تدفع حكومة الانقلاب بخطاب واسع عن مشروعات سيناء، لكن هذا الخطاب يتجاهل سؤالا مباشرا عن أصحاب الأرض الذين دفعوا ثمن الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية قبل أن تظهر في البيانات الرسمية كإنجازات جاهزة للتسويق السياسي والاستثماري.
تقدم سلطة الانقلاب هذه المشروعات باعتبارها خطة تنمية، بينما تكشف الوقائع الحقوقية أن آلاف السكان فقدوا بيوتهم وأراضيهم ومزارعهم خلال سنوات الإخلاء والهدم، لذلك لا يبدو السؤال عن جدوى المشروعات اقتصاديا فقط، بل يبدو سؤالا عن الملكية والعدالة والحق في العودة.
طرق وممرات على أرض جرى تفريغها من أهلها
تواصل وزارة النقل تنفيذ خطة لإنشاء 7 ممرات لوجستية، ويتصدر ممر طابا العريش هذه الخطة باعتباره محورا يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط ويمر عبر شبكة طرق وسكك حديدية وموانئ جافة ومناطق لوجستية، لكن الحكومة لا تضع السكان في قلب هذا الإعلان الرسمي.
وبناء على ذلك، تظهر شبكة الطرق الجديدة في شمال سيناء باعتبارها جزءا من ربط مناطق الإنتاج بالموانئ، حيث شملت الأعمال الطريق الدائري بمدينة العريش وطريق الإسماعيلية العوجة وطريق الجدي وتطوير طرق النفق النقب والقسيمة الكونتيلا وبغداد بئر لحفن العريش.
وفي السياق نفسه، تتواصل أعمال تطوير الطريق الساحلي القنطرة شرق بالوظة العريش رفح بطول 205 كيلومترات، وهو طريق لا يمكن فصله عن تاريخ رفح التي تعرضت لعمليات إخلاء وهدم واسعة حولت المدينة القديمة إلى ملف مفتوح من التعويضات الغائبة والعودة المؤجلة.
وعلى الجانب الجنوبي، تعلن الدولة الانتهاء من طرق سعال كاترين وفيران كاترين وطابا النقب ونويبع طابا ودهب شرم الشيخ، إضافة إلى الطريق الدائري بمدينة شرم الشيخ، لكن هذا التوسع يخدم حركة الاستثمار والسياحة والنقل أكثر مما يجيب عن حقوق المجتمعات المحلية.
ولهذا السبب، قال جو ستورك، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، إن عمليات الإخلاء والهدم في شمال سيناء عكست عقلية رسمية تتجاهل رفاه السكان، كما شدد على أن أمن المنطقة واستقرارها يرتبطان بحقوق أهلها لا بإزاحتهم.
قطار التنمية يعود بينما حق العودة يتراجع
بعد الطرق، تقدم الحكومة مشروع قطار التنمية بوصفه عودة للسكك الحديدية إلى سيناء بعد عقود، حيث يمتد الخط من الفردان إلى شرق بورسعيد وبئر العبد والعريش وصولا إلى طابا بطول 500 كيلومتر، وتتعامل السلطة مع الرقم كدليل على فتح سيناء أمام الاقتصاد.
ثم شملت المرحلة الأولى إعادة تأهيل كوبري الفردان وازدواجه، وإنشاء كوبري جديد أعلى قناة السويس الجديدة، وتطوير محطات القنطرة شرق وبالوظة وبئر العبد، ثم افتتحت الحكومة في أكتوبر 2024 مسافة الفردان بئر العبد بطول 100 كيلومتر بعد توقف دام 57 عاما.
وبعد ذلك، واصلت الدولة تنفيذ خط بئر العبد العريش رأس النقب مطار طابا الدولي بطول 353 كيلومترا، مع وصلات تخدم ميناء العريش وميناء شرق بورسعيد، بما يعني أن السكك الحديدية تتحرك وفق احتياجات الموانئ والصادرات والمناطق الصناعية قبل احتياجات الأهالي.
لكن هذا المسار لا ينفصل عن تقديرات حقوقية تحدثت عن تدمير ما لا يقل عن 12,350 مبنى أغلبها منازل بين أواخر 2013 ويوليو 2020، إضافة إلى تجريف أو إغلاق نحو 6,000 هكتار من الأراضي الزراعية في شمال سيناء.
لذلك، قال أحمد سالم، المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، إن آلاف السكان في رفح والشيخ زويد فقدوا بيوتهم وأراضيهم ومزارعهم، وإن كثيرا منهم لم يحصلوا على تعويض كاف أو سكن بديل أو فرص عمل، وهو ما يجعل قطار التنمية منفصلا عن حق العودة.
موانئ ومناطق لوجستية لصالح من لا يسكنون المكان
تنتقل الخطة الحكومية من الطرق والقطارات إلى الموانئ البحرية، حيث تشمل أعمال ميناء طابا إنشاء رصيف بحري ومارينا لليخوت وساحات لتداول الحاويات والبضائع ومبان إدارية وورش صيانة ومناطق انتظار، وهي مكونات تخدم حركة تجارية وسياحية موجهة لرؤوس الأموال.
وفي ميناء العريش، تنفذ الدولة مراحل تطوير متقدمة شملت حواجز أمواج وأرصفة جديدة، بينها رصيف تحيا مصر والرصيف السياحي، مع استكمال المرحلة الثانية في الحوض الشرقي، كما يجري إنشاء صوامع أسمنت بطاقة تخزينية تصل إلى 40 ألف طن لدعم التصدير.
وبالتوازي، طورت الحكومة ميناء طابا البري بتكلفة 200 مليون جنيه، ووضعت مخططا لشبكة موانئ جافة ومناطق لوجستية على محور العريش طابا، تشمل ميناء القنطرة شرق الجاف والمنطقة اللوجستية بالعريش ومنطقة بغداد والمنطقة اللوجستية بالحسنة ومنطقة النقب والمنطقة اللوجستية بطابا.
غير أن ملف ميناء العريش يحمل وجها أشد وضوحا في سؤال الملكية، إذ حذرت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان من قرار رئاسي يتعلق بنحو 542 فدانا حول الميناء، وقالت إن القرار يعني تهجيرا وشيكا لآلاف الأسر ونزع ملكية منازل وأراض محيطة بالميناء.
ومن زاوية إدارة الأرض، أشار تقييم للبنك الدولي شارك في إعداده محمد ندا وديفيد سيمز إلى أن أقل من 10 بالمئة من العقارات في مصر يمكن اعتبارها مسجلة قانونيا، وأن إدارة أراضي الدولة تخضع لقوانين ومؤسسات متعددة ومركزية شديدة التعقيد.
لذلك، تبدو مشروعات سيناء في صيغتها الحالية عملية ربط للأرض بالموانئ والأسواق الخارجية قبل ربطها بأصحابها، وتبدو الحكومة كأنها تطلب من السكان قبول خسارة البيت والأرض والمزرعة مقابل وعود تنموية لا تمنحهم حقا واضحا في العودة أو التعويض العادل.
وفي النهاية، لا تستطيع سلطة الانقلاب أن تسمي الطرق والسكك والموانئ تنمية كاملة بينما يبقى سكان سيناء خارج المعادلة، لأن التنمية التي تبدأ بالمصادرة وتنتهي بالتصدير لا تصنع استقرارا، بل تثبت أن الأرض صارت مشروعا للحكومة والجيش والمستثمرين قبل أن تكون وطنا لأهلها.

