أقرت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة حزمة رسوم جديدة على مشروعات التطوير العقاري بنظام الشراكة داخل عدد من المدن الجديدة، ففتحت بذلك جبهة نزاع جديدة مع المستثمرين في توقيت يعاني فيه السوق أصلًا من ارتفاع التكلفة وتباطؤ القدرة الشرائية. ويكشف القرار، من أول سطر فيه، أن الحكومة اختارت سد فجواتها المالية عبر تحميل القطاع مزيدًا من الأعباء بدلًا من تقديم سياسة مستقرة تحمي الاستثمار.

 

رسوم موحدة على المصريين وتمييز في السداد على الأجانب

 

وأوضحت القرارات أن المطور المصري سيدفع ألف جنيه عن كل متر في المشروعات الخاضعة للنظام الجديد، مع سداد عشرين في المئة مقدمًا وتقسيط الباقي حتى خمس سنوات بفائدة مرتبطة بالسعر المعلن، بينما يُلزم المستثمر الأجنبي بسداد عشرين دولارًا للمتر دفعة واحدة. وهذا الفارق لا يبدو تنظيمًا محايدًا بقدر ما يعكس ارتباكًا في فلسفة التحصيل نفسها، إذ تتبدل العملة وآلية السداد من طرف إلى آخر بلا منطق استثماري مقنع.

 

ولفت هذا الترتيب الانتباه إلى أن الدولة لم تقدم الرسوم باعتبارها جزءًا من إطار تعاقدي واضح سبق الاتفاق عليه، بل باعتبارها مطالبة لاحقة تُفرض على مشروعات قائمة بالفعل أو على أوضاع تعاقدية تحتاج إلى تسوية. ومن هنا بدأ الغضب داخل السوق، لأن المطور حين يسعّر مشروعه على أساس معين ثم يفاجأ برسوم مستحدثة، فإنه لا يملك إلا نقل العبء إلى المشتري أو تجميد جزء من خططه. وفي هذا السياق قال فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن الرسوم والاشتراطات الإضافية تعطل التنفيذ وتضيف أعباء مباشرة على الشركات، كما رفضت الجمعية في مواقف سابقة فكرة فرض أعباء بأثر رجعي وعدّتها غير مقبولة. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأنها تفسر جوهر الاعتراض، وهو أن المشكلة ليست في رقم الرسوم وحده بل في توقيت فرضها وطريقة احتسابها.

 

من الساحل إلى المدن الجديدة.. سياسة جباية تتسع لا إصلاحًا يتعمق

 

ويبين تتبع الخلفية أن هذه الخطوة لم تبدأ اليوم، بل جاءت امتدادًا لمسار تصاعدي في فرض رسوم مماثلة على مشروعات الساحل الشمالي خلال عام ٢٠٢٥، ثم ربطها لاحقًا بتسويات أوسع تخص أوضاع الأراضي والمشروعات الشريكة. وهذا التسلسل الزمني يوضح أن الدولة لا تتعامل مع الملف كاستثناء محدود، بل كقناة تحصيل متنامية تتوسع كلما ضاقت الموارد وتعددت الاحتياجات التمويلية.

 

وفي موازاة ذلك لم تتوقف الضغوط عند قيمة الرسوم نفسها، لأن المخاطبات الرسمية ربطت الالتزام بالسداد باستمرار التعامل الحكومي مع الشركات، بما في ذلك بعض الخدمات والإجراءات الأساسية للمشروعات. وهنا يصبح المطور أمام معادلة قاسية، إما أن يدفع وفق شروط لم يدخل بها العقد أصلًا، أو يواجه تعطيلًا إداريًا يهدد الجدول الزمني والتمويل والمبيعات وثقة العملاء في آن واحد. وأشار المهندس علاء فكري، نائب رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، في أكثر من مناسبة إلى أن السوق لم يعد يحتمل مزيدًا من الرسوم والتكلفة غير المباشرة، لأن أي عبء جديد ينعكس فورًا على سعر الوحدة وعلى قدرة الشركات على الالتزام بمواعيد التنفيذ. ومن هنا تبدو القرارات الجديدة أقرب إلى دفع السوق نحو مزيد من الانكماش بدلًا من علاج اختلالاته الفعلية في التمويل والتشغيل والتسعير.

 

النتيجة المتوقعة.. ارتفاع أسعار وتآكل ثقة ورسالة سلبية للمستثمر

 

وأكدت الوقائع المتتابعة أن الحصيلة المستهدفة من هذه الرسوم ليست هامشية، إذ ربطت تقارير صحفية موثوقة بينها وبين موارد متوقعة بمليارات الجنيهات، مع توجيه العوائد إلى صندوق تحيا مصر. غير أن جوهر الأزمة لا يتعلق بوجهة الإنفاق وحدها، بل بالسؤال الذي يتجنبه القرار نفسه، وهو لماذا تُحمَّل مشروعات التطوير هذه الكلفة الإضافية بينما يفترض أن الدولة شريك منظم لا سلطة جباية مباغتة.

 

ويرى المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، أن ما جرى فرضه استدعى بالفعل تفاوضًا مع وزارة الإسكان لتخفيف شروط السداد وتقسيط الدفعة المقدمة، وهو ما يكشف أن السوق نفسه اعتبر الرسوم فوق قدرة كثير من الشركات على التحمل الفوري.

 

وإذا كان ممثلو القطاع يطالبون بتيسير السداد بعد صدور القرار مباشرة، فهذه إشارة واضحة إلى أن القرار خرج من الأساس منفصلًا عن أوضاع التنفيذ الحقيقية. وفي ظل هذا المشهد ستتجه النتيجة المنطقية إلى تحميل المشترين النهائيين جانبًا من التكلفة، لأن المطور الذي ترتفع عليه رسوم الأرض والتمويل والإجراءات لن يمتص الخسارة من هامشه المحدود إلى ما لا نهاية. وبذلك تتحول الرسوم التي قيل إنها تنظّم السوق إلى عنصر جديد في رفع الأسعار، ثم يعود المواطن ليدفع الثمن مرتين، مرة كمشترٍ يواجه سعرًا أعلى، ومرة كطرف في اقتصاد يتراجع فيه الاستثمار المنتج.

 

وأشارت ردود الفعل داخل القطاع إلى أن الخطر الأبعد لا يقف عند حدود الكلفة، بل يمتد إلى صورة الدولة نفسها أمام المستثمر المحلي والأجنبي، لأن المستثمر لا يخشى الرسوم فقط بل يخشى القواعد التي تتغير بعد التعاقد. وحين تصبح الشراكة مرادفًا لاحتمال ظهور مطالبات جديدة وقيود مفاجئة، فإن الرسالة التي تصل إلى السوق تكون قاسية وواضحة، وهي أن الاستقرار التشريعي في مصر ما زال قابلًا للمساومة عند أول احتياج مالي.

 

وأخيرا اختتمت هذه القرارات فصلًا جديدًا من علاقة مختلة بين الحكومة والقطاع العقاري، علاقة تبدأ بشعار الشراكة وتنتهي بلائحة رسوم وعقوبات وضغوط سداد. لذلك لا يبدو التقرير الحقيقي هنا عن ألف جنيه أو عشرين دولارًا فقط، بل عن دولة تضيق بأزماتها فتفتش عن المال في جيوب المستثمرين، ثم تسأل لاحقًا لماذا تتراجع الجاذبية ولماذا يرتبك السوق ولماذا يفقد الناس الثقة في كل ما يُسمى تنظيمًا.