تحولت استغاثة مينا زكي أنيس زكي إلى اتهام مباشر لمنظومة عقارية تترك الحاجزين وحدهم أمام مطور يطلب أموالًا إضافية، بينما تغيب الرقابة الحكومية التي يفترض أنها تحمي المشتري قبل توقيع العقد وبعده.

 

وتكشف الوقائع التي عرضها زكي عن أزمة أوسع من خلاف مالي داخل مشروع سكني، لأن غياب المرافق وتأخر الخدمات وفرض الغرامات يضع الملاك أمام معادلة قاسية، يدفعون ثمن الوحدة ثم يدفعون ثمن العجز عن استلامها.

 

مشروع بدأ في 2018 وملاك يدفعون ثمن تأخر التنفيذ

 

بدأ مشروع “الموندو” التابع لشركة رافكو، والمملوك لرجل الأعمال رامي فارس، في عام 2018، ثم دخل مينا زكي أنيس زكي ضمن الحاجزين في عام 2023، بحسب استغاثته، وقد أكد زكي أنه التزم بسداد الأقساط والمستحقات المالية في مواعيدها دون تأخير.

 

وبحسب ما رواه زكي، فإن أغلب الحاجزين القدامى أنهوا التزاماتهم المالية بالكامل، بينما لا يزال أمامه نحو 4 سنوات ونصف لاستكمال السداد، وهذا الفارق الزمني يوضح أن الأزمة لا تخص متعثرين، بل تخص ملاكًا يطالبون بتنفيذ وعود الشركة بعد سنوات من الانتظار.

 

ثم أوضح زكي أن الشركة نفذت 24 عمارة فقط من أصل 32 عمارة، في حين لم تنشئ النادي أو المول حتى الآن، كما أجرت الشركة تغييرات في واجهات ومداخل بعض العمارات بعد التنفيذ، ولذلك اعتبر الملاك أن الشركة غيّرت ملامح التعاقد من طرف واحد.

 

وهنا تظهر مسؤولية الجهات الحكومية بوضوح، لأن مشروعًا بهذا الحجم لا يجب أن يتحرك بعيدًا عن رقابة فعلية على نسب التنفيذ ومواعيد التسليم والخدمات الموعودة، وقد طالب المهندس طارق شكري سابقًا بفصل حساب كل مشروع عقاري لحماية أموال الحاجزين من الخلط بين المشروعات.

 

ويكتسب رأي طارق شكري أهمية خاصة، لأنه رئيس غرفة التطوير العقاري ووكيل لجنة الإسكان سابقًا، وقد قال إن فتح حساب بنكي مستقل لكل مشروع يهدف إلى منع انتقال أموال المشتري إلى مشروع آخر، وهذه الفكرة تكشف خللًا رقابيًا حين يدفع العميل ولا يرى المقابل داخل مشروعه.

 

رسوم مرافق ضخمة وتحميل 35% يفتحان باب النزاع

 

بعد ذلك، انتقل النزاع إلى الأعباء المالية الجديدة، إذ قال زكي إن نسبة التحميل على الشقق وصلت إلى نحو 35% رغم سداد العملاء للقيمة الإجمالية، وهذه النسبة تعني عمليًا أن المالك يدفع ثمن مساحة لا ينتفع بها داخل وحدته، بينما يظل مطالبًا بسداد كامل السعر.

 

وأضاف زكي أن الشركة تطالب كل مالك بنحو 562 ألف جنيه بدعوى توصيل المرافق إلى الكمبوند، وقد وصف هذا المبلغ بأنه مبالغ فيه للغاية، خصوصًا أن تقديرات مختصين تحدثوا مع الملاك تشير إلى أن التكلفة الفعلية لا تتجاوز 100 ألف جنيه لكل وحدة.

