تتصاعد أسئلة الغضب في بورسعيد مع إعلان الحكومة عن مناطق استثمارية خاصة ومشروعات ذكية باستثمارات ضخمة، بينما تبقى المحافظة خارج الخريطة الجديدة رغم موقعها على محور قناة السويس.

 

تكشف الأزمة أن الحكومة تدير الاستثمار بمنطق التركز الجغرافي لا بمنطق العدالة التنموية، لأن محافظة تملك ميناء ومنطقة حرة وبنية لوجستية لا يجوز أن تنتظر طلب إحاطة حتى تظهر على جدول الأولويات.

 

بورسعيد تمتلك المقومات والحكومة تتركها خارج السباق

 

في البداية، تطرح أزمة استبعاد بورسعيد من المناطق الاستثمارية الخاصة سؤالًا مباشرًا عن معايير الحكومة في توزيع المشروعات الكبرى، لأن المحافظة ترتبط بمحور قناة السويس وتملك موقعًا تجاريًا ولوجستيًا يجعلها مؤهلة لاستضافة نماذج استثمارية متكاملة لا أن تبقى على الهامش.

 

وبحسب البيانات الرسمية، تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مشروعًا محوريًا للتنمية الاقتصادية في مصر، وتهدف إلى تنمية مساحة كبيرة على امتداد الممر الملاحي، وهو ما يجعل تجاهل بورسعيد في خريطة المناطق الاستثمارية الحديثة قرارًا يحتاج إلى تفسير معلن لا إلى وعود عامة.

 

وعلى هذا الأساس، لا تتعلق المشكلة باسم المحافظة وحده، بل بتعطيل قيمة موقعها الاستراتيجي وبنيتها المرتبطة بالتجارة والموانئ والمناطق الحرة، لأن الحكومة تتحدث عن جذب الاستثمارات وتسهيل الإجراءات ثم تترك مدينة لها تاريخ اقتصادي خارج التجارب الجديدة.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن جذب الاستثمار يحتاج إلى بنية تحتية واضحة وحوافز مستقرة وسرعة في إنهاء الإجراءات، وهي شروط تمتلك بورسعيد جانبًا مهمًا منها بالفعل بسبب موقعها ومينائها ومجالها المرتبط بالتجارة واللوجستيات.

 

وبسبب هذا التناقض، يصبح السؤال عن عدم إنشاء منطقة استثمارية خاصة في بورسعيد سؤالًا عن كفاءة الحكومة نفسها، لأن الدولة التي تمتلك محافظة جاهزة لوجستيًا ثم تنقل اهتمامها إلى نطاقات أخرى من دون إعلان معايير واضحة تفتح الباب أمام فجوة تنموية متعمدة.

 

ثم يزداد الغموض مع غياب جواب رسمي عن دور وزارة الاستثمار والهيئة العامة للاستثمار في ربط البنية التحتية والمناطق الحرة ببورسعيد بالنماذج الحديثة للمناطق الخاصة أو الذكية، رغم أن الهيئة تعرض فرصًا مرتبطة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتصفها بمحور رئيسي للتنمية.

 

تركز الاستثمار يخلق فجوة تنموية ويضعف العدالة الإقليمية

 

بعد ذلك، تكشف خريطة المناطق الاستثمارية الحالية عن اختلال واضح في التوزيع، فقد أعلنت الهيئة العامة للاستثمار أن مصر تضم حاليًا 12 منطقة استثمارية عامة موزعة على 6 محافظات فقط، وتضم 1273 مشروعًا وتوفر 77.5 ألف فرصة عمل.

 

وبناء على هذه الأرقام، لا يبدو مطلب بورسعيد استثناءً محليًا أو رغبة في مكسب إداري، بل يبدو اعتراضًا على توزيع محدود جغرافيًا لمناطق يفترض أن تخدم التنمية المتوازنة، لأن حصرها في عدد قليل من المحافظات يترك محافظات مؤهلة خارج مسار الاستثمار الحديث.

 

وفي أبريل 2026، وافقت الحكومة على إنشاء أول منطقة استثمارية خاصة لصالح شركة تابعة لمجموعة طلعت مصطفى لتطوير مشروع في القاهرة الجديدة باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، وهو قرار زاد التساؤلات حول سبب بدء النموذج من نطاق عمراني مركزي لا من محافظة لوجستية مثل بورسعيد.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير العمراني يحيى شوكت في دراساته عن العدالة المكانية أن توزيع الاستثمار العام والخدمات لا يجب أن يخضع لمنطق الجذب العقاري وحده، لأن الدولة مسؤولة عن تقليل الفجوات بين المحافظات وربط الموارد المتاحة باحتياجات السكان وفرص العمل.

