كشفت أسعار النفط في 23 يونيو 2026 عن مفارقة قاسية للمصريين؛ فخام برنت عاد إلى نطاق 76 و78 دولارًا للبرميل، وغرب تكساس قرب 73 دولارًا، بعدما كانت الحرب قد دفعت الأسعار إلى مستويات قاسية، بينما بقيت أسعار البنزين والسولار والكهرباء في مصر عند زيادات مارس وما بعدها، لتتحول لجنة التسعير إلى باب صعود فقط لا يعرف الهبوط.
ليست الأزمة في رقم البرميل وحده، بل في منطق السلطة التي ترفع الأسعار على المواطن فورًا حين تشتعل الحرب، ثم تتذرع بالديون والعجز حين تهبط الأسواق. المواطن الذي دفع فاتورة الزيادة في المواصلات والطعام والكهرباء لا يرى أثر الانخفاض العالمي، وكأن السوق يعمل ضد الفقراء فقط، بينما تتحول كل أزمة دولية إلى فرصة محلية للجباية.
النفط هبط.. والفاتورة بقيت فوق رقاب الناس
اليوم، تتراجع أسعار النفط مع تحسن تدفقات الخام عبر مضيق هرمز وتراجع مخاوف الإمدادات، بعدما فقد الخام جزءًا كبيرًا من علاوة الحرب. وتفيد بيانات السوق بأن برنت يدور حول 77 دولارًا، وغرب تكساس حول 73 دولارًا، أي أن الأسعار لم تعد في ذروة الصدمة التي استخدمتها الحكومة لتبرير رفع الوقود.
وخلال ذروة الحرب، سجل خام برنت مستويات مرتفعة قاربت 119 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز النفط العربي الخفيف 140 دولارًا، بحسب تقارير اقتصادية. لكن هذه الذروة لم تستمر، ومع ذلك ظلت الأسعار المحلية في مصر محبوسة عند الزيادة، لا عند التراجع، وهو ما يطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا يتحمل المواطن الخطر ولا ينال أي نصيب من الانفراجة؟
وفي مصر، وصلت أسعار الوقود الحالية إلى 24 جنيهًا للتر بنزين 95، و22.25 جنيهًا لبنزين 92، و20.75 جنيهًا لبنزين 80، و20.5 جنيهًا للسولار، و13 جنيهًا لمتر الغاز الطبيعي للسيارات، مع رفع أسطوانة البوتاجاز المنزلية إلى 275 جنيهًا. هذه الأرقام الرسمية تؤكد أن الحكومة ثبتت الزيادة، ولم تترجم هبوط النفط إلى تخفيف ملموس.
أما الكهرباء، فليست بعيدة عن المنطق نفسه؛ إذ تكشف تعريفة أبريل 2026 أن شرائح الاستهلاك المنزلي تبدأ من 68 قرشًا للكيلووات/ساعة، وتصل إلى 210 قروش عند تجاوز 650 كيلووات، ثم 258 قرشًا لمن يتجاوز 1000 كيلووات، ما يعني أن الطاقة كلها أصبحت أداة ضغط يومية على البيوت.
من الحرب إلى الجباية.. أين ذهبت لجنة التسعير؟
يقول الدكتور محمد فؤاد إن صعوبة تأجيل زيادات البنزين والسولار تعود إلى تراكم مديونيات قطاعي البترول والكهرباء وتراجع الإنتاج المحلي من المشتقات، ما زاد الاعتماد على الاستيراد والعملة الصعبة. لكن هذه الحجة، وإن فسرت قرار الرفع، لا تفسر غياب أي آلية عادلة لخفض الأسعار عند تراجع النفط.
أما هاني توفيق فكان أكثر مباشرة حين وصف رفع أسعار الوقود بأنه نوع من “الاستسهال”، مشددًا على أن أي زيادة يجب أن تصاحبها إجراءات لزيادة الإنتاج والتصنيع والتصدير. وهنا تظهر المشكلة: الحكومة لا تعالج أصل الأزمة الإنتاجية، بل تلجأ إلى جيب المواطن كحل سريع كلما ضاقت الموازنة.
ويرى وائل النحاس أن الحكومة لم تتجاهل تراجع النفط وتحسن الجنيه، لكنها استخدمت هذه العوامل لتقليل حجم الزيادة لا لتجنبها، لأن مخصصات دعم الطاقة في الموازنة محددة مسبقًا. وهذا التفسير يكشف جوهر السياسة الحالية: أي تحسن عالمي لا يعود للمواطن، بل يتحول إلى وفر في حسابات الدولة.
ومن زاوية أخرى، يقول مدحت نافع إن رفع أسعار البنزين جاء لتعويض خسائر تراكمية في قطاع الطاقة، كما حذر من أن تثبيت أسعار الوقود لعام كامل يقلل مرونة السوق أمام التغيرات العالمية. ومعنى ذلك أن الحكومة حين ثبتت الأسعار بعد الزيادة، ثبتت معها خسارة المواطن، ومنعت عنه الاستفادة من أي هبوط لاحق.
فاتورة التضخم.. البنزين لا يقف عند المحطة
تؤكد د. سالي صلاح، في قراءاتها للاقتصاد والأسعار، أن رفع البنزين لا يبقى داخل محطة الوقود، بل يرفع تكلفة النقل والإنتاج، ومن ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات. وهذا ما يلمسه المصريون يوميًا: لتر الوقود يتحول إلى زيادة في رغيف النقل، وكيلو الخضار، وسعر الدواء، وفاتورة المصنع.
وحين رفعت الحكومة أسعار الغاز للصناعات كثيفة الاستهلاك في مايو 2026، كانت الرسالة أوضح: الطاقة لم تعد ملف دعم فقط، بل مدخل لزيادة تكلفة الإنتاج نفسه. فقد رفعت مصر أسعار الغاز للأسمنت والحديد والصلب والبتروكيماويات والأسمدة غير النيتروجينية، بالتوازي مع زيادات الوقود المحلية، تحت ضغط فاتورة واردات الطاقة وبرنامج صندوق النقد.
بهذا المعنى، يصبح سؤال خفض الأسعار ليس شعبويًا ولا عاطفيًا، بل اقتصاديًا واجتماعيًا. فإذا كانت الحكومة تربط الزيادة بالسعر العالمي، فمن حق المواطن أن يطالب بالربط نفسه عند الهبوط. أما أن تعمل المعادلة في اتجاه واحد فقط، فهذا ليس تسعيرًا تلقائيًا، بل سياسة انتقائية تنقل الخسائر إلى الناس وتحتفظ بالمكاسب للدولة.
المفارقة أن الحكومة تتحدث عن ترشيد الدعم بينما تترك المواطنين يواجهون أسعارًا لا تهبط. وإذا كان الدين العام وخدمة الدين يلتهمان الحيز المالي كما يحذر مدحت نافع، فإن تحميل الفقراء كلفة هذا الاختلال لا يحل الأزمة، بل يعمق الركود والغضب، لأن رفع الطاقة يضرب الاستهلاك والإنتاج معًا.
في النهاية، تبدو أزمة الوقود في مصر اختبارًا للعدالة قبل أن تكون اختبارًا للموازنة. عندما صعد النفط، رفعت الدولة الأسعار بسرعة. وعندما هبط إلى السبعينيات، بقي المواطن يدفع كأن الحرب ما زالت في ذروتها. ومن هنا تتولد المرارة: السوق العالمي يهدأ، لكن جيب المصري لا يهدأ أبدًا.