 

وتزيد خطورة هذا البند لأن بعض القانونيين الذين رجع إليهم الملاك يرون عدم قانونية تحميل العملاء تكلفة البنية التحتية، بحسب الاستغاثة، لأن بنودًا تعاقدية تنص على أن المرافق والطرق العامة ملك للشركة، بينما يمتلك العملاء وحداتهم فقط وحصة في أرض المبنى.

 

ومن الناحية القانونية العامة، يضع الفقيه القانوني عبد الرزاق السنهوري مبدأ العقد في مركز العلاقة بين الطرفين، لأن المادة 147 من القانون المدني تقرر أن العقد شريعة المتعاقدين، ولا يملك طرف واحد نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو بسبب يقرره القانون.

 

وبناء على هذا المبدأ، تصبح أي مطالبة مالية جديدة خارج التعاقد محل مساءلة قانونية واضحة، لأن العميل تعاقد على وحدة داخل مشروع له مرافق وخدمات، وليس على وحدة عارية من الشروط الأساسية للحياة، ولذلك تتحمل الدولة مسؤولية فحص العقود لا الاكتفاء بمراقبة الإعلانات.

 

استلام بلا مرافق وغرامات تزيد معاناة الحاجزين

 

في سياق متصل، حذر زكي مما وصفه بكمين الاستلام الابتدائي، إذ تفرض الشركة مددًا محددة للتشطيب تتراوح بين 6 أشهر وسنة، ثم توقع غرامات عند التأخير، كما تفرض غرامات على المتأخرين في الاستلام، رغم عدم توافر المياه والكهرباء داخل الموقع.

 

وبسبب غياب المرافق الأساسية، قال زكي إن الملاك يتحملون تكاليف إضافية قد تصل إلى 700 جنيه يوميًا، لأنهم يحتاجون إلى بدائل للمياه والكهرباء أثناء التشطيب، بينما تمنع الشركة إدخال مولدات كهرباء أو مصادر مياه من الخارج، وهو ما يضاعف تكلفة الالتزام على المالك.

 

ثم تزيد الشركة الأزمة، وفق رواية زكي، من خلال تقليص أيام العمل إلى 4 أيام أسبوعيًا، و5 ساعات فقط يوميًا، وهذا القيد يجعل التشطيب أكثر بطئًا، ثم تستخدم الشركة التأخير نفسه لفرض غرامات، وبذلك يدفع المالك ثمن المشكلة مرتين.

 

ويرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن الوحدات تحت الإنشاء تحمل مخاطر تمويلية واضحة لأن البنوك تتعامل معها بحذر قبل اكتمال الأصل العقاري، وهذا الرأي يوضح جانبًا من أزمة المشتري في السوق المصري، لأن الحاجز يدفع مقدمات وأقساطًا طويلة قبل أن يملك أصلًا مكتملًا صالحًا للاستخدام.

 

ولهذا، لا تكفي بيانات الشركات عن نسب الإنجاز ولا تكفي وعود التسليم، لأن الدولة تركت المشتري في سوق يتوسع بسرعة من دون ضمانات صارمة، بينما يحتاج الحاجزون إلى جهاز رقابي يلزم المطور بتوفير المرافق قبل الاستلام، ويمنع تحويل الغرامة إلى أداة ضغط.

 

وتنتهي استغاثة مينا زكي أنيس زكي بمطلب محدد، إذ ناشد الجهات المختصة التحقيق في الوقائع، وضمان حقوق ملاك “الموندو”، وإلزام شركة رافكو بتنفيذ التزاماتها التعاقدية دون فرض أعباء إضافية غير مبررة، وهذا الطلب يضع الحكومة أمام اختبار مباشر لا يحتمل المراوغة.

 

وفي الخلاصة، لا تبدو أزمة “الموندو” خلافًا محدودًا بين شركة وملاك، بل تبدو نموذجًا لسوق عقاري يحتاج إلى رقابة حقيقية قبل البيع وبعده، لأن المالك الذي يدفع ثمن الشقة وثمن المرافق وثمن التأخير لا يحصل على حماية، بينما تحصل الشركات على وقت أطول ومساحة أوسع للضغط.