يحل شهر الله المحرم بوصفه أحد الأشهر الحرم المعظمة عند الله تعالى، التي نهى فيها القرآن عن ظلم النفس، ورفع فيها شأن العمل الصالح، بينما يأتي يوم عاشوراء حاملا معنى النصر والتمكين للمستضعفين، حين نجى الله موسى ومن معه وأغرق فرعون وجنوده، ليبقى اليوم شاهدا على أن الطغيان مهما امتد لا يملك أن يغلب وعد الله.
ويؤكد الشيخ أحمد أحمد جاد أن هذا الشهر العظيم من الأشهر الحرم، وأن الأشهر الحرم معظمة عند الله تعالى، مستشهدا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، موضحا أن الأشهر الحرم أربعة: ثلاثة متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب، كما ورد في البخاري ومسلم وأحمد.
ويشرح الشيخ أحمد أحمد جاد أن الله حرم الظلم في هذه الأشهر بقوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، لأن الإثم فيها آكد وأبلغ وأعظم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تتضاعف فيها الآثام، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ويضيف أن الشهر الحرام تتضاعف فيه الآثام، وكما جعل الذنب فيها أعظم، فقد جعل العمل الصالح فيها والأجر عليه أعظم، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، بما يجعل المحرم فرصة لتجديد التعظيم والطاعة والكف عن المعاصي.
حرمة المحرم وتعظيم حدود الله
ويبين الشيخ أحمد أحمد جاد أن الله حرم كذلك القتال في الشهر الحرام، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، مؤكدا أن القتال فيها أمر كبير مستنكر لا يحل.
ويلفت إلى أن القتال في الشهر الحرام لا يباح إلا إذا اعتدى المشركون وهتكوا حرمته، فيجوز القتال مجازاة على فعلهم ولرد العدوان قصاصا، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
ويستحضر الشيخ أحمد أحمد جاد تتمة الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ثم يربطها بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
ويؤكد أن شهر المحرم هو الشهر الذي سمي بشهر الله المحرم، وتستحب فيه الأعمال الصالحات والكف عن الآثام، كما يستحب فيه الصيام، ففي الحديث: «أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم»، وهو جزء من حديث رواه مسلم وأبو داود.
ويذكر الشيخ أحمد أحمد جاد رواية أخرى في فضل الصيام، جاء فيها: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر الله الذي تدعونه المحرم»، كما يورد الحديث: «صم من الحرم واترك»، ليدل ذلك على استحباب صيام بعض أيام من الأشهر الحرم، سائلا الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل الذي يرضيه حتى يرضى عنهم.
ويجعل هذا المعنى شهر المحرم موسما للتربية الإيمانية قبل أن يكون مجرد بداية زمنية، ففيه يتذكر المسلم حرمة الزمن، وخطورة الظلم، ومعنى تعظيم حرمات الله، وفضل الطاعة، وأهمية ضبط النفس في القول والعمل والعدوان.
عاشوراء ونجاة المستضعفين
ويقول الشيخ أحمد أحمد جاد إن يوم عاشوراء هو العاشر من شهر الله المحرم، وأطلق عليه عاشوراء للمبالغة والتعظيم ولأهميته، وهو يوم كانت تعظمه اليهود وتتخذه عيدا، وكانت تعظمه النصارى والعرب في الجاهلية.
ويوضح أن عاشوراء هو يوم النصر والتمكين للمستضعفين من بني إسرائيل بعد أن أسلموا وآمنوا، فهو اليوم الذي نجاهم الله فيه وأغرق عدوهم، وهو اليوم الذي يحتفل المسلمون به فيصومونه كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستشهد الشيخ أحمد أحمد جاد بالحديث الذي جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجا الله فيه موسى وأغرق فرعون، فصام موسى شكرا لله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بموسى منهم»، فصامه وأمر بصيامه، كما ورد في البخاري ومسلم وابن ماجه.
ويورد رواية أخرى في معنى اليوم، جاء فيها: «هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم»، ليربط عاشوراء بين الصيام والشكر، وبين العبادة وذكرى النجاة، وبين إحياء السنن واستحضار معاني التمكين للمستضعفين.
ويعرض الشيخ أحمد أحمد جاد صورة فرعون، فقد كان يستعبد بني إسرائيل ويسومهم سوء العذاب، فبعث الله موسى لإنقاذهم، وأمره أن يذهب إلى فرعون وينصحه لعله يتذكر أو يخشى، كما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾.
