كشفت شكاوى مرضى داخل مستشفيات حكومية في مصر عن فجوة خطيرة في منظومة العلاج على نفقة الدولة؛ بعدما حصل مرضى غير قادرين على قرارات علاج رسمية، ثم فوجئوا باستبعاد تكاليف الحجز، والإقامة الداخلية، والمتابعة اليومية داخل أقسام الباطنة من التغطية المالية.
وتتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن هذه الفجوة؛ لأن المريض الفقير لا يميز بين دواء مغطى وسرير مستبعد من القرار، بل يدخل المستشفى باعتباره صاحب حق في العلاج المجاني، ثم تصدمه فاتورة إقامة وفحوصات يومية لا يستطيع دفعها وهو في لحظة مرض واحتياج.
قرار مجاني على الورق وفاتورة داخل المستشفى
تبدأ الأزمة من أكواد علاجية تركز على تمويل الجراحات، والأدوية، والجرعات الكيماوية، والغسيل الكلوي، بينما تغفل إدراج حجز السرير والمتابعة الإكلينيكية اليومية داخل أقسام الباطنة كبند مستقل، وهو خلل يجعل القرار الرسمي ناقصًا عند أول احتياج فعلي للإقامة.
وبسبب هذا النقص، تقع إدارات المستشفيات في مأزق قانوني ومالي؛ لأنها تستقبل مريضًا يحمل قرار علاج على نفقة الدولة، لكنها لا تجد بندًا يغطي أيام الإقامة والمتابعة داخل القسم، فتطالب المريض بدفع تكاليف لا يملكها أصلًا.
وبذلك يصبح المريض هو الحلقة الأضعف في منظومة صممتها الحكومة بأكواد ناقصة؛ إذ لا يملك سلطة تعديل القرار ولا القدرة على مغادرة المستشفى، خصوصًا إذا كانت حالته تحتاج إلى متابعة ضغط، أو سكر، أو قلب، أو كبد، أو كلى.
وتؤكد شكاوى المرضى أن قرارات العلاج تغطي أحيانًا الأدوية أو الإجراء الطبي فقط، بينما تخرج تكاليف السرير والخدمات المرتبطة بالحجز من نطاق القرار، مما يجعل عبارة "العلاج المجاني" غير مطابقة لما يحدث داخل غرف المستشفيات وأقسام الباطنة.
لذلك، يدعم رأي الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، هذا المحور بوضوح؛ لأنه يربط الحق في العلاج بعدم تحميل المريض الفقير أعباء إضافية بعد صدور قرار رسمي، ويعتبر التعقيد المالي والإداري شكلًا من أشكال حرمان غير القادرين من العلاج.
مرضى الباطنة يدفعون ثمن أكواد لا ترى الإقامة علاجًا
في أقسام الباطنة، لا ينتهي العلاج عند صرف دواء أو إجراء تحليل، لأن المريض قد يحتاج إلى حجز داخلي لعدة أيام تحت الملاحظة الطبية، وقد يحتاج الطبيب إلى متابعة يومية للعلامات الحيوية، وتعديل الجرعات، ومراجعة التحاليل قبل السماح بالخروج الآمن.
ومع ذلك، تتعامل بعض الأكواد مع الإقامة كأنها خدمة منفصلة لا جزء من العلاج، رغم أن بقاء مريض الباطنة داخل المستشفى قد يكون سببًا في إنقاذ حياته، لا سيما لدى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والحالات غير المستقرة صحيًا.
كما يضاعف هذا الخلل معاناة الأسر الأكثر احتياجًا؛ لأن الأسرة تظن أن القرار الرسمي يغلق باب التكلفة، ثم تكتشف أن أيام الحجز وفحوصات المتابعة ومستلزمات الإقامة تحولت إلى عبء مفاجئ، وقد يدفعها ذلك إلى تقليص مدة العلاج أو الخروج المبكر.
ومن هنا، لا يظهر الخلل كمسألة محاسبية داخلية، بل يظهر كقرار حكومي يحمّل الفقراء تكلفة جزء أساسي من الرعاية؛ فالإقامة ليست رفاهية، والمتابعة اليومية ليست بندًا إضافيًا، بل هما قلب الخدمة الطبية داخل أقسام الباطنة.
