أظهرت شكاوى المواطنين في عدة محافظات، خلال الأيام الأخيرة من مايو 2026، أزمة نقص السيولة النقدية داخل ماكينات الصراف الآلي، بالتزامن مع صرف المرتبات والمعاشات واقتراب عيد الأضحى، فامتدت الطوابير أمام البنوك والماكينات، وتعطلت خدمة السحب في لحظة يحتاج فيها الناس إلى النقد بسرعة.

 

وتضع الأزمة الحكومة والبنك المركزي أمام مسؤولية مباشرة، لأن المواطن لا يطلب خدمة إضافية بل حقه في الوصول إلى ماله، بينما أدى سوء الاستعداد للموسم إلى زحام وإرهاق لكبار السن وأصحاب المعاشات والموظفين، وفتح الباب أمام استغلال من يعرضون توفير النقد مقابل مبالغ إضافية.

 

السيولة الغائبة تحول ماكينات الصراف إلى طوابير انتظار

 

بدأت المشكلة مع زيادة الإقبال على السحب النقدي قبل العيد، حيث تحتاج الأسر إلى شراء الطعام والملابس وسداد الالتزامات اليومية، لكن عددا من ماكينات الصراف لم يوفر الأموال المطلوبة، ما دفع المواطنين إلى التنقل بين أكثر من ماكينة بحثا عن خدمة تعمل وسيولة متاحة.

 

وعندما تفشل ماكينة الصراف في تلبية طلب السحب، لا تقف الأزمة عند تأخير بسيط، لأن الموظف أو صاحب المعاش قد يكون قد خطط يومه على أساس الحصول على ماله فورًا، ثم يجد نفسه أمام طابور طويل أو ماكينة خالية أو عطل مفاجئ.

 

كما زادت الأزمة حدة مع تزامنها مع صرف المرتبات والمعاشات، وهي فترة معروفة لدى البنوك والبنك المركزي بأنها تشهد ضغطا كبيرا، لذلك لا يمكن تقديم نقص السيولة باعتباره مفاجأة، بل نتيجة تقصير في تقدير حجم السحب وتوزيع النقد بين المناطق.

 

ويرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن فترات الذروة الموسمية، خاصة الأعياد والمناسبات، تحتاج إلى خطط تشغيل استباقية لتغذية ماكينات الصراف الآلي بالنقد، لأن البنوك تملك خبرات طويلة في هذه المواسم، ولا يجوز أن يتكرر الارتباك عند كل عطلة.

 

وبناء على ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا زاد السحب قبل العيد، بل لماذا لم تتحرك الجهات المسؤولة قبل الأزمة، ولماذا ينتظر المواطن حتى يتحول نقص الكاش إلى طوابير وزحام وشكاوى، ثم تبدأ التوجيهات العاجلة وكأن موسم العيد جاء بلا موعد معروف.

 

البنية المصرفية لا تكفي إذا غابت الإدارة

 

تقول بيانات البنك المركزي إن عدد ماكينات الصراف الآلي ارتفع إلى 24.862 ألف ماكينة بنهاية 2024، مقارنة بـ23.275 ألف ماكينة بنهاية 2023، لكن زيادة العدد لا تكفي وحدها إذا لم توجد متابعة حية لمستوى النقد داخل كل ماكينة خلال ساعات الذروة.

 

ولهذا تكشف الأزمة فجوة بين التوسع الرقمي المعلن وبين الخدمة الفعلية، لأن المواطن لا يتعامل مع رقم إجمالي في تقرير رسمي، بل مع ماكينة في شارعه أو بجوار فرع بنكه، فإذا كانت بلا نقد أو خارج الخدمة، فإن كل حديث عن التطوير يفقد أثره اليومي.

 

وتوضح الدكتورة سهر الدماطي، نائب رئيس بنك مصر سابقا، أن البنوك المصرية تملك خطط طوارئ لضمان استمرار العمل، وهو رأي يحول أزمة ماكينات الصراف إلى اختبار عملي لهذه الخطط، لأن الطوارئ لا تقاس بالتصريحات بل بقدرة المواطن على السحب وقت الضغط.

 

ثم إن تغذية الماكينات لا تتعلق بالنقد وحده، بل تحتاج إلى فرق تشغيل وصيانة ومراقبة أعطال ومتابعة للاتصالات وحركة المركبات الناقلة للأموال، لأن سقوط النظام أو تعطل الماكينة أو نفاد النقد يعطي النتيجة نفسها للمواطن، وهي عجز الخدمة عن أداء دورها.

 

ومن هنا، لا يكفي أن تصدر البنوك تطمينات عامة عن ضخ السيولة، لأن الأزمة تحتاج إلى خريطة تشغيل معلنة للأماكن الأكثر ضغطا، خاصة حول مكاتب المعاشات والمناطق الشعبية والمراكز الريفية، مع فرق تدخل سريعة قبل أن يتراكم الزحام أمام الماكينات.

 

الاستغلال يكشف فشل الرقابة لا نقص النقد فقط

 

مع امتداد الطوابير، ظهر وجه آخر للأزمة عبر استغلال بعض الأشخاص حاجة المواطنين للنقد، وفرض مبالغ إضافية مقابل توفير السيولة أو تسهيل الوصول إليها، وهو ما يحول خللا مصرفيا إلى سوق جانبية تعاقب المواطن مرتين، مرة بتعطيل ماله ومرة بدفع تكلفة غير رسمية.

 

وتزداد خطورة هذا الاستغلال لأن كبار السن وأصحاب المعاشات هم الأكثر تضررا، فهم لا يملكون دائما بدائل رقمية مريحة، ولا يستطيعون التنقل بين ماكينات كثيرة، ولا يتحملون الوقوف الطويل، فتتحول الخدمة المصرفية غير المنتظمة إلى عبء بدني ومالي عليهم.

 

ويؤكد الخبير المصرفي أحمد شوقي، في أحاديثه عن خدمات الصراف الآلي، أهمية وضوح قواعد السحب والرسوم وعدم الانسياق وراء الشائعات، لكن الأزمة الحالية تظهر أن وضوح الرسوم لا يكفي إذا بقيت السيولة غائبة، لأن المواطن يبحث أولا عن نقد حقيقي داخل الماكينة.

 

لذلك تتحمل الحكومة والبنك المركزي مسؤولية ضبط السوق المحيط بالماكينات، ومنع أي استغلال لحاجة الناس، ومتابعة البنوك التي تتكرر الأعطال أو نفاد النقد في ماكيناتها، لأن تكرار المشكلة يعني أن الخلل ليس فرديا بل مرتبط بنظام تشغيل ورقابة ضعيف.

 

كما تحتاج الأزمة إلى إعلان خطة موسمية ثابتة لكل الأعياد، تشمل زيادة التغذية النقدية، ومراقبة الماكينات على مدار الساعة، ونشر فرق صيانة متنقلة، وتخصيص خطوط شكوى فعالة، وإلزام البنوك بسرعة رد أي مبالغ تخصم من الحساب دون خروج النقد.

 

وفي النهاية، لا يجوز أن يتحول الحصول على الراتب أو المعاش قبل العيد إلى رحلة بحث عن ماكينة بها كاش، لأن الدولة التي تلزم المواطنين بالتعامل البنكي يجب أن تضمن الحد الأدنى من انتظام الخدمة، وإلا فإن أزمة ماكينات الصراف الآلي ستبقى دليلا على إدارة تترك الناس وحدهم أمام العطل والزحام والاستغلال.