تفجرت موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، بعد تداول مقطع صوتي منسوب للمحامية وعضو المجلس القومي للمرأة نهاد أبو القمصان، تضمن عبارات ونصائح اعتبرها منتقدون تحريضًا على تجاوز القانون داخل النزاعات الأسرية، بينما نفت أبو القمصان صحة التسجيل بشكل قاطع.

 

وقالت أبو القمصان إن التسجيل مفبرك بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأعلنت تقدمها ببلاغ إلى النائب العام للتحقيق في الواقعة وملاحقة من نشروا المقطع، غير أن النفي لم يوقف الهجوم عليها، بل فتح بابًا أوسع للسخرية من خطاب حقوقي يطالب بالثقة ثم يطلب من الجمهور انتظار تحقيق رسمي يثبت أصل الصوت.

 

وتحوّلت الأزمة من تسجيل منسوب إلى محاكمة رقمية كاملة لتاريخ أبو القمصان، إذ استدعى معارضوها مواقفها من قانون الأحوال الشخصية، وخطابها حول الأسرة والطلاق والحضانة، وعلاقتها بالحركة الحقوقية بعد 2013، معتبرين أن الواقعة تكشف مأزقًا أعمق في صورة النسوية الرسمية داخل مصر.

 

 

تسجيل منسوب ونفي سريع.. أزمة صوت تحولت إلى أزمة صورة

 

بدأت العاصفة مع تداول تسجيل صوتي نُسب إلى أبو القمصان، وقيل إنه يتضمن نصائح لسيدة في نزاع أسري باستخدام أساليب غير قانونية، إضافة إلى عبارات مسيئة للقضاء، وهي اتهامات خطيرة لا يمكن حسمها إلا عبر فحص فني رسمي لا عبر لجان المنصات.

 

لكن طريقة انتشار التسجيل كشفت أن أبو القمصان تواجه مشكلة أكبر من صحة المقطع نفسه، لأن جمهورًا واسعًا تعامل مع النفي باعتباره تفصيلًا إجرائيًا لا يزيل الشك، وكأن رصيد الثقة القديم لم يعد كافيًا لحمايتها من العاصفة.

 

وبينما قالت المحامية إن التسجيل مصنوع بتقنيات الذكاء الاصطناعي وقدمت بلاغًا للنائب العام، بدا المشهد ساخرًا في حد ذاته، فشخصية قانونية اعتادت تقديم وصفات حاسمة للآخرين وجدت نفسها تطلب من الجميع التمهل حتى يقول التحقيق كلمته.

 

وهنا لا يصبح السؤال هل التسجيل صحيحًا فقط، بل لماذا صدّقه قطاع من الجمهور بهذه السرعة، ولماذا بدت الصورة الذهنية لأبو القمصان قابلة للاشتعال عند أول مقطع منسوب، رغم أن صاحبة الواقعة تنفيه وتصفه بالفبركة.

 

في هذا السياق، تداولت حسابات عدة روايات وهجومًا قانونيًا واجتماعيًا على أبو القمصان، بينها منشور سلوى السوبي الذي طالب بالتحقيق والمحاسبة، وهو رابط ظل حاضرًا في نقاشات المنصات بوصفه أحد مداخل الهجوم عليها.

 

 

 

 

كما طالب شادي جاهين، في منشور ساخر، الجهات المعنية بفحص المقطع المنسوب رسميًا، واعتبر العبارات المتداولة إهانة للسلطة القضائية، وهي نقطة جعلت الجدل ينتقل من خلاف حول الأسرة إلى ملف محتمل يمس القضاء وهيبته.

 

 

وبعيدًا عن صحة التسجيل، أظهرت الأزمة أن أبو القمصان دفعت ثمن خطاب حاد سابقًا، لأن الجمهور لا يتعامل معها كحقوقية محايدة فقط، بل كصوت دائم الاشتباك في أكثر الملفات حساسية داخل البيوت المصرية.

 

 

من الأحوال الشخصية إلى الأسرة.. خطاب يثير الغضب أكثر مما يقنع

 

لم يهبط الغضب على أبو القمصان من فراغ، فمواقفها المتكررة من قانون الأحوال الشخصية والحضانة والطلاق الشفهي جعلتها في نظر خصومها رمزًا لخطاب يقترب من السلطة حينًا، ويهاجم البنية الأسرية التقليدية حينًا آخر.

 

وتقول أبو القمصان، في حوار حديث مع منصة “فكر تاني”، إن المرأة لم تحصل على كامل حقوقها، وإن اعتبار حقوق المرأة خصمًا من سلطة الرجل يعكس وعيًا متواضعًا، وهي صياغة تكشف طبيعة خطابها الصدامي مع قطاعات واسعة من المجتمع.

