يبين فضيلة الشيخ سعد فضل، من علماء الأزهر الشريف، أن الحج في الإسلام يأتي على ثلاثة أنواع صحيحة ومشروعة، هي القران والتمتع والإفراد، وكل نوع منها طريق معتبر لأداء فريضة الحج إذا التزم المسلم بأحكامه وأركانه وواجباته، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، واتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم».

 

وتظهر رحمة الشريعة في تنوع هذه الصور، فالمسلم قد يجمع الحج والعمرة في إحرام واحد فيكون قارنًا، وقد يبدأ بالعمرة ثم يتحلل ثم يحرم بالحج فيكون متمتعًا، وقد يحرم بالحج وحده فيكون مفردًا، ثم يبقى الخلاف بين الفقهاء في الأفضلية لا في الصحة، فالحنفية يقدمون القران ثم التمتع ثم الإفراد، بينما يرى الشافعية أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القران، والله أعلم.

 

الحج فريضة العمر وموسم الخضوع لله

 

شرع الله الحج ليكون رحلة إيمان وتوحيد وتربية، لا مجرد انتقال بدني إلى المشاعر المقدسة، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فجعل الحج واجبًا على المستطيع مرة في العمر، وجعل الاستطاعة بابًا من أبواب اليسر لا المشقة.

 

وفي هذا المقام، قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفضل الأعمال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»، فالحج المبرور عبادة جامعة تظهر فيها طاعة القلب والجسد والمال، وتتحقق فيها معاني التوبة والتجرد والانقياد.

 

وقد بيّن الله أدب الحاج في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فالحاج يدخل النسك بقلب جديد ولسان منضبط وسلوك نقي، لأن المقصود أن يرجع من حجه أنقى مما كان.

 

ولذلك لا ينبغي أن ينشغل المسلم بالخلاف في الأفضلية قبل أن يفهم صحة الأنواع الثلاثة، فالمطلوب أولًا أن يحسن النية، وأن يعرف ما نواه عند الإحرام، وأن يسأل أهل العلم قبل السفر، حتى يؤدي النسك على بصيرة وطمأنينة.

 

القران.. جمع الحج والعمرة في إحرام واحد

 

القران هو أن يحرم المسلم بالحج والعمرة معًا من الميقات، فينوي النسكين جميعًا بعد ارتداء ملابس الإحرام وصلاة ركعتي الإحرام إن تيسر له ذلك، ثم يلبي بقوله ومعناه: لبيك اللهم حجًا وعمرة، فيدخل في عبادة واحدة تجمع بين النسكين.

 

ويظل القارن على إحرامه إلى أن يؤدي أعمال الحج، ويكفيه عند جمهور العلماء طواف واحد وسعي واحد عن الحج والعمرة، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعًا»، وهذا يوضح أن القران جمع بين النسكين في الإحرام والعمل.

 

ومن أحكام القران أن القارن لا يتحلل بعد أداء العمرة كما يفعل المتمتع، بل يبقى محرمًا حتى يوم النحر، ويؤدي المناسك مع الحجاج، ثم يتحلل بعد الرمي والحلق أو التقصير والطواف على التفصيل المعروف في كتب الفقه.

 

وعلى القارن هدي عند جمهور العلماء إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، لأنه جمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، ويدخل ذلك في معنى قول الله تعالى في شأن الجمع بين النسكين: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

 

ويمتاز القران بأنه عبادة عظيمة تجمع الحج والعمرة في إحرام واحد، ولذلك رأى الحنفية أنه أفضل الأنواع، لما فيه من الجمع بين النسكين، ولما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا على قول كثير من أهل العلم.

 

التمتع.. عمرة مستقلة ثم حج مستقل في سفر واحد

 

التمتع هو أن يحرم المسلم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ثم يؤدي أعمال العمرة من طواف وسعي وحلق أو تقصير، وبعد ذلك يتحلل من إحرامه تحللًا كاملًا، فيلبس ثيابه ويتطيب ويتمتع بما كان ممنوعًا عليه في الإحرام.

 

ثم إذا جاء وقت الحج، وغالبًا في اليوم الثامن من ذي الحجة، يحرم بالحج من مكانه في مكة أو حيث يقيم، فيبدأ نسكًا جديدًا مستقلًا، ولذلك سمي متمتعًا لأنه تمتع بين العمرة والحج بما أبيح له بعد التحلل من العمرة.

 

وقد دل القرآن على مشروعية التمتع صراحة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، فالآية جعلت التمتع نسكًا واضحًا له هدي أو صيام عند العجز.

 

وفي السنة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوا إحرامهم عمرة لمن لم يسق الهدي، فطافوا وسعوا وتحللوا، ثم أحرموا بالحج بعد ذلك، وفي هذا تعليم عملي بأن التمتع باب واسع من أبواب التيسير على الحجاج.

 

ويعد التمتع من أيسر الأنواع على كثير من الناس، لأنه يعطي الحاج فرصة راحة بين العمرة والحج، فيتحلل من الإحرام، ويستعد للحج ببدنه وملبسه ومعيشته، خاصة إذا طالت المدة بين وصوله إلى مكة وبدء المناسك.

 

ولهذا يرى كثير من العلماء أن التمتع مناسب لمن قدم إلى مكة مبكرًا ولم يسق الهدي معه، كما أنه منتشر بين الحجاج في عصرنا بسبب ترتيبات السفر والإقامة والحملات، غير أن عليه الهدي إذا كان من غير أهل مكة، كما نصت الآية الكريمة.

