تدفع الحكومة المصرية موجة جديدة من الشركات الحكومية نحو القيد المؤقت في البورصة المصرية خلال الأسبوع المقبل، وسط قطاعات التشييد والسياحة والكيماويات والأدوية، بينما يظهر القرار كاستجابة مباشرة لضغوط التمويل الخارجي لا كخطة إصلاح مكتملة.
تربط الحكومة تسريع القيد المؤقت بالتزاماتها أمام المفوضية الأوروبية لصرف شرائح تمويلية متبقية، وتضع 20 شركة على مسار البورصة المصرية، رغم استمرار أسئلة الشفافية والتقييم وحماية المال العام من البيع تحت ضغط العجز.
شركات التشييد والسياحة في واجهة القيد العاجل
في البداية، حصلت العربية بيزنس على قائمة تضم 14 شركة مرشحة للقيد المؤقت في البورصة المصرية خلال الأسبوع المقبل، وتوزعت القائمة بين شركات تابعة للقابضة للتشييد والبناء وشركات تابعة للقابضة للسياحة وشركات تابعة للقابضة للصناعات الكيماوية وشركات أخرى.
وبحسب القائمة، تضم شركات القابضة للتشييد والبناء المعادي للتنمية والتعمير والنصر للمباني والإنشاءات والمقاولات المصرية مختار إبراهيم والمكتب العربي للاستشارات والتصميمات الهندسية، وهو إدراج يضع شركات ذات صلة مباشرة بالعمران والمقاولات تحت مسار سوق المال بدل إصلاح إدارتها أولا.
ثم تضم شركات القابضة للسياحة المعمورة للتعمير والتنمية السياحية ومصر للصوت والضوء والسينما والتجارية للأخشاب وإيجوث والعربية للاستثمار السياحي إشتي والتعمير السياحي، وبذلك تنقل الحكومة شركات تملك أصولا عقارية وسياحية مهمة إلى مسار قيد مؤقت يسبق أي طرح محتمل.
وفي السياق نفسه، تشمل قائمة القابضة للصناعات الكيماوية شركتي النصر للملاحات والنصر للأسمدة، بينما تضم الشركات الأخرى مصر لتجارة وحليج الأقطان وسيد للأدوية، وهو ما يجعل القيد المؤقت أوسع من مجرد شركات خاسرة لأنه يطال قطاعات إنتاجية وتجارية ودوائية ترتبط مباشرة بالسوق المحلي.
لذلك، تبدو القائمة الحكومية جزءا من برنامج الطروحات الحكومية لا مجرد إجراء فني داخل البورصة المصرية، لأن القيد المؤقت يفتح الطريق أمام تقييمات لاحقة وصفقات محتملة، بينما لم تعرض الحكومة للرأي العام حتى الآن تفاصيل كافية عن أصول هذه الشركات وديونها ومراكزها المالية.
التمويل الأوروبي يحرك جدول الطروحات الحكومية
بعد ذلك، قالت مصادر حكومية إن الشركات تمر حاليا بمرحلة استكمال الإجراءات والقيد المركزي لدى شركة مصر للمقاصة، وإن القيد سيتم وفق مدى جاهزية كل شركة واستيفائها الشروط اللازمة، وهو تصريح يكشف أن الجدول السياسي للتمويل يسبق الجاهزية المؤسسية للشركات.
وفي الوقت نفسه، أكدت المصادر أن الحكومة انتهت من القيد المؤقت لعدد 12 شركة حتى الآن في البورصة المصرية، وأنها تستكمل إجراءات 8 شركات أخرى ليصل الإجمالي إلى 20 شركة، مع احتمال قيد أكثر من 8 شركات خلال الأسبوع المقبل إذا انتهت الشركات من الاشتراطات.
كما ضمت قائمة الشركات التي حصلت على الموافقة سيناء للمنجنيز والشركة القومية لإدارة الأصول والاستثمار والعبد للمقاولات ونيركو والنصر للإسكان والتعمير واليايات ومهمات وسائل النقل والنهضة للصناعات والمصرية لسبائك الحديد والنصر لصناعة الزجاج والبلور والإسكندرية للحراريات والنصر للتعدين وسيجوارت.
