يحل عيد الأضحى على قطاع غزة هذا العام في مشهد مختلف عن كل ما اعتاده السكان قبل العدوان الإسرائيلي الغاشم، إذ تغيب الأضاحي للعام الثالث، وتخلو الأسواق من حركة الشراء المعتادة، بينما تنشغل آلاف العائلات بتأمين الطعام والماء بدلا من التفكير في ملابس العيد أو مظاهره.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع، وما خلّفاه من فقر ونزوح وفقدان واسع لمصادر الدخل.

 

وتكشف أسواق غزة، مع اقتراب العيد، حجم الانهيار الإنساني والاقتصادي الذي يعيشه السكان، حيث لم تعد المناسبة الدينية قادرة على انتزاع لحظة فرح من واقع مثقل بالجوع والخوف والحرمان. فالعائلات التي كانت تستعد للعيد بشراء الملابس والأضاحي، أصبحت اليوم تفاضل بين كسوة طفل أو وجبة طعام أو كمية مياه تكفي يوما واحدا.

 

 

أسواق بلا زحام وملابس خارج قدرة العائلات

 

تفتقد الأسواق الشعبية في قطاع غزة الازدحام السنوي الذي كان يسبق عيد الأضحى، بعدما تحولت كسوة العيد إلى عبء يفوق قدرة كثير من الأسر. ويقف أصحاب المحال أمام بضائعهم في انتظار زبائن قلائل، بينما يمر المواطنون بين الملابس المعروضة دون قدرة حقيقية على الشراء.

 

ويقول تجار في غزة إن الحركة الشرائية شبه متوقفة، رغم محاولاتهم عرض بضائع بأسعار متفاوتة وتقديم تخفيضات محدودة. فالمشكلة لم تعد في رغبة الناس في الشراء، بل في غياب السيولة وانهيار القدرة على الإنفاق بعد أشهر طويلة من الحرب والنزوح وفقدان العمل.

 

وتعكس شهادة أم محمد بدر، النازحة من شمالي غزة، حجم التحول القاسي في أولويات الأسر. فهي لم تعد تفكر في شراء ملابس العيد لأطفالها، بل في كيفية توفير الطعام والمياه.

وتقول إن أبناءها باتوا يدركون حجم الأزمة، ويحاولون إخفاء رغباتهم حتى لا يزيدوا من معاناة الأسرة.

 

وتوضح أم محمد أنها حاولت ادخار “عيدية” أطفالها لشراء ملابس العيد، لكن الغلاء جعل ما جمعته غير كاف لكسوة طفل واحد.

كما لم تتمكن من الاستفادة من مبادرات الكسوة التي كانت تنتظرها، بعد تراجع المساعدات والمشاريع الخيرية التي كانت تخفف سابقا من وطأة الفقر.

 

 

الأزمة أصبحت نفسية واجتماعية لدى الأطفال

 

لا يقتصر غياب مظاهر العيد في غزة على الملابس والأسواق، بل يمتد إلى الأضاحي التي غابت للعام الثالث بسبب الحرب والحصار ومنع دخول ما يلزم من احتياجات. وهذا الغياب يضرب أحد أبرز رموز عيد الأضحى، ويحوّل المناسبة إلى تذكير جديد بما فقده السكان من استقرار وأمان.

 

وفي الأعوام السابقة، كانت الأضاحي وكسوة الأطفال وزيارات العائلات تشكل ملامح أساسية للعيد في غزة. أما هذا العام، فقد فرضت الحرب واقعا مختلفا، حيث تتقدم احتياجات البقاء على كل ما عداها. فالأسر التي فقدت بيوتها أو نزحت من مناطقها لا تملك مساحة للاحتفال أو القدرة على شراء مستلزمات العيد.

 

وتقول أم محمد إن موسم العيد لم يعد كما كان، فلا فرحة ولا مراسم، بعدما دخل الموت والنزوح إلى معظم البيوت. وتشير كلماتها إلى أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل نفسية واجتماعية أيضا، لأن الأطفال أنفسهم صاروا يتعاملون مع الحرمان باعتباره جزءا من حياتهم اليومية.

 

وتزيد القيود على دخول المساعدات من قسوة المشهد، إذ تراجعت مبادرات الكسوة والمشاريع الخيرية التي كانت تعتمد عليها الأسر الأشد فقرا. ومع ضعف المؤسسات وانقطاع التمويل وتدهور الأوضاع الميدانية، باتت العائلات تواجه العيد بلا سند كاف، وبلا بدائل حقيقية تساعدها على تلبية أبسط الاحتياجات.

 

 

تجار ينتظرون زبائن لا يملكون القدرة الشرائية

 

يصف التاجر تيسير نصر، صاحب محل لبيع الملابس، الموسم الحالي بأنه الأضعف مقارنة بالمواسم السابقة خلال سنوات الحرب. ويقول إن كثيرا من المواطنين يدخلون المحال ويسألون عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء، لأنهم لا يملكون المال الكافي أو لأنهم يفضلون إنفاقه على الطعام.

 

ويشير نصر إلى أن الأسواق كانت تعتمد في العامين الماضيين على مشاريع ومبادرات تنفذها مؤسسات وجمعيات لتوفير كسوة العيد للأسر الفقيرة. لكن هذا العام غابت تلك العقود، ولم يبرم التجار اتفاقات مع مؤسسات لتنفيذ مشاريع كسوة، ما جعل الركود أكثر وضوحا وقسوة.

 

ولا يرتبط ارتفاع الأسعار، بحسب التجار، بقلة المعروض فقط، بل بتكاليف إدخال الملابس إلى القطاع. فالشاحنات التجارية تواجه رسوما وإتاوات مرتفعة، ما يرفع السعر النهائي على المستهلك، ويضع التاجر والمشتري في أزمة واحدة. التاجر لا يستطيع البيع، والمواطن لا يستطيع الشراء.

 

ويعكس هذا الوضع دائرة اقتصادية مغلقة، تبدأ من الحصار وارتفاع كلفة إدخال البضائع، وتمر بانعدام الدخل لدى السكان، وتنتهي بأسواق فارغة وبضائع لا تجد من يشتريها. وبين هذه الحلقات، يفقد العيد معناه الاجتماعي، وتتحول المناسبة إلى اختبار جديد لقدرة الغزيين على الصمود.

 

 

خيارات قاسية بين الطعام والماء والملابس

 

وبهذا يأتي عيد الأضحى في غزة هذا العام بلا أضاحي، وبلا كسوة لكثير من الأطفال، وبلا حركة حقيقية في الأسواق. وما كان يوما موسما للفرح والشراء وصلة الأرحام، أصبح مناسبة تكشف عمق المأساة التي صنعتها الحرب والحصار، حيث تقف العائلات أمام خيارات قاسية بين الطعام والماء والملابس.

 

وفي ظل استمرار القيود وتراجع المساعدات وفقدان مصادر الدخل، لا تبدو أزمة العيد حدثا مؤقتا، بل دليلا على انهيار الحياة اليومية في القطاع. فغزة لا تفقد مظاهر العيد فقط، بل تفقد قدرة سكانها على ممارسة أبسط حقوقهم في الأمان والعيش الكريم والفرح.