أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر طرح باقات إنترنت أرضي تبدأ من 150 جنيهًا وباقة محمول بسعر 5 جنيهات خلال مايو 2026، بعد موجة زيادات في خدمات الاتصالات، فحوّلت الحكومة أزمة الأسعار والجودة إلى عرض دعائي محدود بدل معالجة أصل الخلل في سوق تسيطر عليه بنية تحتية شبه مغلقة.

 

وكشفت الأرقام أن المواطن لا يدفع فقط ثمن باقة أغلى، بل يدفع ثمن سوق ضعيف المنافسة وخدمة لا تصلح كعمود حقيقي للتعليم والعمل وريادة الأعمال، لأن مصر جاءت في مارس 2026 في المركز 78 عالميًا في سرعة الإنترنت الثابت والمركز 83 في سرعة الإنترنت المحمول، بينما تواصل الحكومة الحديث عن التحول الرقمي.

 

احتكار البنية التحتية يحول الإنترنت إلى سلعة ناقصة

 

بدأت الأزمة من هيكل السوق قبل أن تبدأ من سعر الباقة، لأن شركات الاتصالات تتحرك داخل شبكة بنية تحتية لا تمنح المستخدم منافسة حقيقية، ولا تمنح الشركات مساحة عادلة لتقديم خدمة مستقلة، لذلك تصبح الزيادة في السعر نتيجة طبيعية لسوق يفتقد الضغط التنافسي الفعلي.

 

وبسبب هذا الخلل، لا تبدو تبريرات ارتفاع الوقود والكهرباء وسعر الصرف كافية لتفسير الغضب الشعبي، لأن المستخدم يرى الفاتورة ترتفع بينما تبقى الأعطال والبطء ونفاد الباقات جزءًا ثابتًا من التجربة اليومية، فيتحول كل إعلان حكومي عن التطوير إلى عبء جديد على الأسرة.

 

لذلك يخدم طرح الباحث الاقتصادي عمرو عادلي هذا المحور، لأنه يربط أزمات القطاعات الخدمية في مصر بضعف المنافسة واتساع نفوذ الدولة والكيانات الكبرى داخل السوق، وهذا المدخل يفسر لماذا تتحول خدمات يفترض أنها بنية إنتاج إلى مصدر جباية مستمرة.

 

ثم يأتي حديث النائب محمد فريد كإشارة سياسية هامشية إلى أصل المشكلة، لكنه لا يغير موقع البرلمان الضعيف داخل الأزمة، لأن الاعتراف بغياب التنافسية واحتكار البنية التحتية لا يكفي إذا ظل المجلس عاجزًا عن فرض مساءلة على الجهاز المنظم والشركات المسيطرة.

 

باقات رخيصة على الورق وخدمة لا تكفي العمل والتعليم

 

طرحت الحكومة باقة أرضي بسعر 150 جنيهًا بدلًا من أقل باقة حالية عند 210 جنيهات، كما طرحت باقة محمول بسعر 5 جنيهات بدلًا من باقة تبدأ من نحو 13 جنيهًا، لكنها لم تكشف للمواطنين بصورة كافية عن الحجم الفعلي والاستخدام الواقعي وحدود الاعتماد اليومي على هذه الباقات.

 

وبهذا المعنى، لا يصنع السعر المنخفض شمولًا رقميًا إذا كانت السعة محدودة أو الجودة ضعيفة أو الشبكة غير مستقرة، لأن الطالب يحتاج اتصالًا يصلح للدراسة، والعامل يحتاج خدمة لا تنهار أثناء العمل، وصاحب المشروع الصغير يحتاج إنترنت يدعم البيع والدفع والتواصل لا اتصالًا رمزيًا.

 

ومن هنا تخدم رؤية الخبير في تشريعات التحول الرقمي محمد حجازي هذا العنوان الفرعي، لأنه يضع الوصول العادل والآمن إلى الخدمات الرقمية ضمن شروط بناء اقتصاد حديث، لا ضمن دعاية حكومية تختصر الحق في الاتصال في باقة منخفضة الثمن ومحدودة الأثر.

 

كما أن ترتيب مصر في مارس 2026 يفضح الفجوة بين الخطاب والواقع، فالمركز 78 في الإنترنت الثابت والمركز 83 في الإنترنت المحمول لا ينسجمان مع دولة تتحدث عن التعليم الرقمي والمدن الذكية والخدمات الحكومية الإلكترونية، لأن السرعة والجودة هما المعيار لا عدد البيانات الصحفية.

 

لذلك يصبح استخدام عبارة الشمول الرقمي في هذا السياق تلاعبًا بمعنى الخدمة العامة، لأن الشمول لا يعني إدخال المواطن إلى شبكة ضعيفة بسعر أصغر، بل يعني ضمان قدرة حقيقية على الإنتاج والتعلم والابتكار، وهي قدرة تضعفها الباقات المحدودة وسوق الاتصالات المغلق.

 

فشل الشبكة يضرب الاقتصاد ويفضح دعاية التحول الرقمي

 

أظهرت أزمة حريق مبنى الاتصالات في القاهرة خلال يوليو 2025 حجم هشاشة البنية الرقمية، بعدما تسببت الواقعة في اضطرابات واسعة بخدمات الإنترنت والهاتف المحمول والمدفوعات، وانخفض الاتصال القومي وفق رصد دولي إلى 62% من مستواه المعتاد، وهو رقم يكشف مركزية خطرة في شبكة يفترض أنها مرنة.

 

وبعد تلك الواقعة، لم تعد أزمة الإنترنت مجرد شكوى من بطء الخدمة أو ارتفاع السعر، لأن تعطل الشبكات يوقف مدفوعات وتداولات وخدمات أعمال ومصالح يومية، وهذا يعني أن ضعف البنية التحتية يضرب الاقتصاد المباشر قبل أن يضرب رفاهية المستخدم أو ترفيهه.

 

هنا تخدم مداخلات منظمات الحقوق الرقمية مثل مسار مجتمع التقنية والقانون هذا المحور، لأنها تضع الحق في الاتصال ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمعرفة والعمل والخدمات، لا ضمن منطق تجاري ضيق يسمح للحكومة والشركات بتحديد الخدمة وفق مصلحة الإيراد وحدها.

 

وعندما تواصل الحكومة رفع الأسعار مع تقديم باقات شكلية، فإنها تنقل كلفة فشل السوق إلى المواطن بدل إلزام الشركات بإصلاح الجودة وتوسيع السعات وفتح المنافسة، كما أنها تستخدم التحول الرقمي كشعار سياسي بينما تمنع شروطه الأساسية من الظهور في حياة المستخدمين اليومية.

 

في النهاية، لا تحتاج مصر إلى باقة صغيرة تحمل اسم الشمول الرقمي بقدر ما تحتاج إلى تفكيك احتكار البنية التحتية، وفتح السوق لمنافسة حقيقية، وإلزام الشركات بمعايير جودة معلنة، لأن الإنترنت أصبح طريق العمل والتعليم والاستثمار، والحكومة التي تبيعه كفتات تحكم على الاقتصاد بالبقاء في بطء دائم.