تكشف تسريبات صيدنايا الجديدة وجها آخر من أرشيف الرعب الذي صنعته حكومة بشار الأسد داخل السجن العسكري الأشهر في سوريا خلال سنوات القمع والقتل المنهجي.

 

تدفع المقاطع المسربة وزارة الداخلية السورية إلى اختبار علني جديد لأن حذفها السريع زاد الأسئلة حول مصدرها ومصير الأرشيف ومسؤولية الدولة عن حماية الأدلة.

 

مقاطع صيدنايا تفضح أرشيف السجن المحذوف

 

في البداية، تداول سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي 3 مقاطع جديدة قيل إنها مسربة من سجن صيدنايا في ريف دمشق، وهو السجن الذي وصفته منظمة العفو الدولية سابقا بأنه موقع للقتل المنظم خلال عهد حكومة بشار الأسد السابقة.

 

 

 

بعد ذلك، نشر حساب مجهول على فيسبوك المقاطع منتصف ليل الاثنين الثلاثاء، ثم حذفها لاحقا، فانتقلت القضية من مجرد تداول رقمي إلى سؤال أمني وحقوقي عن الجهة التي تملك أرشيف السجن وعن سبب غياب إعلان رسمي واضح.


 

 

وبحسب المقاطع المتداولة، ظهر سجناء داخل باحة داخلية من السجن وهم منحني الظهر في وضع بدا كعقاب جماعي فرضه السجانون، وهو مشهد ينسجم مع شهادات طويلة عن استخدام الإذلال الجسدي كأداة ثابتة داخل منظومة الاعتقال الأسدية.

 

كما أظهرت مشاهد أخرى شاشات كاميرات مراقبة ترصد زنازين داخل السجن، وظهر بين السجناء نساء وأطفال، وهو تفصيل يوسع دائرة الأسئلة لأن وجود هذه الفئات داخل منشأة عسكرية يثبت اتساع الانتهاك خارج حدود المعتقلين السياسيين الرجال.

 

ثم عرض مقطع آخر موظفين داخل السجن وهم يؤدون أعمالا مكتبية، وهو ما يمنح التسريبات أهمية إضافية لأن وجود العمل الإداري بجانب مشاهد العقاب والزنازين يشير إلى بنية منظمة لا إلى تجاوزات فردية معزولة داخل مؤسسة أمنية.

 

لذلك، أثار الحذف السريع للمقاطع موجة واسعة من التساؤلات بين السوريين، وظهرت مطالبات مباشرة لوزارة الداخلية بالتحقيق في مصدر الفيديوهات، وبالكشف عن الجهة التي حصلت عليها، وبحماية أي مواد مصورة قد تساعد أسر المفقودين.

 

شهادات المنظمات تكشف جذور المسلخ البشري

 

في هذا السياق، قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في فبراير 2017 إن السلطات السورية نظمت في صيدنايا حملة سرية من الإعدامات الجماعية خارج القضاء، وقدرت أن ما يصل إلى 13000 شخص أعدموا شنقا بين 2011 و2015.

 

وبالتوازي، قالت لين معلوف، وهي مديرة البحوث الإقليمية في منظمة العفو الدولية آنذاك، إن فظائع صيدنايا تكشف هجوما منظما على المدنيين، وقد ربطت المنظمة تلك الممارسات بسياسة دولة لا بسلوك حراس منفلتين.

 

ولهذا السبب، تكتسب المقاطع الجديدة خطورتها من أنها لا تظهر في فراغ، لأن تقارير العفو الدولية وصفت صيدنايا بأنه منشأة تابعة لوزارة الدفاع وتدار عبر الشرطة العسكرية، وقدرت أن مبنييه كانا قادرين على احتجاز ما بين 10000 و20000 سجين.

 

إضافة إلى ذلك، وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن صور قيصر أن أجهزة الأمن السورية أدارت شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز، وأن الصور التي خرجت من داخل المنظومة الأمنية أظهرت آلاف الجثث المرقمة لمعتقلين ماتوا في الحجز.

 

ومن ثم، قال آدم كوغل، وهو باحث سابق في هيومن رايتس ووتش عمل على ملف سوريا، إن صور قيصر قدمت دليلا على وفيات جماعية داخل مراكز الاحتجاز، بينما أكدت المنظمة أن التوثيق شمل مقابلات مع عائلات ومعتقلين سابقين ومنشقين.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو تسريبات صيدنايا الجديدة حدثا منفصلا عن أرشيف الجرائم السابقة، لأنها تضاف إلى مسار طويل من الوثائق والصور والشهادات التي كشفت الاعتقال السري والتعذيب والقتل والإخفاء القسري داخل أجهزة حكومة الأسد.

 

وزارة الداخلية أمام اختبار العدالة والأرشيف

 

في المقابل، يواجه الحكم السوري الجديد امتحانا سياسيا وحقوقيا بعد سقوط حكومة الأسد في ديسمبر 2024، لأن فتح أبواب السجون وحده لا يكفي إذا بقيت الأشرطة والدفاتر وقواعد البيانات خارج رقابة قضائية مستقلة وعلنية.

 

وعلى هذا الأساس، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن فتح أبواب السجون بشكل عشوائي بعد سقوط النظام صعب عملية تتبع المعتقلين، وأدى إلى خروج سجناء جنائيين بجانب سجناء سياسيين.

 

ثم أظهرت قضية اعتقال أمجد يوسف في أبريل 2026 أن التسريبات المصورة تستطيع تحريك العدالة عندما تخرج إلى العلن، لأن وزارة الداخلية السورية أعلنت توقيف ضابط سابق ارتبط بمقطع مجزرة التضامن بعد سنوات من نشر الفيديو.

 

غير أن هذا التطور لا يعفي وزارة الداخلية من مسؤوليتها في ملف صيدنايا، لأن المقاطع الجديدة حذفت بعد نشرها، ولأن الأهالي لا يحتاجون بيانا عاما فقط، بل يحتاجون مسارا يحدد مصدر التسريب ويحفظ النسخ الأصلية ويمنع العبث بالأدلة.

 

كذلك، تحتاج الحكومة السورية إلى إعلان آلية مستقلة لفحص أرشيف السجن، لأن الأسر التي تبحث عن أبنائها لا تستطيع الاعتماد على منشورات مجهولة في فيسبوك، ولا تستطيع قبول بقاء المواد المصورة في يد أفراد أو موظفين سابقين.

 

وبعد كل هذه الوقائع، تصبح تسريبات صيدنايا الجديدة وثيقة اتهام سياسية وحقوقية ضد حكومة الأسد السابقة، كما تصبح اختبارا للحكومة الحالية، لأن العدالة تبدأ من حماية الدليل، وكشف الأسماء، وفتح السجلات، لا من انتظار تسريب جديد يحرك ذاكرة الضحايا.