 

لكن المشكلة أن هذا الخطاب، بدل أن يفتح نقاشًا هادئًا حول العدل داخل الأسرة، يتحول أحيانًا إلى معركة عناوين حادة، فيخرج الجمهور بانطباع أن القضية ليست إصلاح قانون بقدر ما هي صراع على من يكسر الآخر داخل البيت.

 

كما سبق لأبو القمصان أن انتقدت إدارة ملف الأحوال الشخصية، واعتبرت حصر النقاش في سن الحضانة أو الاستضافة نوعًا من “غسيل يد” من الحكومة، مؤكدة أن الأسرة مسؤولية دولة لا أفراد، وهو موقف يمكن تفهمه حقوقيًا لكنه يظل صادمًا سياسيًا واجتماعيًا.

 

ومن هنا جاءت تعليقات مثل منشور هيثم أبو خليل، الذي أعاد فتح دفتر مواقفها السياسية والحقوقية القديمة، واعتبر أن غياب التعاطف معها يرتبط بمواقفها السابقة بعد أحداث رابعة، لا بالتسجيل المنسوب وحده.

 

 

 

 

وتوسعت فاطمة سعد الحساني في قراءة قانونية مشروطة، قالت فيها إنه في حال ثبوت صحة التسجيل فإن أبو القمصان قد تواجه اتهامات عدة، وهو طرح يظل معلقًا على شرط الثبوت، لكنه ساهم في تحويل الجدل إلى ملف قانوني لا مجرد فضيحة منصات.

 

 

 

وفي المقابل، انزلقت بعض الردود إلى هجوم شخصي لا يخدم القضية، خصوصًا حين جرى استدعاء أصول عائلية أو مظهر شخصي أو سخرية شكلية، وهي أمور لا تثبت صحة التسجيل ولا تنقض النفي، لكنها تكشف قسوة السوق الرقمي عند سقوط الثقة.

 

 

نسوية رسمية تحت النار.. حين تصبح المنصات محكمة شعبية

 

أعاد الجدل طرح سؤال أوسع حول موقع أبو القمصان داخل الحركة الحقوقية المصرية، فهي تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مسار طويل في قضايا المرأة والإصلاح التشريعي، لكنها تواجه اتهامًا متكررًا بأنها اقتربت من المجال الرسمي أكثر مما حافظت على استقلال حقوقي واضح.

 

وفي حوار “فكر تاني”، أرجعت أبو القمصان ابتعادها عن الحركة الحقوقية إلى انقسام ما بعد 2013، وقالت إن بعض الحقوقيين تحولوا إلى العمل السياسي، بينما يتمثل دور الحقوقي في رصد طريقة الحكم لا هوية من يحكم، وهي جملة تبدو أنيقة لكنها لم تقنع خصومها.

 

إذ يرى منتقدوها أن هذه الصياغة فتحت بابًا واسعًا للانتقادات، لأن الصمت عن قوانين مقيدة للحريات أو تجنب الاشتباك مع السلطة لا يمكن بيعه للجمهور بوصفه حيادًا مهنيًا، خاصة حين يأتي من شخصية حاضرة دائمًا في الإعلام.

 

كما أثار حديثها عن حملة الإفراج عن علاء عبد الفتاح، ووصفها إدارة الحملة بأنها شديدة السوء، غضب حقوقيين ومعارضين رأوا أن خطابها يخاصم الضحايا ويحتفظ بحدته فقط عندما يتعلق الأمر بخلافات الأسرة والرجال والنساء.

 

وفي هذا المناخ، وجد ياسر العمدة وغيره من خصوم الخطاب النسوي فرصة لتوسيع الهجوم، فربطوا الأزمة بالمجلس القومي للمرأة وبالدعوة إلى إنشاء مجلس لحماية الأسرة، في محاولة لتحويل المقطع المنسوب إلى استفتاء عام على النسوية المصرية.

 

 

 

كما ذهبت حسابات أخرى إلى مهاجمتها بعبارات حادة بسبب أطروحاتها عن الأسرة والقيم الاجتماعية، ومنها منشور غفران الذي تداولته حسابات ضمن موجة انتقاد واسعة، عكست غضبًا يتجاوز التسجيل إلى تراكم طويل من الخلاف.

 

 

وفي النهاية، لا تحتاج أزمة أبو القمصان إلى شتائم كي تكون قاسية، فالمشهد وحده يكفي للسخرية السياسية والاجتماعية: حقوقية تتحدث باسم القانون تواجه تسجيلًا منسوبًا يتهمها بتعليم الناس الالتفاف عليه، وتنفيه بالذكاء الاصطناعي، بينما جمهور غاضب يصدق الاتهام قبل أن ينتهي التحقيق.

 

وتبقى الكلمة الأخيرة للنيابة والفحص الفني، لكن الخسارة المعنوية وقعت بالفعل، لأن أبو القمصان خرجت من خانة صاحبة الرأي المثير للجدل إلى خانة الشخصية التي يطاردها سؤال الثقة، وهذا أخطر من أي تسجيل مفبرك أو صحيح.