تدخل أسعار الغذاء في مصر مرحلة أكثر خطورة مع اتساع أثر التصعيد الإقليمي على مستلزمات الزراعة والنقل والإنتاج الحيواني في وقت تبدو فيه الحكومة أبطأ من السوق وأضعف من الموجة الجديدة التي تتشكل أمامها. التحذيرات لم تعد تقديرات عامة لأن أسعار اليوريا قفزت خلال أبريل إلى ما يتجاوز 850 دولاراً للطن في العقود العالمية وانعكس ذلك سريعاً داخل السوق المحلية ليتجاوز السعر 40 ألف جنيه للطن بعد أن كان قرب 28 ألفاً قبل اندلاع الحرب. هذه القفزة لا تضرب المزارع فقط بل تضرب سلسلة الغذاء كلها من الحقل إلى المستهلك لأنها ترفع كلفة الزراعة أولاً ثم تدفع المنتجين إلى تقليل الاستخدام أو رفع سعر المحصول أو الاحتمالين معاً. وفي الحالتين يدفع المواطن الثمن في سوق أنهكته موجات الغلاء السابقة ولم يتعاف منها حتى الآن.

 

تتسع الأزمة لأن سوق الغذاء المصري لا يواجه صدمة واحدة بل يواجه تراكباً بين الأسمدة والأعلاف والطاقة والتضخم في وقت تواصل فيه الحكومة الحديث عن الاحتواء بينما تتحرك الأسعار على الأرض بسرعة أكبر من أي تدخل رسمي. بيانات التضخم في المدن أظهرت ارتفاع المعدل السنوي إلى 15.2 بالمئة في مارس بعد أن كان 13.4 بالمئة في فبراير وهو ما يعكس أن السوق دخل بالفعل مساراً صاعداً قبل أن تظهر كامل آثار القفزات الجديدة في تكاليف الزراعة والنقل. كما أن تمديد روسيا قيود تصدير الأسمدة حتى ديسمبر يزيد الضغط على الإمدادات العالمية ويفتح الباب أمام أسعار أعلى خلال الشهور المقبلة إذا استمر التوتر في مضيق هرمز وتعطلت الشحنات القادمة من الخليج.

 

إغلاق هرمز يرفع كلفة السماد وينذر بموسم أغلى

 

يرتبط الخطر الأول بسوق الأسمدة لأن إغلاق مضيق هرمز عطل جزءاً مؤثراً من تجارة الأسمدة البحرية في وقت توفر فيه دول الخليج نحو ربع صادرات اليوريا العالمية. هذه الصدمة دفعت الأسعار الدولية إلى الصعود الحاد ثم انتقلت إلى مصر بسرعة لأن السوق المحلية لا تعمل بمعزل عن الأسعار العالمية ولا عن تكلفة الغاز والنقل والتصدير.

 

ثم انعكس هذا الارتفاع داخل مصر على سعر اليوريا الذي تجاوز 40 ألف جنيه للطن مقارنة بنحو 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب وفق التقديرات المنشورة خلال أبريل. هذا الفارق لا يمثل زيادة عابرة لأن تكلفة التسميد تدخل مباشرة في محصول القمح والخضروات والفاكهة والمحاصيل الحقلية وهو ما يجعل أثرها واسعاً ومباشراً على أسعار الغذاء اليومية.

 

وفي هذا السياق قال نقيب الفلاحين حسين أبو صدام إن أي زيادة في أسعار مستلزمات الزراعة وبخاصة الأسمدة تؤدي إلى اضطراب سوق الغذاء لأن المزارع إذا خفض استخدام السماد تراجعت الإنتاجية وإذا رفع سعر المحصول انتقلت الزيادة مباشرة إلى المستهلك. أهمية هذا التقدير أنه يصف مسارين كلاهما يرفع الأسعار ولا يترك مساحة حقيقية للتهدئة.

 

وبعد ذلك يظهر أثر السياسة الحكومية نفسها لأن الدعم القائم لا يغطي السوق بالكامل رغم أن الحكومة توفر سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه للطن لما يقرب من نصف المزارعين فقط. كما أن الحكومة خفضت في العام الماضي الكميات المسلمة لوزارة الزراعة من 55 بالمئة إلى 37 بالمئة من الإنتاج المحلي بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز للمصانع.

 

ولذلك لا يبدو مطمئناً أن تراهن الحكومة على الدعم الجزئي بينما تترك الفجوة بين السعر المحلي والعالمي تتسع لأن استمرار الحرب قد يدفع مصانع الأسمدة المحلية إلى التصدير بصورة أكبر للاستفادة من فارق السعر. وعندها لن تصبح المشكلة في السعر فقط بل في توافر الكميات داخل السوق الزراعية المحلية خلال موسم حساس للإنتاج.