 

الإفراد.. حج وحده بنية خالصة

 

الإفراد هو أن يحرم المسلم بالحج وحده من الميقات، فيقول بقلبه ولسانه إن شاء: لبيك اللهم حجًا، ولا يدخل العمرة في هذا الإحرام، بل يؤدي مناسك الحج فقط، من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى والرمي والطواف والسعي وسائر أعمال الحج.

 

والمفرد لا يجب عليه هدي بسبب النسك، لأنه لم يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد على وجه التمتع أو القران، وهذا من وجوه التيسير عليه، إلا إذا وجب عليه هدي لسبب آخر من أسباب الهدي المعروفة في الفقه.

 

وبعد أن يفرغ المفرد من أعمال الحج كلها، يجوز له أن يأتي بعمرة مستقلة إذا أراد، فيخرج إلى الحل مثل التنعيم ثم يحرم بالعمرة، لكن هذه العمرة ليست جزءًا من الإفراد نفسه، وإنما عمل مستقل بعد تمام الحج.

 

وقد دل حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على مشروعية الأنواع الثلاثة، إذ قالت في حجة الوداع: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج»، فجمع الحديث بين التمتع والقران والإفراد في زمن النبوة.

 

ويرى الشافعية أن الإفراد أفضل، لأنه يجعل الحج مستقلًا لا يداخله نسك آخر، ثم يمكن للمسلم أن يأتي بالعمرة في وقت آخر، فيحصل لكل عبادة استقلالها، وهذا باب من أبواب تعظيم النسكين عندهم.

 

أي الأنواع أفضل؟

 

الأفضلية بين القران والتمتع والإفراد من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، ولا ينبغي أن تكون سببًا للتشدد أو النزاع بين الحجاج، لأن كل نوع منها صحيح ومشروع، وقد عرفه الصحابة رضي الله عنهم في حجة الوداع.

 

فعند الحنفية، القران هو الأفضل لأنه يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد وعمل واحد، ثم يأتي بعده التمتع، ثم الإفراد، ويستدلون بأن الجمع بين النسكين زيادة عبادة، وأن القارن يأتي بالحج والعمرة معًا في رحلة واحدة.

 

وعند الشافعية، الإفراد هو الأفضل، ثم التمتع، ثم القران، لأن الإفراد يجعل الحج خالصًا مستقلًا، ثم تأتي العمرة بعده أو في سفر آخر مستقلة كذلك، وهذا عندهم أكمل في فصل العبادتين وإتمام كل واحدة على حدة.

 

أما كثير من أهل العلم فينظرون إلى حال الحاج نفسه، فمن كان معه هدي فقد يناسبه القران، ومن جاء مبكرًا وليس معه هدي فقد يناسبه التمتع، ومن أراد الحج وحده أو كان في ترتيب حملته ما ييسر ذلك فقد يناسبه الإفراد.

 

ولهذا فالأحسن للحاج أن يختار ما يناسب حاله وقدرته وترتيبات سفره، وأن يستفتي العلماء أو المرشدين الشرعيين في حملته، لأن الفتوى قد تختلف باختلاف وقت الوصول إلى مكة، ووجود الهدي، وطبيعة الإقامة، وصحة الحاج، وقدرته على البقاء في الإحرام.

 

مقارنة واضحة بين الأنواع الثلاثة

 

القارن يبدأ من الميقات بنية الحج والعمرة معًا، ولا يتحلل بينهما، ويكفيه طواف واحد وسعي واحد عند جمهور العلماء، وعليه هدي إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام.

 

أما المتمتع فيحرم بالعمرة أولًا في أشهر الحج، ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ويتحلل، ثم يحرم بالحج بعد ذلك، وعليه هدي إذا كان من غير أهل مكة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
وأما المفرد فيحرم بالحج وحده، ولا يؤدي عمرة داخل هذا النسك، ولا يجب عليه هدي بسبب الإفراد، ثم إن أراد العمرة بعد الحج أتى بها مستقلة من الحل بعد انتهاء أعمال الحج.

 

وبهذه المقارنة يعرف الحاج أن المسألة ليست أسماء مجردة، بل نيات وأحكام عملية، فمن نوى القران لا يتحلل بعد العمرة، ومن نوى التمتع يتحلل بعد عمرته، ومن نوى الإفراد لا يدخل العمرة في نسكه أصلًا.

 

رسالة للحاج قبل أن يختار نسكه

 

على الحاج أن يبدأ بالنية الصادقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فاختيار نوع الحج يبدأ من القلب، ثم يظهر أثره في التلبية والعمل والترتيب.

 

وعليه كذلك أن يتذكر أن الحج مدرسة أخلاق، لا رحلة شكلية، فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فمن حج قارنا أو متمتعا أو مفردا، فالمقصود أن يخرج من النسك بقلب ألين ولسان أطهر وسلوك أقرب إلى الله.

 

كما ينبغي للحاج أن يكثر من الذكر والتلبية، فيقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، فهذه التلبية إعلان توحيد وانقياد وخروج من سلطان النفس إلى طاعة الله.

 

وفي الختام، تبقى القاعدة الجامعة أن القران والتمتع والإفراد كلها أنواع صحيحة للحج، وأن الخلاف في الأفضلية خلاف معتبر بين أهل العلم، وأن أعظم ما يطلبه الحاج ليس اسم النسك وحده، بل حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».