لم يعد التهديد الحوثي مجرد بيان سياسي عابر يضاف إلى سيل التصريحات المتبادلة في المنطقة، بل بات مؤشرًا مباشرًا على أن أي عودة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران قد تفتح جبهة بحرية وعسكرية جديدة تتجاوز حدود اليمن والخليج معًا.
فقد أكدت وزارة الخارجية التابعة للجماعة، في بيان نُشر عبر وكالة سبأ، أن الجماعة ستشارك “بفعالية” في أي مواجهة مقبلة إذا استؤنف ما وصفته بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، محذرة كذلك من أن أي تصعيد جديد سيضرب سلاسل التوريد وأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي. ويكتسب هذا التهديد خطورته من توقيته، لأنه يأتي بينما تتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران بعد جولة إسلام آباد التي انتهت بلا اتفاق، وفي وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى تشديد الضغط البحري على إيران، بما يرفع احتمالات انتقال المواجهة من حدود الردع المتبادل إلى مرحلة خلط أوراق الملاحة الدولية من جديد.
وتزداد حساسية المشهد لأن التهديد الحوثي لا يصدر هذه المرة في فراغ سياسي أو عسكري، بل بعد أسابيع من دخول الجماعة بالفعل على خط الحرب عبر هجمات تجاه إسرائيل، وسط مخاوف دولية متزايدة من عودة استهداف السفن والممرات الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب. كما أن التحذيرات الاقتصادية لم تعد افتراضية، إذ قفزت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل بعد انهيار محادثات التهدئة وإعلان واشنطن إجراءات حصار بحري ضد الموانئ الإيرانية، بينما أكدت تقارير ملاحية بريطانية فرض قيود على الوصول البحري إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية. لذلك فإن أي توسع حوثي في هذا التوقيت لن يكون مجرد تطور يمني أو إيراني، بل حلقة جديدة في معركة تتحول تدريجيًا إلى أزمة طاقة وتجـارة وممرات مائية عالمية، يدفع العالم كلفتها بينما تعجز القوى الكبرى عن إنتاج تسوية مستقرة.
التهديد الحوثي يتجاوز الخطاب ويستند إلى قدرة فعلية على إرباك الملاحة
تكمن خطورة بيان الحوثيين في أنه لا يلوح فقط بالمشاركة السياسية أو الرمزية، بل يربط موقف الجماعة بمسار “تصاعدي” في العمليات العسكرية إذا عادت الضربات ضد إيران. وهذه الصياغة تعني أن الجماعة تريد تثبيت نفسها طرفًا إقليميًا جاهزًا للتدخل المباشر، لا مجرد ذراع دعم إعلامية لمحور طهران. كما أن البيان لم يفصل بين التصعيد العسكري والتصعيد البحري، بل جمعهما في حزمة واحدة، بما يوجّه رسالة صريحة إلى الأسواق وشركات الشحن والدول المعتمدة على الممرات الحيوية.
ويزيد من جدية هذا التهديد أن الجماعة سبق أن أظهرت قدرة على ضرب أهداف بعيدة وتهديد حركة السفن في البحر الأحمر، كما دخلت بالفعل على خط المواجهة منذ أواخر مارس عبر هجمات على إسرائيل، وهو ما أعاد إلى الواجهة احتمالات توسيع نطاق الاستهداف البحري من جديد. وتقارير دولية حذرت منذ ذلك الوقت من أن تحرك الحوثيين يرفع مخاطر إغلاق أو تعطيل أحد أهم مسارات التجارة العالمية، خصوصًا إذا جرى تنسيق ميداني أكبر مع إيران في لحظة تصعيد شاملة.
ولا يتعلق الأمر فقط بمضيق باب المندب بوصفه معبرًا محليًا أو إقليميًا، بل باعتباره شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولهذا فإن التهديد الحوثي يكتسب وزنًا مضاعفًا في اللحظة الحالية، لأن العالم يتابع أصلًا اضطرابات مرتبطة بهرمز والموانئ الإيرانية، وأي ضغط متزامن على باب المندب سيعني انتقال الأزمة من مستوى الاختناق الجزئي إلى احتمال شلل مزدوج في أهم عنقين بحريين للطاقة والتجارة.