 

الأعلاف والوقود يدفعان الدواجن واللحوم إلى موجة جديدة

 

تنتقل الأزمة بعد ذلك إلى الأعلاف التي شهدت خلال أبريل زيادة محلية تراوحت بين 4 آلاف و5 آلاف جنيه للطن بحسب لجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء. ووصل طن علف التسمين إلى نطاق بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه بينما سجل علف الدواجن البياض بين 17.8 ألفاً و20.4 ألف جنيه وهي مستويات تضغط مباشرة على تكلفة التربية والإنتاج.

 

ثم يتعمق الخطر لأن مصر تعتمد على الاستيراد في مكونات رئيسية للأعلاف إذ أشار حسين أبو صدام إلى أن فول الصويا يمثل نحو 50 بالمئة من احتياجات السوق المحلية المستوردة بينما تستورد مصر نحو 40 بالمئة من احتياجات الذرة. هذا الاعتماد يجعل أي اضطراب في الشحن أو السعر العالمي يتحول سريعاً إلى عبء على المربين في الداخل.

 

وبسبب ذلك حذر أبو صدام من أن المربين قد يقلصون دورات الإنتاج أو يخرج بعضهم نهائياً من السوق إذا استمرت الزيادة في الأعلاف وهو ما يعني تلقائياً ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والبيض. هذا التحذير لا ينفصل عن سوق يعيش أصلاً على هوامش ربح ضيقة ويتأثر فوراً بأي زيادة في مدخلات الإنتاج.

 

وفي الاتجاه نفسه قال عبد المنعم السيد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية إن أي حرب واسعة على إيران تحمل انعكاسات فورية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. هذا الربط يفسر لماذا لا تتوقف الأزمة عند الأعلاف وحدها لأن النقل والتخزين والطاقة تدخل كلها في سعر الغذاء النهائي الذي يصل إلى المستهلك.

 

ثم زاد الضغط مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وما تبعه من زيادات محلية في أسعار الوقود خلال مارس استقرت بعدها أسعار البنزين والسولار عند مستويات أعلى من السابق. ومع كل زيادة في الوقود ترتفع تكلفة نقل العلف والحبوب والخضر والفاكهة من مناطق الإنتاج إلى أسواق الجملة ثم إلى محال التجزئة وهو ما يوسع دائرة الغلاء على امتداد السوق.

 

الحكومة بين دعم منكمش وتضخم صاعد وغذاء أكثر كلفة

 

يظهر المأزق الحكومي بوضوح أكبر مع صعود التضخم السنوي في المدن إلى 15.2 بالمئة في مارس وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التي نقلتها رويترز. هذا الارتفاع جاء مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وهو ما يعني أن السوق دخل بالفعل موجة تضخمية قبل اكتمال أثر صدمة الأسمدة والأعلاف الحالية.

 

وفي هذا الإطار قال الخبير الاقتصادي كريم العمدة إن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء في مصر وإن الخطر الأكبر يبقى في احتمال حدوث قفزات كبيرة إذا استمرت الحرب لأن مصانع اليوريا تعتمد على الغاز الطبيعي كما أن السلع المستوردة ستتأثر بدورها. هذا التقدير يربط بين الأزمة الراهنة وبين موجة أوسع مرشحة للاتساع لا للانحسار.

 

وبالتوازي مع ذلك تتحدث الحكومة عن زيادة الاكتفاء الذاتي من القمح وتوسيع التوريد المحلي بعد رفع سعر شراء الأردب إلى 2500 جنيه في محاولة لتشجيع المزارعين على تسليم 5 ملايين طن هذا العام. لكن هذا المسار يظل محدود الأثر إذا ظلت كلفة السماد والعلف والطاقة ترتفع بسرعة أكبر من أدوات الحماية التي تعلنها الحكومة.

 

كما أن مؤشرات الأسعار العالمية لا تساعد على الاطمئنان لأن منظمة الأغذية والزراعة أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بنسبة 2.4 بالمئة في مارس مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة المرتبطة بتصاعد الصراع في الشرق الأوسط. وعندما ترتفع الأسعار العالمية بالتزامن مع ضعف داخلي في الإنتاج والحماية يصبح السوق المحلي أكثر تعرضاً لموجات الغلاء لا أقل تعرضاً لها.

 

وأخيراً تقف الحكومة أمام اختبار واضح لا يحتاج إلى بيانات مطمئنة بل يحتاج إلى إجراءات تمنع تسرب الإنتاج المحلي إلى التصدير وقت الأزمة وتوسع كميات اليوريا المدعمة وتضمن الأعلاف وتكبح أثر الوقود على النقل والغذاء. وإذا استمرت الحكومة في إدارة الملف برد فعل متأخر فإن أسعار الغذاء في مصر ستتحرك إلى قفزة جديدة يدفع ثمنها الفلاح أولاً ثم المواطن في كل وجبة بعد ذلك.