قال مرصد الشرق الأوسط إن المنطقة تنتقل الآن من مرحلة "حل النزاع" إلى مرحلة "إدارة النزاع"، حيث باتت ساحة المعركة نفسها ثانوية تدريجيًا لما يمكن وصفه بـ"حرب الروايات"، في ظل سعي كل طرف إلى تصوير الآخر على أنه المُبادر بانتهاكات القانون الدولي، بينما يدّعي في الوقت نفسه تحقيق نصر سياسي واستراتيجي.
وأضاف: "عندما تصل القوى الكبرى إلى طريق مسدود عسكريًا، أو تُدرك أن المواجهة المباشرة ستُكبّد جميع الأطراف المعنية خسائر فادحة، غالبًا ما يتحول الصراع من الحرب التقليدية إلى معركةٍ حول الصورة العامة والشرعية. في هذا السياق، لم يعد الهدف بالضرورة هو الهزيمة المادية للخصم، بل إقناع الجماهير المحلية والدولية بأن موقف الدولة أقوى وأكثر شرعية واستدامةً من الناحية الاستراتيجية".
تعريفات مختلفة للنصر
وأوضح أنه "في الحروب التقليدية، كان النصر يُقاس بالسيطرة على الأراضي ورفع الأعلام فوق عواصم العدو. أما في المواجهة الراهنة، فيحمل النصر تعريفات مختلفة. فبالنسبة لإيران، يكمن النجاح أساسًا في بقاء النظام وإثبات فشل استراتيجية "الضغط الأقصى" في تغيير بنية الدولة الإيرانية أو توجهها الاستراتيجي. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيُصوَّر النصر على أنه "احتواء" - أي منع طهران من تجاوز الخطوط الحمراء الاستراتيجية، لا سيما فيما يتعلق بالتصعيد النووي أو السيطرة الكاملة على الممرات البحرية الحيوية، دون التورط في حرب إقليمية أخرى مكلفة. ومع ذلك، يتزايد الجدل حول قدرة واشنطن على تحقيق هذه الأهداف المحدودة بشكل كامل".
وتابع: "أصبح القانون الدولي نفسه أداة دبلوماسية متزايدة في هذا الصراع، بدلاً من كونه إطارًا أخلاقيَا يُطبق عالميًا. تركز واشنطن على دعم إيران للجماعات المسلحة الإقليمية وما تزعمه من تهديدات للأمن البحري، بينما تُبرز طهران انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، والاغتيالات المستهدفة، والتصعيد العسكري كمبرر لما تصفه بالتدابير الدفاعية. كما ربطت إيران أي إطار لوقف إطلاق النار مستدام بملفات إقليمية أوسع تمتد إلى ما وراء الخليج، لتشمل جنوب لبنان وربما غزة".
وأشار المرصد إلى أن المناوشات العسكرية الأخيرة بين الجانبين تُعتبر بمثابة آليات إشارات استراتيجية أكثر منها محاولات لتحقيق نصر حاسم في ساحة المعركة. وغالبًا ما تبدو الضربات المحدودة وكأنها مصممة بشكل أقل لتدمير قدرات الخصم، وأكثر لتقديم استعراضات رمزية للرد قادرة على دعم الروح المعنوية الداخلية والتماسك السياسي. وقد خلق هذا ما يمكن وصفه بـ"توازن هش"، حيث يبدو أن كلا الطرفين يُدرك أن حالة "لا سلام ولا حرب" تُمثل حاليًا الخيار الأقل تكلفة المتاح. وفي ظل هذه الظروف، تملأ الروايات الإعلامية هذا الفراغ، لأن الاعتراف بالجمود أمرٌ صعب على الأسواق استيعابه سياسيًا.
تآكل مفهوم الهيمنة الأمريكية الأحادية المطلقة
ويبين التقرير أن "من أهم نتائج الصراع استمرار تآكل مفهوم الهيمنة الأمريكية الأحادية المطلقة. من هذا المنظور، تمكنت إيران -رغم العقوبات القاسية والضغوط الاقتصادية- من مقاومة الضغوط التي مارستها كل من قوة نووية عالمية ودولة إقليمية قادرة على امتلاك أسلحة نووية، معتمدةً بشكل كبير على تقنيات عسكرية منخفضة التكلفة نسبيًا. ولذلك، خرجت طهران، إن لم تكن منتصرة، فعلى الأقل في موقع جيوسياسي مُعزز، لا سيما فيما يتعلق بنفوذها على مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو ممر استراتيجي كان مفتوحًا بالفعل قبل اندلاع الحرب".
واعتبر أن هذا التحول يعكس ما يصفه العديد من المحللين الجيوسياسيين بـ "الانتقال التدريجي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب"، مشيرًا إلى أن الصراع عزز الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لأدوات الحرب غير المتكافئة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة، والتي غيّرت حسابات الردع التقليدية من خلال فرض تكاليف اقتصادية باهظة على الخصوم المتفوقين تقنيًا.
وقال إن ذلك ستم من خلال استخدام أنظمة اعتراضية بملايين الدولارات ضد طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة معادلة اقتصادية غير مستدامة على المدى الطويل للطرف المدافع.
