تتجمع أزمة تكليف خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والعلوم الصحية في نقطة واحدة لا تخطئها الوقائع، وهي أن الحكومة أدارت ملف القوى البشرية الصحية بلا خطة معلنة تربط بين أعداد المقبولين في الكليات واحتياجات المستشفيات ووحدات الرعاية ومصير العاملين داخل الوزارة نفسها.

 

ولهذا لم يعد تأخر إعلان تكليف دفعة 2023 مجرد مسألة إجرائية تخص موعدًا أو منصة تسجيل، بل صار عنوانًا مباشرًا لفشل ممتد في إدارة المهن الطبية، بعد أن دفعت الدولة آلاف الطلاب إلى مسارات تعليمية مكلفة ثم عادت لتقول لهم إن التعيين سيكون وفق احتياج لم توضحه مسبقًا. وعندما انفجرت الأزمة على الأرض، ظهرت قرارات التكليف المتأخرة بوصفها محاولة احتواء لغضب الخريجين، لا علاجًا لخلل هيكلي سببه تضارب السياسات بين التعليم والصحة والتوظيف داخل الجهاز الإداري.

 

تتأكد هذه الأزمة أكثر عندما يمتد التعطل نفسه إلى خريجي العلوم الصحية والعاملين الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة، لأن المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمن ينتظر أول فرصة عمل، بل أيضًا بمن يعمل فعلًا داخل الوزارة ثم تصطدم ترقيته أو تسوية وضعه الوظيفي بجدار إداري جامد.

 

وبذلك يصبح المشهد الصحي كله محاصرًا من طرفين في وقت واحد، طرف خريجون تُركوا معلقين بين الدراسة والبطالة، وطرف عاملون جرى تعطيل الاستفادة من مؤهلاتهم الجديدة رغم حاجة المنشآت الطبية إلى التخصصات الدقيقة. هذه الصورة تكشف أن أصل الأزمة ليس نقص الأفراد وحده ولا وفرتهم وحدها، بل سوء توزيع وسوء تقدير وسوء إدارة للكوادر، وهو ما حول التكليف من أداة لسد العجز إلى ملف غضب مفتوح على اتساع القطاع الصحي كله.

 

تكليف دفعة 2023 بين الاحتياج المعلن والفوضى التي صنعتها الدولة

 

بدأت الأزمة الفعلية عندما تحولت وزارة الصحة في فبراير 2026 إلى تطبيق نظام التكليف وفق الاحتياجات والمجموع والرغبات لخريجي دفعة 2023 من الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي، بعدما ظل الخريجون ينتظرون لسنوات من دون حسم واضح. هذا التحول لم يأت في بداية الدراسة ولا قبل التخرج، بل جاء بعد سنوات من تراكم الدفعات واتساع التوقعات المشروعة لدى الخريجين.

 

ثم زاد الغضب عندما كشفت البيانات المتداولة أن الوزارة اتجهت إلى تكليف 45% فقط من خريجي الصيدلة و40% من خريجي طب الأسنان و25% من خريجي العلاج الطبيعي، رغم أن هؤلاء التحقوا بكلياتهم في ظل واقع مختلف كان يقوم عمليًا على تكليف أوسع. وهنا بدا القرار الحكومي كأنه نقل كلفة التخبط الإداري إلى جيل كامل دفعة واحدة.

 

وبسبب هذا التحول المفاجئ، قال الدكتور هاني دنيا نقيب الصيادلة بالغربية إن الاحتياجات التي حددتها الوزارة بهذه النسب جعلت القرار محل طعن واعتراض واسع، لأن تقليص التكليف بهذه الصورة لا ينسجم مع ما يعلنه القطاع الصحي نفسه من احتياجات مستمرة. ويكشف هذا التصريح أن الأزمة خرجت من إطار التأخير إلى صدام مباشر حول معيار الاحتياج ذاته.

 

خريجو العلوم الصحية يدفعون ثمن ارتباك الوزارة بين الحاجة والتأجيل

 

امتدت الفوضى نفسها إلى خريجي العلوم الصحية، إذ أعلنت نقابتهم في مارس 2026 أن ملف التكليف ما زال عالقًا في مراحل التنسيق النهائي، رغم انتهاء حصر أعداد الخريجين واستمرار الوزارة في حصر الاحتياجات داخل المنشآت الطبية. هذا التأخير المتكرر أكد أن الوزارة لا تتحرك وفق جدول زمني ثابت، بل وفق استجابات متأخرة تتبدل من شهر إلى آخر.

