دخلت الحرب مرحلة أكثر خطورة بعد انتهاء مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق، في وقت كانت فيه الهدنة المؤقتة تمثل الفرصة الوحيدة لوقف مسار عسكري بدأ في 28 فبراير وخلّف آلاف القتلى وفتح المنطقة على اضطراب واسع في الملاحة والطاقة والحدود.
وانتهت المحادثات التي استمرت 21 ساعة من دون اختراق فعلي، ثم تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن الفشل، بينما بقيت الهدنة المحددة حتى 22 أبريل قائمة على أرض رخوة. هذا التطور لم يأت من فراغ، لأن الملفات التي دخلت بها الوفود إلى باكستان كانت أكبر من مجرد وقف نار مؤقت، وشملت البرنامج النووي الإيراني وحرية الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات والتعويضات وسقف النفوذ العسكري في المنطقة، وهي ملفات لم تنجح الوساطة الباكستانية في جمعها داخل صيغة واحدة قابلة للتنفيذ.
جاء الفشل أيضًا في لحظة حاولت فيها باكستان تقديم نفسها وسيطًا قادرًا على تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق دائم، بعد أن لعبت خلال الأيام السابقة دورًا مباشرًا في منع انهيار الهدنة الأولى وانتزاع موافقة إيرانية على الدخول إلى التفاوض. لكن الجولة الأخيرة أظهرت أن الوساطة نجحت في شراء الوقت أكثر مما نجحت في حل العقد الأساسية. ولذلك عادت المخاوف سريعًا من تجدد الحرب، لا لأن القتال استؤنف بالفعل داخل إيران فورًا، بل لأن أسباب الحرب بقيت مفتوحة، ولأن الضربات الإسرائيلية في لبنان استمرت أصلًا، ولأن واشنطن وطهران خرجتا من إسلام آباد بخطابين متناقضين لا يوحيان بأن المسافة بينهما تقلصت بالقدر الذي يسمح بتمديد الهدنة أو تحويلها إلى تسوية مستقرة.
الخلافات الجوهرية أسقطت التفاوض وأبقت الهدنة معلقة
انتهت المفاوضات عندما تمسك كل طرف بشروطه الأساسية ورفض تقديم التنازل الذي كان يمكن أن يصنع إعلانًا مشتركًا أو حتى تفاهمًا مرحليًا واضحًا. وقالت واشنطن إن إيران رفضت الالتزام بالتخلي عن مسار السلاح النووي، بينما قالت طهران إن الولايات المتحدة قدمت مطالب مفرطة ولم تنجح في بناء الحد الأدنى من الثقة السياسية المطلوبة للانتقال من هدنة قصيرة إلى تسوية أشمل. وبهذا المعنى، لم يفشل اللقاء بسبب تفصيل إجرائي، بل سقط بسبب جوهر الصراع نفسه.
ثم اتسعت الفجوة لأن طهران دخلت المحادثات وهي تريد ما هو أبعد من وقف إطلاق النار داخل إيران وحدها، إذ طلبت وقفًا أوسع يشمل لبنان، كما طالبت بتعويضات ورفع عقوبات والإفراج عن أصول مجمدة والاعتراف بحقوق مرتبطة بالملاحة وببرنامجها النووي. وفي المقابل، ركزت واشنطن على مطلب نزع التهديد النووي وفتح مضيق هرمز وضبط الصواريخ والنفوذ الإقليمي. وعندما توضع هذه الشروط المتعارضة على الطاولة نفسها، يصبح الفشل نتيجة مباشرة لا احتمالًا مفاجئًا.
وفي هذا السياق، قال كمران بخاري، وهو زميل بارز في مجلس سياسات الشرق الأوسط، إن باكستان لا تريد فوضى في إيران لأن استمرار الحرب سيزيد أصلًا من التدهور الأمني على حدودها الغربية. وتكشف هذه القراءة أن الخوف من تجدد الحرب لا يخص أطراف القتال فقط، بل يخص أيضًا دول الجوار التي ترى أن انهيار الهدنة سيعني انتقالًا أسرع للفوضى والسلاح والضغط الأمني عبر الحدود.
الدور الباكستاني اصطدم بحدود النفوذ وكلفة الفشل
لذلك بدا واضحًا أن الوساطة الباكستانية حملت وزنًا سياسيًا أكبر من قدرتها العملية على فرض حل نهائي. فقد أظهرت تقارير رويترز أن إسلام آباد لعبت دورًا حاسمًا قبل أيام في منع انهيار محادثات الهدنة الأولى بعد اتصالات مكثفة مع واشنطن وطهران والرياض، وأنها حصلت على تعهدات أمريكية بكبح الضربات الإسرائيلية بما يسمح بإقناع إيران بالعودة إلى الطاولة. لكن النجاح في جمع الخصوم داخل غرفة واحدة لم يتحول هذه المرة إلى قدرة على إلزامهم بتسوية مستدامة.
