رصدت جمعية "تقاطع" من أجل الحقوق والحريات في تونس تصاعدًا ملحوظًا في الانتهاكات التي طالت العمل المدني والسياسي، حيث وثقت 37 حالة خلال الفترة الممتدة من فبراير 2025 إلى مارس 2026، في سياق عام يتسم بتضييق متزايد منذ قرارات 25 يوليو 2021 التي أعلنها الرئيس قيس سعيد، والتي انقلبت على المشهد السياسي على نحو يقيد النشاط العام ويحد من الحريات.

 

توثيق الانتهاكات يكشف نمطًا متكررًا من التضييق

 

في هذا السياق، كشف الباحث بجمعية "تقاطع" فادي فرايحي أن التقرير وثق 37 حالة انتهاك، حيث توزعت بين 23 حالة مرتبطة بالعمل المدني و9 حالات تخص العمل السياسي، إضافة إلى 3 حالات في المجال الاجتماعي وحالتين تتعلقان بالتعبير الرقمي، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مجالات متعددة من النشاط العام.

 

كما أشار فرايحي إلى أن هذه الحالات تعكس نمطًا متكررًا من التضييق أدى إلى تعطيل نشاط الفضاء المدني، حيث تعرض عدد من الناشطين والناشطات للملاحقة بسبب مشاركتهم في أنشطة مدنية أو تعبيرهم عن آرائهم، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في مستوى الحماية القانونية لهذا المجال.

 

وبناءً على ذلك، أوضح فرايحي أن السياق العام يشهد تراجعًا في ضمانات حرية العمل المدني، حيث تعتمد السلطات على أنماط متعددة من الملاحقة تشمل توجيه تهم جنائية وجناحية، مثل تبييض الأموال وتكوين وفاق والحصول على تمويلات أجنبية، وهو ما يضع النشطاء تحت ضغط قانوني مستمر.

 

ومن جانبه، أكد الخبير في القانون العام الدكتور عياض بن عاشور أن توسيع نطاق التهم الجنائية في مواجهة الفاعلين المدنيين يمثل مؤشرًا على تحول أدوات الدولة من التنظيم إلى الردع، حيث يتم استخدام الإطار القانوني كوسيلة لتقييد النشاط العام بدلًا من حمايته.

 

تصاعد القمع منذ 2021 وتراجع الحياة السياسية

 

في المقابل، حذرت جمعية "تقاطع" من أن هذه الانتهاكات تأتي ضمن مسار قمعي متصاعد منذ قرارات 25 يوليو 2021، حيث اتجهت السلطات إلى استهداف كل من يمارس العمل المدني والسياسي ويعارضها، وهو ما أدى إلى تقليص مساحة العمل العام بشكل ملحوظ.

 

كما شهدت هذه الفترة حملات اعتقالات واسعة طالت سياسيين وحقوقيين ورجال أعمال وأمنيين وصحفيين، حيث بررت السلطات هذه الإجراءات بوجود شبهات فساد وتآمر، في حين ترى منظمات حقوقية أن هذه الحملات تستهدف إسكات الأصوات المعارضة.

 

وفي السياق نفسه، أدى هذا المناخ إلى تراجع كبير في العمل السياسي، حيث انحصر النشاط العام في مظاهرات احتجاجية محدودة ترفض سياسات النظام وتندد بانتهاك الحقوق والحريات، وهو ما يعكس انكماش المجال السياسي بشكل غير مسبوق.

 

ومن جهته، أوضح المحلل السياسي الدكتور سلمى بكار أن تراجع الحياة السياسية في تونس يرتبط بشكل مباشر بالإجراءات الاستثنائية التي أعادت تشكيل موازين السلطة، حيث تراجعت الأدوار التقليدية للأحزاب لصالح نمط حكم أكثر مركزية.

 

شهادات حقوقية تؤكد تضييق الفضاء المدني

 

في هذا الإطار، أكدت منسقة التواصل بجمعية "تقاطع" صوفيا الصفاقسي أن الفضاء المدني الذي كان بعد الثورة ساحة لتكريس الديمقراطية تحول إلى مجال للتضييق والملاحقات، حيث بات النشاط المدني محفوفًا بالمخاطر القانونية والأمنية.

 

كما أوضحت الصفاقسي أن العمل المدني أصبح يتطلب عمليًا ترخيصًا أمنيًا، حيث يواجه النشطاء خطر الاعتقال والمحاكمة بسبب التعبير عن آرائهم، وهو ما يعكس تغيرًا جذريًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

 

وفي السياق ذاته، حذرت الصفاقسي من أن هذا المسار يقود إلى مزيد من القمع والتعتيم، حيث تسعى السلطات إلى طمس العمل المدني من خلال القوانين والإجراءات، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للإطار التشريعي الذي ينظم هذا المجال.

 

ومن جانبه، أشار الباحث في حقوق الإنسان الدكتور محمد الصالح بن عيسى إلى أن استخدام القوانين مثل المرسوم عدد 54 لسنة 2022 يمثل أداة مركزية في تقييد حرية التعبير، حيث يسمح بتوسيع نطاق الملاحقة القانونية ضد المعارضين.

 

دعوات حقوقية لوقف الانتهاكات والإفراج عن المعتقلين

 

في هذا السياق، دعت جمعية "تقاطع" السلطات التونسية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذه الانتهاكات، حيث طالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفية نشاطهم المدني والسياسي والنقابي.

 

كما شددت الجمعية على ضرورة وقف توظيف المسارات القضائية كأداة لاستهداف الفضاء المدني، حيث أكدت أن استمرار هذه الممارسات يقوض أسس دولة القانون ويؤدي إلى مزيد من التوتر داخل المجتمع.

 

وفي الوقت ذاته، تبرز هذه التوصيات كجزء من محاولة لإعادة فتح المجال العام أمام الفاعلين المدنيين والسياسيين، حيث يرتبط ذلك بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع في ظل الأزمة الحالية.

 

ومن جهته، أكد الخبير القانوني الدكتور جوهر بن مبارك أن أي إصلاح حقيقي يتطلب إنهاء استخدام القضاء في الصراعات السياسية، حيث يمثل ذلك شرطًا أساسيًا لضمان استقلال المؤسسات واستعادة التوازن في الحياة العامة.

 

في النهاية، يكشف تقرير جمعية "تقاطع" عن مسار متصاعد من التضييق على الحريات في تونس منذ 2021، حيث تتقاطع الملاحقات القانونية مع القيود السياسية لتشكيل بيئة تضيق فيها مساحة العمل المدني، وهو ما يضع مستقبل التجربة الديمقراطية أمام تحديات متزايدة تتطلب مراجعة عاجلة للسياسات المعتمدة.