واصل الدولار الأميركي صعوده أمام الجنيه المصري اليوم، وسجل أعلى سعر في بنك التنمية الصناعية عند 53.85 جنيهًا للشراء و53.95 جنيهًا للبيع، مع ارتباك السوق وخروج أموال ساخنة من الدين الحكومي.
وكشفت القفزة أن حكومة السيسي أبقت الجنيه معلقًا بتدفقات سريعة الهروب، بينما يدفع المواطن ثمن كل موجة خروج في صورة أسعار أعلى وضغط جديد على الغذاء والدواء والطاقة.
الدولار يصعد والبنوك تكشف فجوة السعر
سجل البنك المركزي المصري 52.97 جنيهًا للشراء و53.11 جنيهًا للبيع، بينما وصل أعلى سعر في بنك التنمية الصناعية إلى 53.85 جنيهًا للشراء و53.95 جنيهًا للبيع، بما يعكس فجوة واضحة بين السعر الرسمي ومتوسطات البنوك التجارية.
وبحسب إحصاء العربية للأعمال، جاء أقل سعر للدولار في بنك القاهرة عند 52.78 جنيهًا للشراء و52.88 جنيهًا للبيع، بينما سجل بنك مصر والبنك العربي الأفريقي الدولي 53.76 جنيهًا للشراء و53.86 جنيهًا للبيع، وهو تباين يكشف توتر السيولة الدولارية.
ثم سجل البنك الأهلي المصري 53.69 جنيهًا للشراء و53.79 جنيهًا للبيع، بينما استقر السعر في البنك الأهلي الكويتي والبنك المصري لتنمية الصادرات عند 53 جنيهًا للشراء و53.10 جنيهًا للبيع، بما يعني أن السوق لم تعد تتحرك على إيقاع واحد واضح.
وفي هذا السياق، لا تبدو الزيادة مجرد حركة يومية في شاشة بنكية، لأن الدولار يتحول في مصر إلى مؤشر مباشر على تكلفة الاستيراد والوقود والدواء والسلع الأساسية، ثم تنتقل الزيادة سريعًا من غرفة التعاملات إلى جيوب الأسر.
لذلك، يصبح اقتراب الدولار من 54 جنيهًا إنذارًا سياسيًا واقتصاديًا، لأن الحكومة التي وعدت بالاستقرار بعد كل تعويم لم تقدم قاعدة إنتاج أو تصدير تكفي لحماية العملة، بل واصلت إدارة السوق بمنطق المسكنات والتدفقات المؤقتة.
وفي قراءة متصلة، يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق بالاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل وحدها، بل يحتاج مصادر مستدامة للدولار من صادرات وسياحة وتحويلات واستثمار مباشر، وهي نقاط تكشف ضعف نموذج الحكومة الحالي.
الأموال الساخنة تخرج فتسقط رواية الاستقرار
جاء صعود الدولار بعد موجة تخارج من أدوات الدين الحكومية، إذ سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع قدره 558 مليون دولار خلال يومين، قبل أن تسجل صافي شراء 204 ملايين دولار يوم الأربعاء.
وقبل عودة الشراء الجزئية، سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي بيع بنحو 331 مليون دولار يوم الاثنين، ثم 227 مليون دولار يوم الثلاثاء، بما يكشف أن الأموال الساخنة تستطيع الضغط على الجنيه خلال 48 ساعة فقط.
بعد ذلك، عادت بعض التدفقات إلى أدوات الدين مع صافي شراء 204 ملايين دولار، لكن العودة لم تمح أثر الخروج السابق على سعر الصرف، لأن السوق قرأت الرسالة الأساسية وهي أن الأموال التي تدخل بحثًا عن العائد تغادر عند أول توتر.
وبسبب هذه التقلبات، يفقد حديث الحكومة عن جذب الأموال الأجنبية قيمته الاجتماعية، لأن الأموال الساخنة لا تبني مصنعًا ولا تخلق وظيفة مستقرة، بل تقرض الحكومة بفائدة مرتفعة ثم تخرج عندما ترتفع المخاطر السياسية أو النفطية أو النقدية عالميًا.
في المقابل، يدفع المصريون ثمن هذه المعادلة مرتين، مرة عبر فوائد مرتفعة على الدين لجذب المستثمرين، ومرة عبر انخفاض الجنيه عندما يقرر المستثمر نفسه الخروج، بينما تواصل الحكومة تسويق هذا النموذج باعتباره ثقة في الاقتصاد.
ومن زاوية نقدية، تحذر الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في كتاباتها من أن تمويل العجز عبر الديون والفوائد المرتفعة يضغط على الموازنة ويزيد أرباح الدائنين، وهو ما يظهر بوضوح في اعتماد الحكومة على أدوات دين سريعة الحركة بدل الاستثمار المنتج.
الفيدرالي والنفط وإيران يضاعفون الضغط على الجنيه
عالميًا، بقي الدولار الأميركي قريبًا من أعلى مستوياته في أكثر من أسبوعين، مدعومًا بموقف متشدد من صانعي السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد قرار تثبيت الفائدة بتصويت منقسم 8 مقابل 4، وهو أكبر انقسام منذ 1992 وفق التقرير.
كما دفعت توقعات الفائدة الأميركية عوائد سندات الخزانة لأجل عامين و10 سنوات إلى أعلى مستوى في شهر، واستبعدت الأسواق خفض الفائدة هذا العام، مع توقعات باحتمال الرفع في 2027، ما يزيد جاذبية الدولار على حساب الأسواق الناشئة.
وبالتوازي، تلقى الدولار دعمًا من عزوف المستثمرين عن المخاطرة بسبب قفزة أسعار النفط وتفاقم الجمود الدبلوماسي في الصراع مع إيران، وهي عوامل تضرب مصر تحديدًا لأنها مستورد كبير للطاقة وتعتمد على ثقة المستثمر الأجنبي في أدوات الدين.
وعلى المستوى الدولي، تراجع الين الياباني إلى 160.16 مقابل الدولار، واقترب من مستويات قد تدفع طوكيو للتدخل، ما يوضح أن قوة العملة الأميركية ليست مشكلة مصرية وحدها، لكنها تكشف هشاشة الاقتصاد المصري أكثر من غيره.
غير أن الحكومة المصرية لا تستطيع الاختباء خلف الفيدرالي والنفط فقط، لأن الدول الضعيفة أمام الدولار هي التي بنت استقرارها على اقتراض قصير الأجل واستيراد واسع وإنتاج محدود، وهذه وصفة كررها نظام السيسي حتى صار الجنيه رهينة الخارج.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي وائل جمال أن أزمة مصر لا تنفصل عن نموذج يعتمد على الديون وتدفقات الخارج بدل إعادة بناء القطاعات المنتجة، ولذلك تظهر كل صدمة عالمية كأنها أزمة داخلية جديدة في العملة والأسعار.
وأخيرًا، يفضح صعود الدولار قرب 54 جنيهًا حقيقة الاقتصاد المصري بعد سنوات من الوعود، لأن الجنيه لا يسقط بسبب يومين من البيع فقط، بل بسبب دولة جعلت الأموال الساخنة بديلاً عن الإنتاج، وجعلت المواطن آخر من يعرف وأول من يدفع.

