تعود قضية النقاب إلى الواجهة في كل مرة تقع فيها واقعة فردية أو يتصاعد خطاب أمني مرتبك، فتتحول حرية شخصية إلى ملف سياسي جاهز للاستدعاء، بينما تبتعد الدولة عن أصل المشكلة المتعلق بضعف الإجراءات، وتراجع كفاءة التأمين، وعجز المؤسسات عن التحقق المنظم من الهوية من دون التعدي على الحقوق.
هذا المسار لا يكشف حرصًا رسميًا على القانون بقدر ما يكشف ميلًا قديمًا إلى إدارة الأزمات عبر فرض القيود على الأفراد بدل مساءلة الأجهزة عن التقصير الفعلي. كما أن السجال المتكرر حول حظر النقاب لا يبدأ من نص قانوني نافذ يحسم المسألة، ولا ينتهي إلى سياسة عامة مستقرة، بل يبقى أداة ضغط رمزية تستخدمها السلطة والإعلام القريب منها كلما احتاجا إلى معركة سهلة تستهلك الجدل وتؤجل النقاش في الاقتصاد والتعليم والصحة والعدالة، وهي الملفات التي تمس حياة المصريين مباشرة كل يوم.
ولا تبدو المشكلة هنا في قطعة لباس بقدر ما تظهر في طريقة حكم تعتبر الحقوق بندًا قابلًا للتجميد متى رغبت في ذلك، ثم تعود فتطلب من المجتمع قبول هذا التجميد باعتباره دفاعًا عن النظام العام.
هذا المنهج يصطدم بسجل قضائي معقد في مصر، لأن أحكام مجلس الدولة فرقت بين الحظر المطلق غير الجائز، وبين القيود المحددة المرتبطة بظروف بعينها مثل الامتحانات أو التدريس، ما يعني أن التوسع في المنع خارج تلك الحدود يفتقر إلى السند القانوني الواضح. كما أن الاستناد إلى واقعة جنائية واحدة لتعميم الاشتباه على فئة كاملة يفتح الباب لمعاقبة آلاف النساء بسبب فرضيات أمنية غير منضبطة، بينما يظل الواجب الحقيقي على الدولة هو بناء آليات تحقق فعالة ومحترمة للكرامة الإنسانية داخل الجامعات والمصالح العامة وسائر المؤسسات.
سجل قانوني لا يسند الحظر العام بل يفضح اضطراب السلطة
أكدت أحكام مجلس الدولة أن الحظر المطلق على ارتداء النقاب داخل الجامعات لا يقوم على أساس مستقر، إذ أشارت تغطيات قانونية منشورة إلى حكم دائرة توحيد المبادئ في عام 2007 الذي رفض المنع العام، وعدّه مساسًا بالحرية الشخصية وحرية العقيدة، قبل أن تظهر لاحقًا أحكام قيدت المسألة في نطاقات محددة لا في المجال العام كله.
ثم جاء الجدل الأوسع بعد قرار جامعة القاهرة بشأن عضوات هيئة التدريس، حيث أيدت المحكمة الإدارية العليا في يناير 2020 منع التدريس بالنقاب داخل القاعات الدراسية تحديدًا، مستندة إلى متطلبات التواصل المباشر داخل العملية التعليمية، لا إلى قاعدة تسمح للدولة بفرض حظر شامل في المؤسسات أو الشوارع أو الوظائف العامة كلها.
وبذلك يكشف السجل القضائي نفسه أن السلطة تنتقي من الأحكام ما يخدم رغبتها في التضييق، وتتجاهل في الوقت ذاته أن الدستور المصري ينص على صون الحرية الشخصية وعدم التمييز بين المواطنين، وهو ما يجعل أي توسع إداري في المنع محل شبهة دستورية ما لم يستند إلى ضرورة ضيقة ومحددة ومعللة.
