مع تراجع حكومة الانقلاب عن قرار الغلق المبكر للمحلات والمراكز التجارية والمطاعم، وتمديد ساعات العمل إلى ما بعد منتصف الليل، أثار تقرير نشره موقع "الجزيرة نت" تساؤلات حول ما إذا كانت ستتراجع أزمة الطاقة والغذاء بمصر أم تستمر تداعيات حرب إيران؟

 

وكانت مصر قد أصدرت، نهاية مارس الماضي، قرارًا بإغلاق المتاجر والمطاعم والمراكز التجارية عند الساعة التاسعة مساءً في معظم أيام الأسبوع، في محاولة لاحتواء فاتورة الطاقة التي تضاعفت بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

 

وكشف مصطفى مدبولي رئيس الوزراء أن فاتورة الغاز الشهرية لمصر ارتفعت من نحو 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.65 مليار دولار حاليا.

 

وفي 10 مارس الماضي رفعت حكومة الانقلاب أسعار الوقود، بنسب تتراوح بين 14% و30% بسبب "الظروف الاستثنائية" التي تمر بها أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في كافة السلع والخدمات بنفس النسبة.

 

وبينما خفضت توقعات النمو إلى نحو 4.6% خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، عاد صندوق النقد الدولي ليخفض تقديراته لنمو 2026 إلى 4.2%، في إشارة إلى أن الضغوط لم تتراجع، بل أعادت تشكيل نفسها.

 

رفع مخصصات استيراد الغاز


في ملف الطاقة، رفعت حكومة الانقلاب مخصصات استيراد الغاز إلى نحو 10 مليارات دولار بالتزامن مع عودة إمدادات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب وهو ما خفف من وطأة الأزمة وساعد في إنهاء قرار الغلق، وفق تصريحات حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك سابقًا.

 

ودعا، سلماوي إلى ضرورة بناء احتياطي استراتيجي من الغاز، مشيرا إلى أن مصر لا تمتلك مخزونا لمواجهة تكرار أزمات انقطاع الإمدادات.

 

استمرار الأزمة


بينما يرى الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة، أن "القرار أنهى فعليًا قيود الإغلاق، لكنه في المقابل نقل العبء إلى فاتورة الاستيراد، بما تحمله من ضغط على العملة الأجنبية والأسعار".

 

وقال أحمد شوقي، صاحب مخبز في الجيزة: "الشغل زاد، لكن الاستهلاك أيضا… يعني نحن نجري في مكاننا، لا خسرانين ولا كسبانين زي الأول".

 

وعلى مستوى الأسر، تبدو الصورة أكثر تضرًرا. تقول نجلاء أحمد، موظفة: "أصبحنا نخرج ونتحرك أكثر، لكن كل شيء أصبح أغلى… نشعر بتكلفة الكهرباء والوقود في كل شيء نشتريه، إنتهاء قرار الغلق لم ينهي المشكلة".

 

توريد القمح


وفيما يتعلق بالغذاء، تسعى حكومة الانقلاب إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد عبر شراء القمح المحلي بسعر أعلى، ضمن مستهدف يبلغ 5 ملايين طن وهو الأعلى من نوعه.

 

يقول محمد شطا، رئيس الإدارة المركزية لمديريات الزراعة، إن مصر حققت رقمًا قياسيًا في مساحة الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لتصل إلى 3.7 مليون فدان، متوقعًا أن يبلغ الإنتاج المحلي نحو 10 ملايين طن.

 

ويضيف: "أن الدولة تستهدف توريد 5 ملايين طن من هذا الإنتاج لصالح منظومة الخبز المدعم، بما يغطي نحو 60% من احتياجات إنتاج الرغيف المدعم"، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات توفر احتياطيا استراتيجيا من القمح يكفي لمدة تتراوح بين 6 و7 أشهر، ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات العالمية وتأثر سلاسل الإمداد.

 

وبين أزمة ارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء، لا يبدو أن الأزمة تنحسر بقدر ما يعاد توزيعها. الدولة تخفف الضغط المباشر على الشارع—لا انقطاع كهرباء، توافر في السلع—لكن مقابل كلفة متصاعدة في الاستيراد والدعم، تنعكس تدريجيًا على الأسعار والقدرة الشرائية.

 

تداعيات مستمرة


ولخص خزيم، هذا التحول بقوله: "لا تعيش مصر خروجًا واضحًا من أزمة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، بقدر ما تدير توازنًا هشًا بين تهدئة الشارع وتحمل كلفة اقتصادية متزايدة في الوقت الذي لا تلوح فيه بوادر حقيقة لإنهاء الحرب وإن انتهت فإن تداعياتها سوف تستمر لبعض الوقت وإن تصاعدت ستنفجر بالونة الأزمة.

 

وأشار إلى أن موارد مصر الدولارية من تحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس والسياحة قد تتأثر بشكل ملحوظ، وهو ما قد ينعكس على سعر صرف الجنيه أمام الدولار الذي يتجاوز حاليًا 52 جنيهًا، وبالتالي يساهم في زيادة وتيرة الغلاء.

 

ويرى الخبير الاقتصادي أن الدولة مطالبة بالحفاظ على الاستقرار المالي من جهة، واحتواء الضغوط الاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى في ظل هشاشة اقتصادية لا يمكن تحملها لفترات ممتدة.

 

في وقت أظهرت فيه بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) تسارع التضخم السنوي في المدن إلى 15.2% في مارس مقابل 13.4% في فبراير الماضي.