وعلى المستوى الزمني، جاء تسريع القيد بعد اجتماع حكومي مع مفوضية الاتحاد الأوروبي لإطلاعها على آخر تطورات القيد المؤقت للشركات الحكومية والشركات التي سيتم نقلها إلى الصندوق السيادي المصري، وهو ما يجعل ملف الأصول العامة بندا مباشرا في علاقة الحكومة بالممولين.
ومن هنا، يصبح القيد المؤقت مرتبطا بشرائح التمويل الأوروبية المتبقية، إذ حصلت مصر على 2 مليار يورو من آلية دعم الاقتصاد الكلي والموازنة العامة البالغة 5 مليارات يورو، ويتبقى 3 مليارات يورو على شريحتين يفترض صرفهما قبل نهاية عام 2026.
كذلك، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي في يناير 2026 تنفيذ 38 إصلاحا ضمن البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، وربطت بيانات حكومية بين هذه الإجراءات وآلية الدعم الأوروبي، ما يضع القيد المؤقت للشركات في إطار شروط تمويلية لا في إطار محاسبة داخلية مستقلة.
خبراء يحذرون من البيع تحت ضغط العجز
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن برنامج الطروحات يمكن أن ينشط البورصة المصرية ويجذب مستثمرين أجانب إذا جرى بإدارة جيدة تضمن تعظيم العائد للدولة، لكن هذا الرأي يضع الحكومة أمام شرط واضح يتعلق بالشفافية والتقييم العادل قبل أي بيع.
وبناء على ذلك، تكشف تصريحات توفيق فجوة جوهرية في خطاب الحكومة، لأن الدولة تعلن قوائم القيد وتربطها بالتمويل الخارجي، لكنها لا تنشر للرأي العام منهجا مفصلا للتقييم ولا تعرض تصورا واضحا لاستخدام حصيلة الطروحات في خفض الدين أو تطوير الشركات.
ومن ناحية أخرى، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن البورصة تمثل بوابة لتفعيل وثيقة ملكية الدولة وتعظيم مشاركة القطاع الخاص، لكن هذا الطرح لا يمنح الحكومة تفويضا مفتوحا للبيع السريع، لأن مشاركة القطاع الخاص تحتاج قواعد منافسة وإفصاحا ورقابة قبل نقل الملكية.
وبالتوازي، حذرت الدكتورة عالية المهدي من أن طريقة الخصخصة لا تقل أهمية عن حجمها، واعتبرت أن بيع الأصول على عجل وبتقدير أقل من قيمتها يبدد الثروة العامة، وهو تحذير ينطبق على أي قيد مؤقت يتحول لاحقا إلى بيع تحت ضغط الدولار والتمويل.
لهذا السبب، لا يكفي أن تقول الحكومة إن القيد مؤقت أو إن الطرح يستهدف تنشيط البورصة المصرية، لأن المشكلة الأساسية تتعلق بالملكية العامة نفسها، وبحق المواطنين في معرفة سبب إدخال شركات مثل مصر للصوت والضوء وإيجوث وسيد للأدوية ومصر لحليج الأقطان في هذا المسار.
ورغم ذلك، ظهر داخل الخبر المتداول سطر منفصل عن بيع سندات الخزانة الأميركية بقيمة 139 مليار دولار ضمن أخبار أسواق المال، وهو تفصيل لا يغير جوهر القضية المصرية، لكنه يوضح أن الخبر ورد في سياق سوق مالي أوسع لا يلغي مسؤولية الحكومة عن ملف الأصول.
وفي النهاية، تكشف موجة القيد المؤقت عن حكومة تتحرك بسرعة عندما يضغط التمويل الخارجي، وتتباطأ عندما يطلب المواطنون شفافية ومحاسبة، ولذلك يصبح السؤال المركزي هو من يحدد قيمة الشركات الحكومية ومن يراقب البيع ومن يضمن أن أصول الدولة لا تتحول إلى مورد قصير الأجل لسد فجوات صنعها سوء الإدارة.

