سجل مضيق هرمز في الأيام الأخيرة من مارس تراجعًا حادًا في حركة العبور، بعدما فرضت إيران مسارًا ضيقًا ملاصقًا لساحلها على السفن الخارجة من الخليج العربي. هذا التراجع جاء مع استمرار الحرب على إيران للشهر الثاني، ومع شروع البرلمان الإيراني في إعداد قانون لفرض رسوم على المرور الآمن، ومع انتقال قرار العبور من القواعد الملاحية العامة إلى موافقات سياسية انتقائية.
عبور محدود ومسار ضيق يثبت تشديد السيطرة الإيرانية
ومع اتساع التوتر العسكري، أظهرت بيانات تتبع السفن التي جمعتها بلومبرغ أن أربع سفن فقط غادرت الخليج العربي صباح السبت. البيانات حددت سفينتين للغاز الطبيعي المسال وسفينتين لنقل البضائع. هذا الرقم المحدود لا يصف تباطؤًا تجاريًا عاديًا، بل يثبت أن حركة الخروج عبر المضيق صارت أبطأ بكثير من مستواها المعتاد قبل الحرب.
ثم أوضحت البيانات نفسها أن السفن الأربع لم تستخدم عرض المضيق بوصفه ممرًا مفتوحًا، بل سلكت مسارًا شماليًا ضيقًا بين جزيرتي لاراك وقشم الإيرانيتين. هذا المسار يضع السفن عمليًا تحت رقابة أقرب من الجانب الإيراني. لذلك لم يعد تغيير الطريق تفصيلًا فنيًا، بل صار دليلًا على أن طهران نقلت سيطرتها من التهديد إلى التطبيق اليومي.
وبعد فرض هذا المسار، بدأت طهران في تثبيت السيطرة بإجراء قانوني موازٍ، إذ نقلت أسوشيتد برس أن البرلمان الإيراني يعمل على تقنين نظام رسوم على السفن المارة. الوكالة ذكرت أيضًا أن بعض السفن صارت مطالبة بتقديم بيانات الشحنة والطاقم قبل العبور. بهذا الانتقال، صار المرور الآمن مرتبطًا بإجراءات تفرضها إيران داخل ممر يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
ومع أن ماليزيا وتايلندا أعلنتا حصولهما على ضمانات إيرانية تسمح لسفنهما بالمرور، بقي حجم الشحن عبر المضيق أقل بكثير من مستوياته السابقة للحرب. هذا الفارق بين الضمانات المعلنة والعبور الفعلي يوضح أن الثقة لم تعد إلى السوق البحرية. لذلك بقيت شركات الشحن تتعامل مع هرمز بوصفه ممرًا عالي الخطر، لا بوصفه طريقًا عاد إلى العمل الطبيعي.
وفي هذا المستوى، قال لوكا نيفولا، كبير محللي اليمن والخليج في مشروع بيانات مواقع النزاع، إن إيران تعتمد على التعطيل المحسوب والاحتجاز والضغط الموضعي لإحداث أثر أوسع في قرارات الشحن. هذا التوصيف ينسجم مع واقع العبور المحدود، لأن عددًا قليلًا من الحوادث أو القيود يكفي لدفع شركات النقل إلى تقليص المرور حتى من دون إعلان إغلاق شامل.
تعطيل التتبع يمنح السفن المتخفية مجالًا أوسع ويعقد حسابات السوق
ثم زادت التداخلات الإلكترونية في المنطقة من صعوبة معرفة الحجم الحقيقي للعبور في كل ساعة. تقارير بلومبرغ والمصادر المتخصصة تشير إلى أن أنظمة التتبع تعرضت لاضطراب متكرر، كما أن السفن نفسها زادت الغموض عندما أغلقت أجهزة التعريف الآلي في المياه عالية المخاطر. لذلك صارت الأرقام الأولية أقل دقة، وصار التحقق من كل عبور يحتاج إلى متابعة مؤجلة وموسعة.
وبسبب هذا الغموض، لا يعني غياب السفينة عن الشاشات أنها لم تعبر المضيق، لأن بعض السفن لا تعيد بث موقعها إلا بعد ابتعادها إلى خليج عمان أو بحر العرب. لهذا السبب يجري جمع إشارات تحديد المواقع على مساحة بحرية أوسع، ثم تُفحص السجلات لاحقًا لمعرفة ما إذا كانت الحركة حقيقية أم نتيجة تلاعب إلكتروني بالموقع الظاهري للسفينة.
وفي موازاة هذا التعقيد، واصلت ناقلات النفط الخام المرتبطة بإيران عبور المضيق مع إغلاق أجهزة الإشارة الخاصة بها. التقديرات التي استندت إليها بلومبرغ من موقع متخصص في تتبع الناقلات قدرت متوسط التدفق بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا خلال الأيام الثلاثة والعشرين الأولى من مارس. هذا يعني أن الحركة لم تتوقف، لكنها انتقلت جزئيًا إلى مساحة عبور أقل شفافية وأصعب في الرصد.
