حذر الكاتب والباحث عمار علي حسن من أن ما تعيشه مصر الآن تجاوز حدود الضعف الاجتماعي المعتاد إلى مستوى يهدد بقاء المجتمع، في تغريدة أعادت توصيف الأزمة باعتبارها كساحا أصاب عظم المجتمع ونفذ إلى نخاعه.

 

وتضع كلمات حسن الأزمة المصرية في مربع أكثر خطورة من مجرد سوء إدارة أو ضيق اقتصادي، لأنها تربط الاستبداد والفساد بتآكل القدرة الجماعية على الفعل، وتكشف أن حكم السيسي لم يترك المجتمع متعبا فقط، بل دفعه إلى ركود وخمود وقعود.

 

من تشخيص المرض إلى كسر الإنكار الرسمي

 

بدأ عمار علي حسن من نقطة لا ترغب السلطة في الاعتراف بها، وهي أن الأزمة لم تعد قابلة للتجميل بخطابات الإنجاز أو صور الافتتاحات، لأن الخلل وصل إلى بنية المجتمع لا إلى سطحه السياسي وحده.

 

ويستخدم حسن لغة قاسية حين يصف الحالة بأنها شيء فوق الأمراض التي ألفها المصريون مع الاستبداد والفساد، وهو توصيف يقطع الطريق على الرواية الرسمية التي تقدم الأزمة باعتبارها ضغوطا مؤقتة أو أثرا لأزمات خارجية.

 

وتكشف هذه المقاربة أن الخطوة الأولى في خطة الخروج هي كسر الإنكار، لأن المجتمع لا يستطيع علاج ما لا تسميه النخبة باسمه، ولا يستطيع مواجهة الخطر إذا بقي محاصرا بلغة التخدير والتهوين.

 

وفي كتابه أبواب الأذى، يوسع حسن هذا التشخيص حين يتحدث عن تآكل عوامل التماسك التاريخية في مصر، وتدهور التعليم، وتراجع الدور الثقافي، وتفشي الفقر والعوز، وانتشار الغيبيات والتطرف والتسلف معا.

 

وبذلك لا يقدم الكاتب الأزمة كحزمة مظالم منفصلة، بل كلوحة واحدة تتداخل فيها قرارات السلطة مع نتائجها اليومية في السوق والشارع والمدرسة والمصنع والحقل، فيتحول المواطن من شريك في الوطن إلى ناج من السلطة.

 

كما يضع حسن الاستبداد في قلب المرض لا على هامشه، لأن الاستبداد لا يكتفي بمنع السياسة، بل يقتل الثقة العامة، ويضعف المبادرة، ويدفع الناس إلى التحايل الفردي بدل الفعل الجماعي المنظم.

 

ومن هنا تبدو عبارة المتاهة المصمتة مفتاحا لقراءة نظام السيسي، فالمواطن يرى الأسعار ترتفع، والخدمات تتراجع، والديون تتضخم، لكنه لا يجد طريقا مؤسسيا آمنا للمساءلة أو التغيير أو المشاركة.

 

وتبدأ خطة الخروج، وفق هذا المنطق، من إعادة تسمية المشكلة: ليست مصر في أزمة موارد فقط، وليست في ضائقة عابرة، بل في بنية حكم تسد الطريق أمام المجتمع وتطالبه بالصمت أثناء دفع الفاتورة.

 

وعي الرجال لا انتظار المنقذ

 

ينهي حسن مقطعه بالإشارة إلى أن الخروج يحتاج جهدا جهيدا يصنعه الوعي وتحققه العزائم الصلبة، وهي صياغة تنقل المسؤولية من انتظار انفراجة فوقية إلى بناء وعي اجتماعي وسياسي قادر على الفعل.

 

ولا يتحدث الكاتب هنا عن حماس عابر أو غضب مؤقت، بل عن وعي يقرأ جذور المرض ويميز بين العرض والسبب، لأن الغلاء عرض، والديون عرض، والخوف عرض، أما الأصل فهو سلطة أغلقت المجال العام.

 

وتكشف هذه النقطة أن خطة حسن لا تبدأ من شخص بديل فقط، بل من مجتمع يستعيد قدرته على الفهم والتنظيم والمطالبة والمحاسبة، حتى لا يخرج من استبداد إلى نسخة جديدة منه باسم الإنقاذ.

 

وفي مراجعات كتاب أبواب الأذى، يظهر أن حسن يرفض الاكتفاء بوصف الوجع، لأنه يحاول تفكيك تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، ويربط بين تردي التعليم والثقافة والعمل والقانون وبين ضعف المجتمع أمام السلطة.

