كشفت تقارير رقابية وحسابات رسمية في مصر عن مخالفات وتجاوزات داخل منظومة الإسكان الاجتماعي تجاوزت قيمتها 43.5 مليار جنيه، شملت وحدات سكنية غير مستغلة ومشروعات متوقفة وتعثرات في التنفيذ والتشغيل، بينما لا تزال آلاف الأسر المصرية تواجه أزمة سكن ممتدة وسط تأخر التسليمات وتعقيدات التخصيص وارتفاع الأعباء المعيشية.

 

وتعكس الأزمة الحالية اتساع الفجوة بين الخطاب الحكومي الذي يروج لمشروعات الإسكان باعتبارها إنجازًا اجتماعيًا كبيرًا، وبين واقع يواجه فيه المواطن وحدات مغلقة منذ سنوات ومشروعات متعثرة وشكاوى متراكمة من سوء التنفيذ وغياب العدالة في التوزيع، في وقت تتزايد فيه معاناة محدودي الدخل مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على توفير سكن مستقر.

 

وحدات مغلقة ومليارات معطلة منذ سنوات

 

أوضح تقرير رقابي حديث وجود معوقات حالت دون الاستفادة من آلاف الوحدات السكنية التي جرى تنفيذها ضمن مشروعات الإسكان الاجتماعي، رغم مرور سنوات على إنشائها وتحمل الدولة والمواطنين تكلفتها المالية الكاملة.

 

وأشار التقرير إلى وجود 2391 وحدة سكنية لم يكتمل تنفيذها في عدد من المحافظات منذ عام 2014، ما تسبب في تعطيل الاستفادة منها طوال تلك السنوات رغم استمرار أزمة السكن وارتفاع الطلب على الوحدات المدعومة.

 

وفي السياق نفسه كشف التقرير عن وجود 24 ألفًا و486 وحدة سكنية راكدة بلغت تكلفتها نحو 2.8 مليار جنيه، جرى تنفيذها خلال المراحل الأولى والثانية والثالثة بين عامي 2014 و2017، لكنها بقيت خارج نطاق التخصيص والاستفادة الفعلية.

 

وأكد الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن استمرار وجود وحدات مغلقة رغم ضخ مليارات الجنيهات في تنفيذها يعكس خللًا واضحًا في إدارة الموارد العامة، خاصة أن الدولة تواصل الاقتراض والإنفاق بينما تبقى الأصول السكنية معطلة دون تشغيل حقيقي.

 

وأضاف أن تعطيل الوحدات لسنوات يؤدي إلى تآكل قيمتها الفنية وزيادة تكاليف الصيانة والإصلاح لاحقًا، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل نتائج التأخير وسط سوق عقارية تشهد ارتفاعًا مستمرًا في الأسعار.

 

كما أشار التقرير إلى أن نحو 13 ألفًا و300 وحدة سكنية جاهزة لم يستفد منها صندوق الإسكان الاجتماعي، رغم أن تكلفتها قاربت 1.5 مليار جنيه، وكانت موزعة على 9 محافظات مختلفة داخل الجمهورية.

 

ويثير استمرار تجميد هذه الوحدات تساؤلات واسعة حول آليات الإدارة والتخصيص، خاصة في ظل وجود قوائم انتظار طويلة وآلاف الأسر التي تبحث عن وحدات مناسبة منذ سنوات دون الحصول على فرصة فعلية للتسليم.

 

تأخير التسليمات وعقوبات على المواطنين رغم تعثر الحكومة

 

أعلنت الجهات الرسمية استمرار العمل على تسليم وحدات مرتبطة بإعلانات إسكان تعود إلى عام 2014 حتى نهاية عام 2026، ما يعني عمليًا أن آلاف المواطنين ما زالوا ينتظرون وحداتهم بعد أكثر من عقد كامل من الحجز والتعاقد.

 

وفي المقابل تواصل الجهات المعنية توجيه إنذارات للمتعثرين في سداد الأقساط أو الدفعات، مع التهديد بسحب الوحدات المخصصة لهم رغم الضغوط الاقتصادية الواسعة وارتفاع معدلات التضخم وتراجع الدخول الحقيقية للمواطنين.