 

ولذلك، تصبح مشروعات السكن الذكي والمناطق الاستثمارية الخاصة جزءًا من سؤال العدالة لا مجرد ملف عقاري، لأن الحكومة عندما تركز الاستثمارات الضخمة في نطاقات بعينها فإنها تصنع فجوة بين محافظات تحصل على البنية الجديدة ومحافظات تدفع ثمن الإهمال.

 

وعلى هذا المستوى، لا يمكن فصل بورسعيد عن سؤال التوازن الإقليمي، لأن المحافظة تمتلك تاريخًا اقتصاديًا ومنطقة حرة وميناء وموقعًا على بوابة قناة السويس الشمالية، ومع ذلك لا تظهر في مقدمة التجارب الاستثمارية التي تعلنها الحكومة باعتبارها نماذج حديثة وجاذبة.

 

ثم تتسع الأزمة عندما تغيب المعايير المنشورة لاختيار مواقع المناطق الاستثمارية الجديدة، لأن المستثمر المحلي والمواطن في المحافظة يحتاجان إلى معرفة ما إذا كانت الحكومة تقيس الجاهزية اللوجستية وفرص التصدير والتشغيل أم تفضل المشروعات ذات العائد العقاري السريع.

 

غياب الرؤية الحكومية يحول الفرص إلى خسائر محلية

 

في مرحلة لاحقة، يؤدي غياب خطة حكومية معلنة لإدراج بورسعيد في المرحلة القادمة من المناطق الاستثمارية الخاصة أو الذكية إلى إهدار فرص تشغيل وتصدير وخدمات، لأن المحافظة لا تحتاج إلى تعريف جديد بقيمتها بقدر ما تحتاج إلى قرار تنفيذي يربط إمكاناتها بالمشروعات.

 

وبالتوازي مع ذلك، تمتلك بورسعيد جهازًا تنفيذيًا للمنطقة الحرة يعرض فرصًا استثمارية في الأسواق التجارية والخدمات المرتبطة بالنشاط السياحي والتنمية داخل المنطقة الحرة، وهو ما يؤكد وجود قاعدة محلية يمكن تطويرها بدل تركها خارج الخطة الحديثة.

 

ومن ناحية اقتصادية، يرى الخبير وائل النحاس أن توزيع الاستثمار بين المحافظات يحتاج إلى ربط الحوافز بمزايا كل محافظة وبقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة، لأن تركز الأموال في مناطق بعينها يرفع تكلفة التنمية ويزيد الضغط على القاهرة والمدن المحيطة بها.

 

وبناء على ذلك، تبدو بورسعيد حالة اختبار لجدية الحكومة في الحديث عن الاستثمار المتوازن، لأن المحافظة تستطيع أن تربط بين الميناء والمنطقة الحرة والخدمات اللوجستية والتصنيع والتصدير، بينما يؤدي استمرار استبعادها إلى تعطيل ميزة جغرافية واقتصادية جاهزة.

 

كما أن استبعاد محافظة بهذه المواصفات يضرب خطاب الدولة عن الاستفادة من محور قناة السويس، لأن أي مشروع جاد حول القناة يفترض أن يضع بورسعيد في قلب المعادلة، لا أن يحولها إلى مجرد اسم في خطابات رسمية عن التاريخ والموقع.

 

ولهذا، تحتاج الحكومة إلى إعلان خريطة زمنية واضحة تشرح المحافظات المرشحة للمناطق الخاصة والذكية ومعايير الاختيار وأدوار وزارة الاستثمار والهيئة العامة للاستثمار ووزارة الإسكان والتنمية المحلية والبيئة، لأن الغموض الحالي يرسخ شعورًا بأن القرارات تصدر من أعلى بلا محاسبة.

 

وفي الخلاصة، تكشف أزمة بورسعيد أن المشكلة ليست في طلب إحاطة أو سؤال برلماني، بل في حكومة تعلن عن مليارات للمناطق الاستثمارية الخاصة ثم تترك محافظة لوجستية خارج السباق، وهو ما يضع العدالة الجغرافية والتنمية المحلية أمام اختبار سياسي واقتصادي واضح.

 

وتبقى النهاية أن بورسعيد لا تحتاج إلى عبارات تقدير عن تاريخها ولا إلى وعود مؤجلة عن موقعها، بل تحتاج إلى إدراج محدد في خريطة الاستثمار الذكي، لأن استمرار تجاهلها يحول الفرص المتاحة إلى خسائر مباشرة تتحمل الحكومة مسؤوليتها أمام السكان والسوق والدولة.