المشكلة الأمنية في ضعف الإجراءات لا في لباس النساء
يربط بعض المؤيدين للحظر بين النقاب والجريمة أو بين تغطية الوجه والتهديد الأمني، لكن هذا الربط لا يقدم دليلًا قانونيًا يكفي لصناعة سياسة عامة، بل يعكس رغبة في تحميل النساء كلفة فشل أمني تتحمل مسؤوليته مؤسسات الدولة. هنا يبرز موقف الفقيه الدستوري محمد نور فرحات الذي طالب سابقًا بقانون للحظر الكامل، وهو طرح يكشف اتجاهًا يدعو للتشدد، لكنه لا يغير حقيقة أن هذا القانون لم يصدر أصلًا حتى الآن.
وفي السياق نفسه، دفع سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، باتجاه تأييد قرارات المنع داخل الحرم الجامعي على خلفية اعتبارات أمنية ومناخ التهديدات، لكن هذا التصور يبقى اعترافًا ضمنيًا بأن المؤسسات لم تطور أدوات تحقق دقيقة ومحايدة، فاستسهلت الانتقال من فحص الهوية إلى تقييد الحرية نفسها.
ثم إن البديل العملي مطروح منذ سنوات ولا يحتاج إلى صخب سياسي، لأن التحقق من الهوية يمكن أن يتم عبر عناصر أمن نسائية، أو غرف فحص منفصلة، أو بطاقات ممغنطة، أو بوابات دخول محكمة، وهي حلول أقل كلفة على الحقوق من تحويل النقاب إلى ذريعة لعقوبات جماعية ومستمرة. هذا الاستنتاج تدعمه أيضًا مرافعات حقوقية مصرية شددت على أن تنظيم المرفق العام لا يبيح مصادرة الحرية الشخصية.
السلطة تفتعل معركة هوية لتغطي على أزمات الحكم اليومية
ينكشف الخلل الأكبر حين تُقدَّم قضية النقاب كأنها أولوية دولة في لحظة تتراكم فيها الأزمات المعيشية، لأن نقل النقاش من الأسعار والخدمات والتعليم إلى ملبس النساء ليس إجراءً بريئًا، بل هو أسلوب سياسي مألوف لصناعة ضجيج أخلاقي يغطي عجز الحكومة عن معالجة المشكلات التي تمس ملايين المصريين بصورة مباشرة. هذه المفارقة هي أصل الأزمة لا هامشها.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين يُستدعى الدين لتبرير المنع من دون سند تشريعي واضح، إذ إن دار الإفتاء المصرية نشرت في سبتمبر 2021 فتوى للدكتور شوقي علام قالت فيها إن النقاب من قبيل العادات لا من قبيل التشريع، لكن الفتوى الدينية مهما كان مضمونها لا تنشئ وحدها حظرًا قانونيًا، ولا تمنح الإدارة سلطة مصادرة حق لم يصدر بشأنه قانون نافذ.
وبعد ذلك يصبح المطلوب توثيقيًا واضحًا لا يحتمل المراوغة، فالدولة لا تواجه جريمة بمنع لباس، ولا تعالج خلل التأمين بالعقاب الجماعي، ولا تحترم القانون حين تقتطع من الأحكام ما يلائم خطابها وتترك ما يقيده. لذلك فإن الإصرار على فتح هذا الملف بهذه الطريقة لا يكشف حرصًا على الأمن، بل يكشف حكومة تبحث عن ستار سياسي يخفف عنها مساءلة الناس.
ولهذا تبقى الخلاصة أشد قسوة على السلطة من أي سجال فقهي أو إداري، لأن أصل المشكلة ليس النقاب، بل دولة تريد من المجتمع أن يدفع ثمن ارتباكها الأمني وفشلها التنفيذي بصمت. وعندما يصبح أسهل قرار هو تقييد الحرية بدل إصلاح المؤسسة، فإن الأزمة الحقيقية تكون في طريقة الحكم نفسها، لا في وجوه النساء.