 

ثم ظهرت خطورة الأمر بصورة أوضح عندما قال أحمد الدبيكي نقيب العلوم الصحية إن اللجنة العليا للتكليف وافقت في اجتماعها الأخير بنهاية شهر رمضان على تكليف دفعة 2023، لكن عدد من تم تكليفهم حتى ذلك الوقت لم يتجاوز 2000 خريج. هذا الرقم أظهر أن الدولة لا تعاني فقط من بطء القرار، بل من فجوة واسعة بين الوعود والتنفيذ.

 

ولذلك لا يمكن فصل تأخير تكليف العلوم الصحية عن أصل المشكلة الأوسع، لأن الوزارة نفسها تتحدث عن تطوير المنظومة وتوسيع الخدمات، بينما تعطل إدخال كوادر فنية مطلوبة للمعامل والأشعة والأجهزة التعويضية وسائر التخصصات المساندة. وعندما يتعطل هذا المسار، يتأكد أن الحكومة لا تدير الموارد البشرية الصحية بمنطق احتياج حقيقي، بل بمنطق إداري مرتبك يبدد الوقت والكوادر معًا.

 

العاملون بمؤهلات أعلى ضحايا الإغلاق الإداري داخل الوزارة

 

تتصل أزمة التكليف مباشرة بملف التسويات الوظيفية للعاملين بوزارة الصحة الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة في التخصص الطبي نفسه، لأن الوزارة التي تؤخر تعيين خريجين جدد هي نفسها تعطل الاستفادة من عاملين طوروا أنفسهم أكاديميًا وهم داخل الخدمة. وهذا الربط يكشف أن الخلل إداري بنيوي لا يخص دفعة بعينها أو كلية بعينها.

 

ثم يصبح التعطيل أكثر وضوحًا عند مراجعة ضوابط التسوية التي أكدها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، إذ نصت القواعد المنشورة على أن التسوية بمؤهل أعلى تخضع لشروط وإجراءات محددة وتتطلب طلبًا مكتوبًا وعرضًا على لجان الموارد البشرية واعتماد السلطة المختصة. ومع ذلك، بقيت هذه الآلية في الواقع العملي بابًا موصدًا أمام كثير من العاملين داخل الصحة.

 

وفي السياق نفسه، شدد الدكتور سامي سعد النقيب العام للعلاج الطبيعي على ضرورة إعادة تقييم احتياجات المستشفيات ميدانيًا بعيدًا عن التقارير المكتبية، مع إعادة النظر في أعداد التكليف المعلنة لدفعة 2023. ويقود هذا الكلام إلى جوهر المشكلة، لأن الوزارة لا تعطل الخريجين فقط، بل تدير الاحتياج بتقديرات مكتبية لا تعكس العمل اليومي داخل المنشآت الصحية.

 

كما ترتب على هذا المسار أن العاملين الذين حصلوا على مؤهلات أعلى خلال الخدمة بقوا في مواقع لا تستفيد من تأهيلهم الجديد، رغم أن المطالبة بفتح باب التسويات استندت صراحة إلى ضرورة الاستفادة من الخبرات الأكاديمية والعملية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وعندما تعطل الوزارة هذا الحق، فإنها تعمق عجزها بيدها وتبقي كوادرها أقل من طاقتها الحقيقية.

 

وبعد ذلك كله، يظهر أصل المشكلة من دون حاجة إلى تزيين لغوي أو توازن مصطنع، فالحكومة وسعت التعليم الطبي وسمحت بتراكم دفعات جديدة ثم غيرت قواعد التكليف متأخرة، وأبقت خريجي العلوم الصحية في دوائر الانتظار، وعطلت تسويات العاملين بمؤهلات أعلى داخل الوزارة نفسها.

 

ولهذا لم تعد الأزمة ملفًا فنيًا محدودًا، بل صارت دليلًا موثقًا على أن وزارة الصحة تدير المهن الطبية بعشوائية إدارية تدفع ثمنها المستشفيات والخريجون والعاملون معًا، بينما تتراجع كفاءة الخدمة العامة تحت ضغط قرارات متأخرة ومتناقضة لا تحترم استقرار المسار المهني ولا حق المرضى في كوادر مؤهلة وموزعة بعدالة.