ويعزز رأي الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس، هذا البعد حين يؤكد أن تكلفة الخدمة الطبية الحقيقية في مصر غير محسوبة بوضوح بين مستشفى وآخر، وهو ما يفسر كيف تنتج الأكواد الناقصة قرارات لا تغطي المسار العلاجي الكامل.
تفاوت المستشفيات يفتح باب الظلم بين المرضى
في الوقت نفسه، تكشف الشكاوى عن تفاوت واضح بين المستشفيات والمحافظات، حيث تشمل بعض الجهات الطبية تكلفة الإقامة داخل القرار، بينما تستبعدها جهات أخرى رغم تشابه الحالات المرضية، وهو تفاوت يضرب مبدأ العدالة ويحول حق العلاج إلى مسألة حظ ومكان.
وبهذا التفاوت، يصبح المريض أمام نظام غير مفهوم؛ لأن القرار الذي يمنح تغطية في مستشفى قد لا يمنحها في مستشفى آخر، مع أن المرض نفسه، والاحتياج نفسه، والجهة الحكومية نفسها، وهذا يجعل الحكومة مسؤولة عن غياب الضوابط الموحدة.
ثم تتسع الأزمة في ظل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية؛ لأن قطاعًا واسعًا من المرضى غير القادرين يعتمد على قرارات العلاج على نفقة الدولة كوسيلة وحيدة للحصول على الخدمة، ولا يملك بديلًا خاصًا عندما تطلب منه المستشفى دفع تكلفة إقامة أو متابعة.
لذلك، لا يكفي أن تعلن وزارة الصحة إصدار قرارات علاج بمليارات الجنيهات؛ فالرقم الكبير يفقد قيمته حين يصل القرار إلى المريض ناقصًا، ولا يغطي السرير الذي يحتاج إليه، أو اليوم العلاجي الذي يقرر الطبيب ضرورته داخل القسم.
وتدعم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء سابقًا، هذا المحور من زاوية اجتماعية مباشرة؛ إذ حذرت من أن تحميل المرضى أعباء إضافية يفتح الباب أمام إضعاف العلاج المجاني، وأكدت أن المستشفيات العامة بُنيت من أموال المواطنين لتقديم خدمة صحية لا تطرد الفقراء إلى القطاع الخاص.
الحكومة مطالبة بتغطية المسار العلاجي كاملًا
على هذا الأساس، تحتاج وزارة الصحة إلى إعلان واضح يحدد هل تشمل قرارات العلاج على نفقة الدولة تكاليف الحجز الداخلي، والإقامة، والمتابعة اليومية لمرضى الباطنة أم لا؛ لأن الصمت يترك المرضى أمام اجتهادات المستشفيات، ويترك الإدارات أمام قرارات ناقصة التنفيذ.
وبعد ذلك، يجب أن تراجع الحكومة الأكواد العلاجية التي تستبعد الإقامة الداخلية؛ لأن أي كود لا يغطي المسار العلاجي الكامل يحول القرار إلى ورقة إدارية، ويجبر الطبيب والمستشفى والمريض على التعامل مع فجوة لم يصنعوها.
كما يجب أن تفرض الوزارة قاعدة موحدة على المستشفيات الحكومية والجامعية والمحافظات؛ لأن اختلاف التطبيق بين الجهات يساوي تمييزًا عمليًا بين المرضى، ويجعل الفقير في محافظة يحصل على حق لا يحصل عليه فقير آخر في محافظة مختلفة.
وفوق ذلك، تحتاج المنظومة إلى بند مالي مستقل للإقامة والمتابعة داخل أقسام الباطنة عند وجود تقرير طبي يثبت الحاجة للحجز؛ فالطبيب هو الجهة التي تحدد الضرورة الطبية، وليس الموظف المالي أو كودًا جامدًا لا يرى خطورة الحالة.
في النهاية، تكشف أزمة مرضى الباطنة أن الحكومة لا تواجه نقصًا في ورقة علاج فقط، بل تواجه خللاً في معنى العلاج المجاني نفسه؛ فقرار لا يغطي السرير والمتابعة اليومية يترك المريض حائرًا بين المرض والفاتورة، ويجعل الدولة مسؤولة عن علاج ناقص يدفع ثمنه الفقراء.