 

لذلك تصبح استعادة التعليم والثقافة والعمل العام جزءا من الخطة، لا مجرد ملفات خدمية، لأن مجتمعًا بلا تعليم نقدي وبلا ثقافة حرة وبلا نقابات وأحزاب مستقلة يبقى سهل الانقياد لأي خطاب رسمي.

 

كما أن الوعي الذي يتحدث عنه حسن لا يعني النخبة وحدها، لأن الأزمة أصابت نخاع المجتمع، وبالتالي فإن العلاج يحتاج إلى وعي في الحي والقرية والمصنع والجامعة، لا إلى بيانات موسمية من خارج الناس.

 

وهنا تتضح حدة نقد السيسي، فقد أنتجت سنوات حكمه مواطنا محاصرا بين الخوف والحاجة، بينما استخدمت السلطة الضيق الاقتصادي لتبرير مزيد من السيطرة، ثم استخدمت السيطرة لمنع مساءلة السياسات التي صنعت الضيق.

 

وبناء على ذلك، لا يطرح حسن طريقا سهلا، لكنه يلمح إلى أن الخروج يبدأ عندما يرفض المجتمع التعايش مع المرض باعتباره قدرا، ويعيد بناء ثقته بنفسه وبقدرته على كسر المتاهة.

 

من علاج الأعراض إلى تغيير بنية السلطة

 

تضع تغريدة حسن الاستبداد والفساد في الخلفية العميقة للأزمة، وهذا يعني أن أي خطة خروج لا يمكن أن تكتفي بإصلاحات اقتصادية محدودة أو تعديلات إدارية، لأن أصل العطب سياسي واجتماعي معا.

 

وتؤكد قراءاته المنشورة أن السلطة تواجه الأعراض وتترك المرض، وهي عبارة تلخص مأزق دولة السيسي التي تتحدث عن التضخم ولا تسأل عن الإنفاق، وتتحدث عن الدين ولا تفتح ملف الأولويات والمحاسبة.

 

ومن هذا المدخل، يصبح وقف الكساح المجتمعي مشروطا بفتح المجال العام، وإطلاق الحريات، ورفع يد الأمن عن السياسة والمجتمع المدني، واستعادة دور المؤسسات المنتخبة، لأن المجتمع المشلول لا ينهض تحت إدارة الخوف.

 

كما تحتاج الخطة إلى مراجعة النموذج الاقتصادي الذي جعل المصريين يدفعون ثمن الاقتراض والجباية وبيع الأصول، بينما بقيت قرارات الإنفاق الكبرى خارج الرقابة الفعلية، وبقيت السلطة تطلب التضحية من الشعب لا من نفسها.

 

وتتطلب مواجهة المتاهة أيضا إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، لأن الثقة لا تعود ببيانات رسمية، بل بتطبيق القانون على الجميع، وإنهاء الإفلات من المساءلة، وإطلاق طاقات المجتمع بدل محاصرته.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو دعوة حسن إلى الوعي والعزائم الصلبة شعارا معلقا، بل شرطا سياسيا لإجبار السلطة على مغادرة إدارة الأزمة بمنطق الأمر الواقع، والاعتراف بأن بقاء المجتمع أهم من بقاء صورة الحاكم.

 

وتضع هذه الرؤية المعارضة أمام مسؤولية موازية، لأن رفض السيسي لا يكفي إن لم يتحول إلى مشروع وطني واضح، يبدأ من الحريات والعدالة الاجتماعية والتعليم واستقلال القضاء وحماية الفقراء من فاتورة الانهيار.

 

ومن ثم فإن خطة الخروج من متاهة وكساح السيسي، كما تسمح قراءة حسن بصياغتها، تقوم على ثلاث خطوات مترابطة: تشخيص بلا مواربة، وعي اجتماعي منظم، وتغيير بنية الحكم التي تصنع المرض ثم تبيع الوهم علاجا.

 

وفي النهاية، تمنح تغريدة عمار علي حسن المعارضة المصرية لغة دقيقة لمرحلة خطرة، فهي لا تكتفي بإدانة السلطة، بل تقول إن مصر تواجه تهديدا يمس بقاءها، وإن النجاة لن تأتي من انتظار الحاكم الذي صنع المتاهة.

 

وتبقى قوة هذه الرؤية في أنها تنقل النقاش من سؤال كيف نتحمل الأزمة إلى سؤال كيف نخرج منها، لأن المجتمع الذي أصابه الكساح لا يحتاج مسكنا جديدا من السلطة، بل يحتاج كسر أسباب الشلل واستعادة حقه في الحركة.