وبعد هذا الفشل، لم تعد باكستان تواجه فقط سؤال الحرب والسلم في الإقليم، بل تواجه أيضًا سؤال مكانتها الدبلوماسية التي استثمرت فيها خلال الأسابيع الأخيرة. وقال محمد فيصل، وهو محلل أمني في جامعة التكنولوجيا في سيدني، إن باكستان استثمرت رأسمالًا سياسيًا علنيًا في الوساطة، وإذا انهارت المحادثات فإنها تخاطر بأن تبدو دولة تعد بما لا تستطيع إنجازه. وهذا التقدير يفسر لماذا سارعت إسلام آباد بعد الفشل إلى الدعوة لمواصلة الحوار بدل إعلان انتهاء المسار كله.
ثم أضافت ظروف الاستضافة نفسها بعدًا آخر للأزمة، لأن السلطات الباكستانية أغلقت أجزاء واسعة من إسلام آباد وشددت الإجراءات الأمنية بصورة استثنائية لحماية الوفود وضمان استمرار المحادثات. وقالت إليزابيث ثريلكلد، وهي مديرة برنامج جنوب آسيا في مركز ستيمسون، إن ضيق الوقت والمخاطر الأمنية والطبيعة الرفيعة لهذه الزيارة تجعلها شديدة التعقيد من منظور الحماية والتنظيم. وهذا يعني أن باكستان دفعت كلفة أمنية وسياسية كبيرة من أجل جولة انتهت من دون اتفاق.
ومع ذلك، لم تنسحب باكستان من المشهد بعد، لأن الفشل الحالي لم يلغ حاجتها إلى استمرار دور الوسيط. فالحرب على حدودها الغربية لا تهدد فقط مكانتها، بل تهدد بيئتها الأمنية المباشرة في ظل توتر قائم أصلًا مع أفغانستان وحدود مفتوحة على نشاط مسلح ومجال إقليمي سريع الاشتعال. ولذلك يبدو أن إسلام آباد ستواصل الضغط من أجل جولة جديدة، لكنها ستدخلها وهي أضعف سياسيًا وأكثر وعيًا بأن نفوذها لا يكفي وحده لحسم عقدة بهذا الحجم.
شبح التصعيد يعود لأن الحرب لم تتوقف بالكامل
لهذا السبب عادت الأسواق والسياسة معًا إلى لغة القلق فور انتهاء الجولة. فقد ذكرت رويترز أن أسواق الخليج تراجعت بعد انهيار المحادثات بسبب تجدد الشكوك حول صمود الهدنة، وهو ما يعكس أن المستثمرين أنفسهم قرأوا المشهد باعتباره توقفًا مؤقتًا لا تسوية فعلية. كما بقي مضيق هرمز في قلب الأزمة، لأن أي انتكاسة جديدة ستعيد فورًا الضغط على الشحن والطاقة والأسعار، وهي ملفات لم تعد تخص أطراف الحرب فقط بل تخص المنطقة والعالم.
ثم زاد هذا القلق لأن القتال لم يتوقف أصلًا على كل الجبهات. فقد أوضحت التقارير أن إسرائيل واصلت ضرباتها في لبنان رغم الهدنة القائمة بين واشنطن وطهران، وهو ما جعل إيران تربط أي اتفاق أوسع بوقف إقليمي أشمل لا يقتصر على ساحتها المباشرة. وعندما يستمر إطلاق النار في جبهة موازية، فإن أي هدنة جزئية تصبح معرضة للانهيار السياسي حتى لو لم تنهَر عسكريًا في اليوم نفسه.
وفي هذا الإطار، قال زاهد حسين، وهو محلل أمني باكستاني، إن التحدي لا يقتصر على حماية مكان التفاوض، بل يمتد إلى منع القوى الموجودة خارج الغرفة من نسف المسار الدبلوماسي نفسه. ويكتسب هذا التحذير أهمية أكبر الآن، لأن فشل الجولة الأخيرة أثبت أن الأطراف التي تراهن على مزيد من المكاسب العسكرية ما زالت تملك قدرة فعلية على تخريب أي تهدئة لا تخدم حساباتها.
وهكذا دخلت المنطقة مرحلة انتظار خطرة بين هدنة لا تستند إلى اتفاق، ومفاوضات انتهت بلا نتيجة، وخلافات أساسية ما زالت في مكانها، وأطراف ترى أن القوة العسكرية قد تمنحها أكثر مما يمنحه التفاوض. ومع هذا التوازن المختل، لا يبدو الخوف من تجدد الحرب مبالغة سياسية أو عنوانًا صحفيًا زائدًا، بل يبدو وصفًا مباشرًا لواقع قائم: المسار الدبلوماسي تعثر، وأسباب القتال بقيت، وأي شرارة جديدة قد تعيد المنطقة إلى جولة أعنف وأوسع من سابقتها.