ورأى أن الوضع المتغير لمضيق هرمز يمثل بُعدًا محوريًا آخر في هذا المشهد الاستراتيجي المتطور. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتبرت الولايات المتحدة تقليديًا حرية الملاحة البحرية عبر الخليج مبدأً استراتيجيًا غير قابل للتفاوض.
لكن إيران أظهرت الآن قدرتها على التأثير في هذه الحرية أو تعطيلها بما يتناسب مع مستوى التصعيد الإقليمي، محولةً المضيق من ممر يهيمن عليه الغرب إلى منطقة نفوذ متنازع عليها، تتمتع فيها طهران بمزايا جغرافية وعملياتية هامة.
وفي الوقت نفسه، رأى التقرير أن الصراع كشف عن قصور في المفاهيم التقليدية للردع النووي. فعلى الرغم من القدرات النووية التي تمتلكها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يمنع امتلاكهما للأسلحة النووية إيران من مهاجمة قواعدها العسكرية، مما أدى إلى تآكل هيبة الردع النووي. وقد وفر هذا الأمر نموذجًا للقوى المحلية الأخرى حول كيفية تحدي القوى العظمى دون التسبب في كارثة شاملة.
في المقابل، قال التقرير إنه على الرغم من تعزيز إيران لمكانتها الجيوسياسية ظاهريًا، إلا أن ذلك جاء على حساب ثمن داخلي باهظ نتيجةً لثقل العقوبات المطولة والضغوط الاقتصادية. وبهذا المعنى، فإن المكاسب الاستراتيجية تصب في مصلحة "الدولة والنظام" في ترسيخ موقعهما الخارجي، بينما يقع العبء الأكبر على عاتق المجتمع الإيراني والمجتمع الدولي على حد سواء، في ظل قدرتهما على استيعاب التداعيات طويلة الأمد لهذه المواجهة المستمرة. ونتيجةً لذلك، يبدو أن الخطاب الإقليمي قد تحول من التساؤل: "متى ستسقط إيران؟" إلى التساؤل: "كيف ستتعايش المنطقة والعالم مع النفوذ الإيراني المتنامي؟"
نشر قوات مصرية بالإمارات
وفي خضم هذا الصراع، نظر التقرير إلى نشر مصر لعناصر من قواتها الجوية ودفاعها الجوي في الإمارات العربية المتحدة - إلى جانب التقارير التي تفيد بوجود قوات عسكرية باكستانية في السعودية – على أنه يعكس جهودًا أوسع لإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية الإقليمية. ووفقًا للتحليل، تشير هذه الانتشارات إلى تحول من التحالفات السياسية الرمزية نحو تنسيق أمني إقليمي أكثر فعالية يهدف إلى حماية منطقة الخليج من أن تصبح مجالاً حصريًا للنفوذ لإيران أو إسرائيل.
واستطرد في هذا السياق شارحًا: "يبدو أن بنية الأمن الإقليمي الناشئة تتجه بشكل متزايد نحو الردع متعدد المستويات والعمق الاستراتيجي. فعلى الصعيد المحلي، لا تزال دول الخليج تعتمد على توسيع وتحديث قواتها المسلحة الوطنية. أما على الصعيد العربي والإقليمي الأوسع، فتُعتبر دول مثل مصر وباكستان، وربما تركيا في المستقبل، ركائز أساسية للتعزيز الاستراتيجي، قادرة على توفير العمق العملياتي والدعم العسكري التقليدي".
وعلى الصعيد العالمي، رأى التقرير أن أن التوازن يميل تدريجيًا نحو تعميق الانخراط الاقتصادي والاستراتيجي مع الصين، بينما يُنظر إلى الولايات المتحدة من قِبل العديد من الفاعلين الإقليميين على أنها تلعب دورًا أكثر ضبطًا نسبيًا مما كانت عليه في العقود السابقة.
وفي هذا الإطار المتطور، أثارت المواجهات الأخيرة تساؤلات حول استدامة الاعتماد طويل الأمد على أنظمة الدفاع التكنولوجية المتقدمة، لا سيما بعد أن واجهت شبكات الدفاع الجوي الإسرائيلية صعوبات في احتواء تكتيكات الطائرات المسيرة الإيرانية وقصفها الصاروخي المكثف.
في المقابل، قال إنه يُنظر إلى مصر وباكستان غالبًا على أنهما تجسدان عقيدة عسكرية مختلفة ترتكز على الصمود والقوى البشرية والاستعداد لخوض معارك برية طويلة الأمد وعالية الكثافة. ولذلك، فإن نشر الطيارين المصريين في الإمارات العربية المتحدة أو القوات الباكستانية في المملكة العربية السعودية يحمل دلالات رمزية واستراتيجية تتجاوز التعاون التقني، مما يعكس ما يفسره الكثيرون في المنطقة على أنه "التزام حقيقي بالتضحية بالدماء" إذا اقتضت الظروف ذلك.
https://meobserver.org/politics/2026/05/12/the-war-of-narratives-and-the-redefinition-of-power-dynamics-in-the-gulf/