ثم دعمت الوقائع المسجلة صباح السبت هذه الصورة المختلطة، إذ غادرت ناقلتان للغاز البترولي المسال الخليج متجهتين إلى الهند، كما رُصدت ناقلتا بضائع تعبران المضيق، اتجهت إحداهما إلى باكستان والأخرى إلى الهند. لكن هذا العبور المحدود لم يبدد الانكماش العام، لأن الرصد نفسه لم يسجل في التوقيت ذاته موجة خروج واسعة أو عودة إلى وتيرة ما قبل الحرب.
كما أن عبور سفينة إيرانية وسفينة بضائع إلى ميناء إيراني يوم الجمعة مع تشغيل أجهزة الإشارة أكد استمرار استخدام المسار الشمالي نفسه. هذا التكرار بين يومين متتاليين يثبت أن الطريق الملاصق للساحل الإيراني لم يعد استثناءً مؤقتًا. لذلك قالت إيما سالزبري، الباحثة البارزة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إن تأمين هرمز سيكون شديد الصعوبة لأن الساحل الإيراني الطويل يترك السفن تحت تهديد مباشر من المسيّرات والصواريخ.
الرسوم والاستثناء الباكستاني يحولان المضيق إلى أداة فرز سياسي واقتصادي
وبعد تضييق المسار وتعقيد التتبع، انتقلت إيران إلى خطوة أكثر وضوحًا حين طرحت نظام رسوم قد يصل إلى مليوني دولار لكل رحلة، وفق تقارير رصدت الترتيبات الجارية. هذه الخطوة لم تزد عدد السفن العابرة، بل زادت التردد لدى الشركات والحكومات. لذلك وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تلك الرسوم بأنها غير قانونية وخطرة على العالم، لأنها تحول المرور إلى ابتزاز منظم.
ثم زادت طهران حدة هذا المسار عندما أعلنت أن السفن التابعة لدول تصفها بأنها معادية لن يسمح لها بالمرور. هذا الإعلان نقل أزمة هرمز من ملف السلامة البحرية إلى ملف الفرز السياسي المباشر. عندما تحدد إيران من يمر ومن يُمنع وفق علاقتها بكل دولة، فإن المضيق يفقد عمليًا وضعه بوصفه ممرًا دوليًا مفتوحًا ويصير أداة ضغط سيادي بالقوة.
وفي مقابل هذا المنع، سمحت إيران بعبور عشرين سفينة باكستانية عبر المضيق بمعدل سفينتين يوميًا، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار. هذا الاستثناء لا ينفصل عن اعتماد باكستان الكبير على واردات النفط والغاز المسال من الخليج، ولا ينفصل أيضًا عن دور إسلام آباد في الوساطة بين واشنطن وطهران خلال الأيام الأخيرة من مارس.
وبعد هذا الاستثناء، ظهرت القيمة السياسية للعبور الممنوح، لأن باكستان نقلت خطة أميركية من خمسة عشر بندًا إلى إيران، كما استضافت في 29 و30 مارس اجتماعات مع وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر لبحث خفض التصعيد. هذا الترابط بين المرور والوساطة يوضح أن العبور لم يعد قرارًا ملاحيًا مستقلًا، بل صار جزءًا من مقايضة دبلوماسية تتحكم فيها طهران وفق مصالحها.
وفي هذا الإطار، قال أودو لانغه، الرئيس التنفيذي لشركة ستولت نيلسن المتخصصة في لوجستيات المواد الكيميائية، إن أخطر سيناريو يتمثل في سماح إيران لسفن الدول الصديقة فقط بالمرور ومنع غيرها. هذا التحذير يطابق الوقائع المسجلة الآن، لأن الاستثناء الباكستاني مع التهديد بمنع سفن دول أخرى يعني أن التجارة العالمية بدأت تواجه ممرًا يعمل بقواعد سياسية لا بقواعد ملاحة متساوية.
وهكذا تكشف الوقائع المتتالية في مارس أن إيران لم تكتفِ بتهديد مضيق هرمز، بل بدأت تدير المرور فيه بشروطها الخاصة. طهران خفضت العبور العملي، ودفعت السفن إلى ممر ضيق ملاصق لساحلها، وعقدت الرصد عبر التعطيل والإخفاء، وطرحت الرسوم، ومنحت الاستثناءات على أساس سياسي. لذلك لم يعد الخطر محصورًا في احتمال الإغلاق، بل صار قائمًا في إدارة انتقائية لممر يحدد أمن الطاقة والتجارة في المنطقة كلها.

