توصف بفتح فعلي. أرقام العبور المحدودة، ثم الاعتقال أثناء العودة، تكشف أن الاحتلال أبقى السيطرة الأمنية الكاملة على المرور وعلى من يُسمح له بالعلاج ومن يُعاد ومن يُحتجز.

 

من الزاوية القانونية، تبدو الوقائع أبعد من مجرد تشدد إجرائي. فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قالت في تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان إن ما يجري في غزة يجري

 

في سياق اعتداء منهجي على السكان الفلسطينيين، فيما شدد خبراء أمميون، في بيان آخر، على أن الهجوم الإسرائيلي يقوض الإطار القانوني لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة. الاستناد إلى «التحقق الأمني» لا يلغي التزامات حماية المرضى والمرافقين والمدنيين، ولا يبرر إخفاء مصير محتجز بعد عبوره معبرًا مخصصًا للحالات الإنسانية.

 

3 استهدافات في يوم واحد.. شقة سكنية ومركبة شرطة وتجمع مدني

 

بالتوازي مع ملف المعبر، واصل جيش الاحتلال خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما وثقته المنصة. في حي اليرموك بمدينة غزة، استهدف الاحتلال شقة سكنية في عمارة التاج بصاروخين من دون سابق تحذير. الشقة احترقت ودُمرت بالكامل، وفق المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، فيما نقلت طواقم الإسعاف 4 مصابين إلى مستشفى الشفاء، بعضهم في حالات خطيرة، بحسب مصدر في وزارة الصحة. شاهد عيان قال إن مطعمًا يقع أسفل العمارة كان مكتظًا بزبائنه في مساء ثالث أيام عيد الفطر، وإن الانفجار قلب لحظات عائلية عادية إلى حالة هلع جماعي.

 

قبل ذلك، استهدفت غارة أخرى مركبة شرطة تابعة لوزارة الداخلية غرب مخيم النصيرات وسط القطاع. النتيجة، بحسب مصدر طبي في مستشفى العودة، كانت مقتل 3 ضباط شرطة وإصابة 2 من المجندين، إلى جانب إصابة 10 مواطنين كانوا يسيرون في الشارع الرئيسي لحظة الاستهداف. شاهد عيان قال للمنصة إن القصف وقع في ساعات الذروة، بينما كان الشارع يعج بالمارة. وزارة الداخلية نعت الضباط، وقالت إنهم كانوا في مهمة عمل في ثالث أيام العيد، وأدانت استهداف عناصر الشرطة وهم على رأس عملهم في تقديم خدمات الأمن للمواطنين.

 

وفي حي الشيخ رضوان شمال القطاع، استهدف الاحتلال تجمعًا للمواطنين؛ ما أدى إلى مقتل شاب وإصابة أكثر من 5 آخرين نُقلوا إلى مستشفى الشفاء. لاحقًا، أعلن جيش الاحتلال، في بيان نشره المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، أنه اغتال «عنصرًا إرهابيًا» شارك في اعتداءات داخل الأراضي المحتلة، وزعم أن المستهدف شكّل «تهديدًا فوريًا». لكن البيان العسكري لم يغير حقيقة موثقة في روايات الشهود والمصادر الطبية: الاستهداف وقع وسط تجمع مدني، كما أن هجوم النصيرات أصاب مارة، وهجوم عمارة التاج أصاب بناية مأهولة ومنطقة تجارية مزدحمة.

 

الوقائع الميدانية تسبق البيانات.. والخبراء يضعون التوصيف

 

ما حدث في يوم واحد يجمع خيطًا واحدًا واضحًا. عبور محدود عبر رفح تحت رقابة إسرائيلية مباشرة. اعتقال مرافق مريض خلال العودة. 3 هجمات في مناطق مدنية مأهولة. قتلى وجرحى من الشرطة والمارة والسكان. هذا النمط هو ما دفع رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميرجانا سبولياريتش، إلى التأكيد مرارًا أن المدنيين، والعاملين في المجال الطبي والإنساني، محميون بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن حمايتهم ليست خيارًا سياسيًا بل التزامًا واجب النفاذ. اللجنة شددت أيضًا على ضرورة احترام المرافق الطبية وضمان بقائها متاحة للمرضى والطواقم. هذه ليست ملاحظات عامة؛ إنها تنطبق مباشرة على معبر يمر عبره مرضى، وعلى مستشفيات تستقبل ضحايا قصف متكرر، وعلى أحياء سكنية وشوارع رئيسية تحولت إلى أهداف مفتوحة.

 

المحصلة، وفق الوقائع التي نقلتها المنصة من مصادرها الميدانية والطبية، ليست مجرد «حوادث منفصلة». هي سجل يوم واحد في غزة: 25 مسافرًا إلى مصر للعلاج، 28 عائدًا أحدهم اختفى في قبضة الاحتلال، 4 قتلى على الأقل، 20 مصابًا، وشقة ومركبة وتجمع مدني تحت النار.

 

هذا تقرير وقائع. لا يحتاج تزويقًا. يحتاج فقط إلى تسجيل دقيق لما جرى: المعبر لم يتحول إلى شريان نجاة؛ والقصف لم يتوقف؛ والبيانات العسكرية لم تُلغِ أسماء القتلى ولا عدد الجرحى ولا حقيقة أن المدنيين ظلوا في مرمى النار.