رفعت الحكومة سعر الغاز المورد لمصانع الأسمدة في بداية أبريل إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية، فانتقلت الزيادة سريعًا إلى السوق المحلية وقفز سعر الطن الحر إلى نحو 30 ألف جنيه بعد أن كان عند 23 ألفًا في مطلع الشهر. هذه القفزة لم تأت من نقص مفاجئ في الطلب فقط، لكنها جاءت من قرار رسمي حمّل المزارع والقطاع الزراعي فاتورة جديدة في لحظة تضغط فيها الدولة أصلًا على الإنتاج والغذاء.

 

قال رئيس جمعية موزعي الأسمدة في مصر محمد الخشن إن الغاز الطبيعي يمثل نحو 55% من تكلفة الإنتاج، ولذلك انعكست الزيادة الحكومية على السوق الحرة مباشرة. كما أوضح الخشن أن المصانع تواصل التوريد للسوق المدعمة بسعر يقارب 6 آلاف جنيه للطن، بينما تعتمد على مبيعات السوق الحرة لتعويض جزء من الفجوة، وهو ما يكشف أن الأزمة انتقلت من المصنع إلى الحقل ثم إلى المستهلك النهائي.

 

رفع الغاز الحكومي دفع السوق الحرة إلى قفزة مباشرة

 

تسببت زيادة سعر الغاز في كسر المستوى السعري السابق للأسمدة خلال أيام قليلة، لأن المصانع أعادت تسعير الإنتاج الحر وفق الكلفة الجديدة. وقال محمد الخشن إن السعر الحر وصل إلى نحو 30 ألف جنيه للطن بدلًا من 23 ألفًا في بداية أبريل، وهو ارتفاع يقارب 30% في سوق لا يملك فيها المزارع بديلًا فعليًا عندما تنخفض الكميات المدعمة أو تتأخر.

 

ثم جاء العامل الخارجي ليزيد الضغط الداخلي، إذ ارتبط قرار رفع الغاز أيضًا بارتفاع أسعار النفط العالمية فوق 100 دولار للبرميل قبل تراجعها إلى نحو 98 دولارًا. هذا الربط الحكومي بين الطاقة العالمية والتسعير المحلي نقل أثر تقلبات السوق الدولية إلى الزراعة المصرية مباشرة، رغم أن المزارع لا يشارك في تحديد هذه السياسة ولا يملك حماية من نتائجها.

 

وأوضح الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، في تصريحات صحفية سابقة أن سوق الغاز في مصر يتعرض لضغوط إنتاجية تتطلب خططًا دقيقة لاستعادة الاستقرار. ويعني ذلك أن الحكومة كانت تعرف حساسية الغاز للصناعة قبل الزيادة، لكنها رفعت السعر في قطاع يعتمد عليه كمدخل رئيسي، فدفعت تكلفة الاضطراب إلى صناعة الأسمدة أولًا ثم إلى أسعار الغذاء لاحقًا.

 

وفرة الأسمدة لا تلغي أزمة السعر ولا تحمي المزارعين

 

أكد محمد الخشن أن الأسمدة متوافرة في السوق المحلية، لكنه شدد على أن المشكلة الأساسية صارت في السعر لا في الوجود. هذا التفصيل مهم لأن وجود السلعة على الورق لا يعني قدرة المزارع على شرائها فعليًا. وعندما ترتفع كلفة السماد بهذا الشكل، ترتفع معها كلفة الزراعة نفسها، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار المحاصيل في الأسواق خلال الفترة المقبلة.

 

وبسبب محدودية الحصص المدعمة، يضطر كثير من المزارعين إلى استكمال احتياجاتهم من السوق الحرة. لذلك لا يبقى السعر المدعم حلًا شاملًا، لأن التوزيع الموسمي عبر الجمعيات الزراعية لا يغطي كامل الطلب. وعندما يتجه المزارع إلى السوق الحرة بعد استنفاد حصته، يواجه الأسعار الجديدة كاملة، فتتحول السياسة المدعمة إلى غطاء جزئي لا يمنع الأزمة ولا يوقف أثرها.

 

وقال حسين عبدالرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين، في تصريحات سابقة إن ارتفاع أسعار الأسمدة في السوق الحرة يثقل كاهل الفلاحين، كما أشار إلى أن الفارق الكبير بين السعر المدعم والسوق الحر يفتح بابًا واسعًا للاختناقات والتلاعب. وتؤكد هذه الشهادة أن المشكلة لا تقف عند حدود التسعير، بل تمتد إلى عدالة الوصول إلى السماد في توقيت الزراعة نفسه.

 

التصدير يربح من الغاز بينما السوق المحلية تدفع الثمن

 

تُلزم الحكومة منتجي الأسمدة الآزوتية بتوريد نسبة تتراوح بين 20% و25% من الإنتاج إلى وزارة الزراعة بسعر مدعم قبل السماح بالتصدير. لكن هذه المعادلة نفسها تكشف الخلل، لأن المصانع تتحمل فرق السعر جزئيًا عبر السوق الحرة، أي أن المستهلك المحلي والمزارع يسهمان في تمويل منظومة الدعم من جيوبهما، بينما تحافظ الدولة على باب التصدير مفتوحًا متى توافرت الخامات.

 

ويرتبط هذا المسار بخطة أوسع لزيادة الصادرات خلال 2026 بنسبة 12%، وهي خطة تحتاج إلى ما بين 700 و750 مليون قدم مكعب غاز يوميًا لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات. وبحسب تصريحات سابقة لمصدر مطلع على خطط التصدير بالمجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، فإن القطاع يحتاج زيادة في الإمدادات حتى يحقق هذا الهدف، ما يعني أن الغاز يتجه أولًا إلى حسابات التصدير ثم ينعكس أثره على السوق الداخلية.

 

وحذر الدكتور محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، في تصريحات سابقة من أن نقص الغاز أو زيادة تكلفته يهددان الصناعات التي تعتمد عليه كمكوّن أساسي في الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة. وتوضح هذه الشهادة أن الحكومة لم تكن تتحرك داخل قطاع هامشي، بل داخل صناعة شديدة الحساسية لأي تغيير في الطاقة، بما يفسر السرعة التي انتقلت بها الزيادة إلى الأسعار المحلية.

 

وبعد ذلك تتضح السلسلة كاملة من القرار إلى النتيجة. رفعت الحكومة سعر الغاز، فارتفعت كلفة الإنتاج، ثم قفزت أسعار السماد الحر، ثم زادت كلفة الزراعة، ثم صار انتقال الزيادة إلى الغذاء مسألة وقت. لذلك لا تبدو الأزمة حادثًا عابرًا في سوق صناعي، بل تبدو قرارًا رسميًا أعاد توزيع العبء من الموازنة العامة إلى المزارع ثم إلى المستهلك المصري.

 

وفي المحصلة، لا يواجه القطاع الزراعي نقصًا مجردًا في سلعة، بل يواجه سياسة تسعير تجعل السماد متاحًا وغير مقدور عليه في الوقت نفسه. وهذا التناقض يضعف أي حديث حكومي عن حماية الإنتاج الزراعي، لأن الحماية الفعلية تبدأ من كلفة المدخلات لا من البيانات الرسمية. وعندما ترتفع كلفة السماد بهذا المعدل، يصبح الحديث عن استقرار أسعار الغذاء فاقدًا للسند العملي.