اعترضت قوات بحرية إسرائيلية، اليوم الثلاثاء، قوارب إضافية من أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية قبالة سواحل قبرص، بينما أظهرت أجهزة التتبع المباشر للأسطول وصول عدد القوارب المعترضة إلى 62 قاربًا، في عملية دفعت مئات المشاركين المدنيين إلى الاحتجاز القسري داخل إسرائيل.
وجاء التصعيد بعد عملية بدأت صباح الاثنين، حين اقتربت سفن حربية وزوارق عسكرية إسرائيلية من القافلة البحرية المتجهة إلى غزة، قبل أن تتوسع عمليات الصعود إلى القوارب وقطع الاتصالات. بهذا التحرك، حولت إسرائيل محاولة مدنية لكسر الحصار إلى أزمة دولية جديدة تتجاوز البحر نحو عواصم المشاركين وعائلات المحتجزين.
اعتراض واسع في المياه الدولية
بدأت العملية الإسرائيلية بصورة متدرجة، ثم تحولت خلال ساعات إلى مطاردة بحرية واسعة لقوارب الأسطول التي انطلقت من ميناء مرمريس التركي في 14 مايو ضمن مهمة ربيع 2026. وشارك في المهمة 54 سفينة ومئات الناشطين من عشرات الدول، بهدف كسر الحصار البحري المفروض على غزة وإيصال رسالة سياسية وإنسانية ضد منع المساعدات.
وبحسب بيانات الأسطول، استمرت الهجمات الإسرائيلية نحو 22 ساعة، بينما بقيت 10 قوارب تبحر في المياه الدولية باتجاه غزة على بعد 121 ميلًا بحريًا من الشاطئ. غير أن مصير هذه القوارب ظل غامضًا بعد ورود أنباء عن صعود القوات الإسرائيلية إلى القارب رقم 62 صباح الثلاثاء.
كما نشر حساب أسطول الصمود العالمي في تركيا رسالة من سفينة قصر سعد آباد، أكد فيها المشاركون استمرار الإبحار رغم الهجمات، وقالوا إنهم لا يزالون متجهين نحو غزة. هذه الرسالة بدت محاولة أخيرة لإثبات أن العملية لم تنته، رغم التفوق العسكري الإسرائيلي وقطع الاتصالات عن معظم القوارب.
في المقابل، أظهرت تقارير دولية تباينًا في أعداد القوارب المعترضة خلال اليوم نفسه، إذ تحدثت وكالات أنباء عن اعتراض عشرات السفن واحتجاز مئات الناشطين، بينما قالت مصادر الأسطول إن أجهزة التتبع سجلت اعتراض 62 قاربًا. هذا التباين يعكس طبيعة العملية الجارية وتقطع الاتصالات مع المشاركين.
محتجزون بلا اتصال ومخاوف من سجن أسدود
قال الأسطول في بيان عبر تليجرام إن مئات المدنيين الذين اعتقلوا خلال الهجوم الإسرائيلي في عرض البحر ينقلون قسرًا إلى ميناء داخل إسرائيل. ونقل منسق ميداني للوفد الكندي، طلب حجب اسمه لأسباب أمنية، أن المحتجزين يقتادون إلى سجن أسدود، بينما ذكرت هيئة الإذاعة الكندية أن نحو 12 كنديًا كانوا على متن السفن.
وتشير تقديرات متداولة داخل الأسطول إلى أن أكثر من 300 ناشط من أصل قرابة 400 باتوا قيد الاحتجاز من دون وسيلة اتصال مباشرة. هذا الانقطاع ضاعف مخاوف العائلات والحكومات، خاصة بعد أن تحدث موقع يديعوت أحرونوت الإسرائيلي عن نقل محتجزين إلى سفينة تابعة للبحرية ووصفتها تقارير بأنها سجن عائم.
من جهته، قال منسق الأسطول في أستراليا صبحي عوض لموقع غرين ليفت إن الحكومتين الفرنسية واليونانية أبلغتا المنظمين بأن المحتجزين سينقلون مباشرة إلى سجن أسدود في إسرائيل. وأضاف أن هذا المسار يختلف عن اعتراض 30 أبريل الماضي، حين أنزلت إسرائيل 179 ناشطًا في جزيرة كريت بعد اعتراض سابق قرب اليونان.
وحذر عوض من مخاطر على سلامة المحتجزين، مشيرًا إلى سوابق تحدث فيها ناشطون عن ضرب وحرمان من الطعام والماء والدواء خلال احتجازهم. ولم يصدر تأكيد مستقل لكل هذه الاتهامات وقت إعداد التقرير، لكن انقطاع الاتصال وغياب معلومات واضحة عن أماكن المحتجزين جعلا المخاوف تتصاعد بصورة سريعة.
إدانات دولية ونتنياهو يطلب غطاء رسميًا للعملية
ردت 10 دول ببيان مشترك أدانت فيه الهجوم الإسرائيلي، وهي الأردن وإندونيسيا وإسبانيا وباكستان والبرازيل وبنجلاديش وتركيا وكولومبيا وليبيا وجزر المالديف. وطالب البيان بالإفراج الفوري عن جميع الناشطين المحتجزين، ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب وضمان المساءلة عن هذه الانتهاكات.
كما أدان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الهجوم الإسرائيلي، ووصفه بأنه قرصنة وبلطجة، مؤكدًا أن حكومته تتخذ الإجراءات اللازمة لضمان العودة الآمنة للناشطين الأتراك. وجاء الموقف التركي أكثر حدة لأن الأسطول انطلق من الأراضي التركية، ولأن سفنًا تركية بقيت ضمن القوارب التي حاولت مواصلة الإبحار بعد بدء الاعتراضات.
في السياق ذاته، رجح منسق ميداني أن القوات الإسرائيلية لاحقت في البداية النشطاء الأوروبيين، وتعمدت ترك بعض السفن التركية تفلت مؤقتًا، قبل أن تعود لملاحقتها لاحقًا. ورغم أن هذا التقدير لم تؤكده جهة مستقلة، فإنه يعكس حجم القلق داخل الأسطول من طريقة تعامل إسرائيل مع جنسيات المشاركين المختلفة.
وعلى الجانب الإسرائيلي، عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعًا للمجلس الوزاري الأمني المصغر للمصادقة رسميًا على عملية الاحتجاز، بينما ألمح مسؤول إسرائيلي إلى أن المحتجزين لن يفرج عنهم بالسرعة التي حدثت في أبريل الماضي. هذا التطور يشير إلى أن إسرائيل تريد تحويل الاعتراض من إجراء بحري سريع إلى ملف عقابي أطول.
في النهاية، لم تعد عملية اعتراض أسطول الصمود مجرد منع لقوارب مدنية من الوصول إلى غزة، بل صارت اختبارًا جديدًا لحدود القانون الدولي أمام الحصار الإسرائيلي. إسرائيل استخدمت سفنًا حربية ضد ناشطين مدنيين، وقطعت اتصالاتهم، ونقلت مئاتهم إلى الاحتجاز، بينما بقي السؤال الأشد وضوحًا: من يحاسب القوة التي تصادر البحر وتخنق غزة وتعتقل من يحاول الوصول إليها.