تعثر مفاوضات إسلام آباد أعاد المنطقة إلى منطق حافة الهاوية
لم يصدر التهديد الحوثي بمعزل عن فشل المسار التفاوضي. فالمحادثات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد انتهت بعد ساعات طويلة من دون اتفاق، رغم الوساطة الباكستانية ومحاولات الإبقاء على التهدئة. وقد أكدت مصادر متعددة أن الخلافات الجوهرية، خصوصًا حول الملف النووي وحرية الحركة في هرمز، حالت دون تحقيق اختراق حقيقي، بينما شددت باكستان على أن جهودها ما زالت مستمرة. هذا التعثر خلق فراغًا دبلوماسيًا خطيرًا، وأعاد كل الأطراف إلى سياسة رفع السقف بدلًا من تثبيت التهدئة.
ثم جاء الإعلان الأمريكي عن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ليؤكد أن واشنطن لا تتحرك في اتجاه خفض التوتر بقدر ما تعيد صياغة أدوات الضغط. وقد ترافقت هذه الخطوة مع قيود ملاحية مؤكدة أبلغت بها هيئة UKMTO، ما جعل الأسواق تتعامل مع التطورات باعتبارها انتقالًا فعليًا من هدنة هشة إلى اشتباك بحري مفتوح الاحتمالات. وفي مثل هذا المناخ، يصبح التهديد الحوثي أكثر من مجرد موقف تضامني مع إيران، لأنه يتحول إلى جزء من معادلة الردع المضاد التي تريد طهران وحلفاؤها بناؤها.
كما أن طهران نفسها لم تغلق باب الدبلوماسية نهائيًا، لكنها أوضحت أن جولة إسلام آباد لم تنتج أرضية صلبة لجولة جديدة، وأن انعدام الثقة لا يزال هو العامل الحاكم. لذلك يبدو المشهد الحالي أقرب إلى هدنة معلقة لا إلى تسوية فعلية، وهو ما يفسر لجوء الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم الحوثيون، إلى رفع نبرة التهديد استعدادًا لاحتمال انهيار المسار التفاوضي بالكامل.
الاقتصاد العالمي يدفع ثمن الحرب حتى قبل اتساعها الكامل
الجانب الأخطر في التطور الحالي أن الاقتصاد العالمي بدأ يدفع الثمن قبل وقوع السيناريو الأسوأ. فقد ارتفعت أسعار النفط بقوة بعد تعثر المفاوضات وإعلان الحصار البحري الأمريكي، مع تجاوز خام برنت وخام غرب تكساس مستوى 100 دولار للبرميل في بعض التعاملات. وهذا الارتفاع لم يكن نتيجة تعطيل كامل للممرات، بل نتيجة توقعات الأسواق بأن الأزمة قد تمتد وتطول. ومع دخول الحوثيين على خط التهديد المباشر لباب المندب، تصبح هذه التوقعات مرشحة لمزيد من التصاعد.
وتنبع الخطورة هنا من أن سلاسل الإمداد العالمية لم تتعاف أصلًا بالكامل من الصدمات السابقة، بينما تعتمد نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع على أمن الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر. ولذلك فإن الجمع بين التوتر في هرمز واحتمالات التصعيد في باب المندب يفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والوقود، بما ينعكس مباشرة على الأسعار والتضخم في دول كثيرة، لا سيما الدول المستوردة للطاقة والسلع الأساسية.
وفي المحصلة، يكشف التهديد الحوثي أن المنطقة لم تعد تتعامل مع حرب محصورة بين إسرائيل وإيران أو بين واشنطن وطهران، بل مع بنية صراع أوسع تتداخل فيها الجبهات البرية والبحرية والاقتصادية. وإذا استؤنفت الضربات على إيران، فإن باب المندب قد يتحول سريعًا إلى منصة ضغط جديدة، لا لأن الحوثيين يبحثون عن دور فحسب، بل لأن فشل المسار الدبلوماسي سمح لكل طرف أن يجهز أوراقه الخشنة. وهنا تحديدًا يصبح الخطر عالميًا، لأن تعطيل الممرات البحرية لم يعد تهديدًا نظريًا، بل احتمالًا حاضرًا على طاولة السياسة والحرب والاقتصاد في آن واحد.