ويؤكد أن موسى أقام الحجة على فرعون، فأبى واستكبر، واتهم موسى ومن معه بالإفساد في الأرض، وتوعدهم وهددهم بالقتل والصلب والتنكيل، وأمام هذا الطغيان دعا موسى قومه إلى الصبر والثبات والاستعانة بالله وحده.
ويستشهد الشيخ أحمد أحمد جاد بقول موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، فجاء جوابهم إيمانيا واضحا: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾.
وهنا يتحول عاشوراء إلى درس مستمر في أن الاستضعاف لا يعني الهزيمة، وأن الطغيان لا يعني الخلود، وأن التوكل لا يعني السكون، بل يعني الثبات على الحق وانتظار وعد الله مع الأخذ بما أمر به من صبر واستعانة.
هلاك فرعون وبقاء الآية
ويقرر الشيخ أحمد أحمد جاد أن الله أراد أن يحقق النصر والتمكين للمستضعفين، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾، ثم بقوله: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
ويدعو إلى التأمل في كيفية تحقق إرادة الله، وكيف نجى موسى ومن معه، وكيف استدرج فرعون وجنوده إلى البحر فأغرقهم أجمعين، فقد أمر الله موسى بالخروج وعبور البحر، وخرج فرعون في أثره ليلحق به.
ويبرز الشيخ أحمد أحمد جاد ثقة موسى بربه عند لحظة الخطر الكبرى، حين قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال موسى بيقين لا تهزه الحسابات الأرضية: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، والهدى هنا هو طريق النجاة، نجاته وهلاك أعدائه.
ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾، موضحا أن المعجزة وقعت من الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومر موسى ومن معه في البحر من طريق يابس، ولما جاوزه أراد أن يضرب البحر بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا وحاجزا بينه وبين فرعون فلا يصل إليهم، لكن الله، وهو خير الماكرين، أراد أمرا آخر.
ويشرح الشيخ أحمد أحمد جاد أن الله أمر موسى أن يترك البحر رهوًا، وبشره بأنهم مغرقون فيه، و﴿رَهْوًا﴾ أي يابسا كهيئته، أي لا يأمر البحر أن يرجع كما كان، ولكن يتركه كذلك حتى يدخل فيه فرعون وجنوده فيغرقون.
وهكذا كان هلاك فرعون، فقد أعطاه الله المال والزينة والسلطان فلم يشكره، بل استخدم نعمه في معاصيه، واستخف بعقول قومه واستجهلهم فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الضلال، مما أغضب رب الأرباب فأغرقه وقومه أجمعين.
ويستحضر الشيخ أحمد أحمد جاد الحديث: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما ذلك استدراج»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، و﴿آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا.
ويؤكد أن آيات الله تمت ووعده بالتمكين لبني إسرائيل تحقق بسبب صبرهم وانتظار النصر، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
ويكمل الآية الكريمة: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، لتبقى القصة برهانا على أن الصبر لا يضيع عند الله.
ولم ينته المشهد على غرق فرعون، كما يقول الشيخ أحمد أحمد جاد، فقد يظن الناس أنه إله وأنه لم يمت، فأمر الله البحر أن يلقيه بجسده على الشاطئ، ليكون دليلا على موته وهلاكه، وعقوبة له في الدنيا قبل الآخرة.
ويستشهد بقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، موضحا أنه لما لفظه البحر أخذه المصريون وحنطوه، ليراه الناس على مر الزمان تذكرة وعبرة: فهل من مدكر؟.
ويضيف الشيخ أحمد أحمد جاد قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾، موضحا أن ﴿سَلَفًا﴾ تعني قدوة لمن يعمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب، ومثلا للآخرين أي عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم.
ويختم الشيخ أحمد أحمد جاد المعنى بما جاء في الظلال: «وهذا مثل يضربه الله للقلة المؤمنة في مكة المطاردة من الشرك وأهله، ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته ما لقيه الذين كانوا يُستضعفون في الأرض، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها المباركة بما صبروا، لينظر كيف يعملون».
وفي الختام، يجتمع في المحرم وعاشوراء تعظيم الزمن الحرام، والكف عن الظلم، واستحباب الصيام، وذكرى نجاة موسى ومن آمن معه، وهلاك فرعون وجنوده، ليبقى الدرس حيا: أن الظلم لا يدوم، وأن الطغيان لا يغلب وعد الله، وأن الصبر والتوكل طريق النجاة والتمكين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