 

وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الأزمة تكشف ازدواجية واضحة في التعامل مع ملف الإسكان، حيث تمنح الحكومة نفسها سنوات إضافية للتأخير بينما تواجه المواطنين بعقوبات فورية حال التعثر المالي.

 

وأضاف أن محدودي الدخل يمثلون الفئة المستهدفة أصلًا من الإسكان الاجتماعي، لكن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة جعل كثيرين غير قادرين على الاستمرار في الالتزامات المالية بنفس الشروط القديمة.

 

كما انتقد مواطنون تعدد المنصات والإجراءات المطلوبة للحصول على المعلومات أو تقديم الشكاوى، مشيرين إلى أن أنظمة التسجيل والاستعلام تعاني من التعقيد وضعف التحديث وصعوبة الوصول للخدمات بشكل واضح.

 

وأشار متابعون للملف إلى أن خطوط الشكاوى الهاتفية تحولت إلى عبء مالي إضافي على المواطنين بسبب ارتفاع تكلفة الاتصال، إلى جانب ضعف جودة الخدمة وعدم تقديم حلول حقيقية للمشكلات المتراكمة منذ سنوات.

 

وفي السياق ذاته رصدت تقارير وجود أخطاء في اختيار مواقع بعض المشروعات السكنية، حيث جرى تنفيذ وحدات في مناطق تعاني من مشكلات خدمية أو فنية حالت دون الاستفادة الكاملة منها بعد التنفيذ.

 

ويرى مراقبون أن استمرار هذه المشكلات دون حلول حاسمة يعكس غياب التخطيط المتكامل لمنظومة الإسكان الاجتماعي، خاصة مع تضارب القرارات وتأخر الحسم الإداري في ملفات التخصيص والتسليم.

 

شكاوى جودة التنفيذ تفتح ملف الرقابة الهندسية

 

امتدت شكاوى المواطنين داخل مشروعات الإسكان الاجتماعي إلى مستوى جودة التنفيذ والتشطيبات، حيث تحدث سكان عن مشكلات إنشائية وخدمية ظهرت في عدد من الوحدات بعد فترات قصيرة من الاستلام.

 

وتضمنت الشكاوى وجود تصدعات ومشكلات في المرافق وضعف التشطيبات الداخلية والخارجية، إلى جانب غياب الخدمات الأساسية في بعض المناطق السكنية الجديدة رغم تسليم الوحدات للسكان.

 

وأكد المهندس الاستشاري مكي عمار أن ضعف الرقابة الفنية خلال مراحل التنفيذ يؤدي إلى ظهور عيوب إنشائية مبكرة، خاصة مع التوسع السريع في إنشاء آلاف الوحدات خلال فترات زمنية قصيرة.

 

وأضاف أن بعض المشروعات تحتاج إلى مراجعة هندسية كاملة قبل التسليم النهائي، لأن أي خلل في البنية الأساسية أو التشطيبات يتحول لاحقًا إلى أعباء مالية إضافية على السكان والدولة معًا.

 

كما أشار مواطنون إلى أن تأخر معالجة العيوب الفنية يزيد من شعورهم بفقدان الثقة في منظومة الإسكان بالكامل، خاصة مع صعوبة الوصول إلى حلول سريعة أو جهات متابعة فعالة داخل بعض المشروعات.

 

وفي الوقت نفسه تتزايد المخاوف من استمرار إهدار المليارات داخل منظومة الإسكان الاجتماعي دون وجود محاسبة واضحة للمسؤولين عن التأخير أو سوء الإدارة أو ضعف الرقابة على التنفيذ.

 

وطالبت أصوات متعددة بفتح تحقيق شامل في المخالفات المالية والإدارية والفنية المرتبطة بالمشروعات السكنية، مع إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين في أي إهدار للمال العام.

 

كما دعت مطالبات متصاعدة إلى إعادة تقييم منظومة الإسكان الاجتماعي بالكامل، ووضع آليات أكثر شفافية وعدالة في التخصيص والتسليم، بما يضمن وصول الوحدات فعلًا إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من بقائها مغلقة لسنوات.

 

وتكشف الأزمة الحالية أن ملف الإسكان الاجتماعي لم يعد مجرد مشروع خدمي مرتبط بالبناء والتخصيص، بل تحول إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على إدارة الموارد العامة وحماية حقوق محدودي الدخل في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متدهورة.