شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
هدأتا، فورة الإعلام المحلي (شبه الرسمي) في مصر ونشوته، احتفاءً بذكرى 30 يونيو وبيان 3 يوليو 2013 الذي أُعلن فيه إنهاء حكم الرئيس المصري المنتخَب محمد مرسي، من دون النظر إلى ما لحق بمصر والمصريين جرَّاء هذه الخطوة، وما دامت النشوة قد هدأت، فَلْتحضر الفكرة.
الجوانب التي أضر بها حدَثُ يوليو 2013 متشعِّبة، لكن غير المطروق أثر الحدث فيما تسمى "النخبة المصرية"، بدءًا من الانقسام السياسي بين رفاق الثورة، ومرورًا بقبول إسالة دم أحد الأطراف نتيجة التجاذب السياسي، وإعلان أطراف سياسية الحياد في مسار لم يكن الحياد فيه خيارًا رشيدًا، وانتهاءً بحدث الانقلاب العسكري نفسه وتبرير القتل بعده، لحججٍ منها تعطيل حركة المرور وتلويث مكان الاعتصام بالقمامة، ولِفتحِ المسار و"تنظيف المكان" دخلت الكاسحات العسكرية تجرف الجثث بدلًا من الحواجز، وحرقت قوات الأمن الأجساد لا "مسبِّبات التلوث"!
تشكلت في عام 2003 الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) بائتلاف بين أفراد من القوى السياسية على اختلاف خلفياتها الثقافية والدينية، وبعد سنتين تشكَّلت الجبهة الوطنية من أجل الإصلاح والتغيير، وكان عزيز صدقي، الوزير في عهد عبد الناصر رئيسًا لها، وضمَّت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الراحل مهدي عاكف الذي قضى شبابه في سجون عبد الناصر. واستطاعت الجبهة أن تمثِّل مشهدًا سياسيًّا في قمة النضج بين الفرقاء السياسيين، ومهَّدت الطريق لمنع النزاع داخل ميدان التحرير وقت الثورة مطلع 2011، نظرًا إلى وجود تاريخ في العمل المشترَك.
هذه المكونات السياسية هي التي وجدت وقت الثورة، واستطاعت أن تعبُر مرحلة إسقاط نظام حسني مبارك، وهي المكونات نفسها التي دخلت في مرحلة الخلاف، بأدوات غير سلمية، أبرزها تنظيم "البلاك بلوك" الذي استهدف مقارّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وسالت الدماء في الشوارع بمباركة الجهة التي استولت على السلطة بعد 2013، وبجهل أو بسوء نية من جهة الحكم والمعارضة على السواء.
كان يمكن قبول تفسيرات كثيرة من قيادات الحركات والأحزاب السياسية التي تسمّى النخبة المصرية. ولكن عقب كارثة 14 أغسطس (2013) في ميدانَيْ رابعة العدوية والنهضة، لم يعد أي كلام مقبولًا غير قولٍ ينزِّه به صاحبُه نفسَه من الدماء التي سالت بصورة لم تشهدها مصر في أيٍّ من لحظات تاريخها الحديث، لكن المفاجأة أن القيادات السياسية في مصر سارعت إلى تبرير ما حدث باعتبارات كثيرة، لكن السؤال الذي لا جواب له، كيف تغيَّر مزاج "النخبة المصرية" ومصريين كثيرين إلى الحد الذي يجعلهم يبرّرون القتل بل ويدعون إليه؟
كانت تلك الأيام عصيبة للغاية، بسبب حجم الكراهية الذي انفجر في الشوارع، إلى حد دفع أُمًّا إلى الإبلاغ عن ابنها بدعوى انتمائه لحركة 6 أبريل، في تناقض غير طبيعي مع غريزة الأم وعاطفتها تجاه أبنائها، فهذا التغيُّر في مزاج المصريين ووعيهم يستحق أن يُدرَّس لقِصَر المدة التي جرى فيها تلويث وعيهم، خصوصًا أن ما تُسمَّى "موقعة الجمل" تسبَّبت في التعجيل برحيل مبارك، إذ انضم كثيرون إلى الميدان رفضًا لدماء أُسيلت من أجل البقاء في السلطة، وبعد سنوات دعا كثيرون إلى قتل المتظاهرين في الشوارع!
كذلك، لا تختلف القيادات السياسية عن البسطاء كثيرًا، فقد كانوا بيادق لتبرير القتل، ولا يزال موقف محمد البرادعي وقتها يستحق الثناء، من دون نفي أنه أحد الأسباب التي أوصلت مصر إلى هذا المسار، بل ومنحَتْ جبهة الإنقاذ (كان من قيادتها) الغطاء السياسي لتنظيم بلاك بلوك الإجرامي، لكنه وجد أن المسار الذي بدأ فيه انزلق إلى وحل اجتمعت فيه القذارة بالدماء، فآثر الخروج منه، ثم لاقى ما لاقاه نتيجة قراره.
في المقابل، نجد شخصًا مثل رئيس الوزراء وقتها حازم الببلاوي وكان وكيلًا للأمين العام للأمم المتحدة، خرج في كل مكان مبررًا القتل، وقال، في لقاءات تلفزيونية، إن تقديرات عدد القتلى في فض الاعتصامات كانت أكبر مما حدث، مستخفًّا بدماء المئات، بل قارن بين القتلى المصريين على يد قوات الأمن والجيش المصري، بالقتلى من الفيتناميين على يد الجيش الأميركي. وتبارى أساتذة علوم سياسية في الجامعات المصرية وباحثون مرموقون لتبرير التغيير السياسي عبر القوات المسلحة، والأخطر تبرير القتل بهذا التوسُّع، ثم دعم أو الانضمام إلى الحملة الرئاسية للمسؤول الأول عن هذه العمليات، ما يشير إلى سبق الإصرار في سلوك هذا المسار الموحِّل!
كانت هذه القيادات السياسية قبل هذه الأحداث بثلاث سنوات تطالب بالتغيير السياسي، والانتقال نحو الديمقراطية، واهتزَّت لمقتل المواطن خالد سعيد في محبسه، وطالبت بالحرية والكرامة، لكنها دهست ذلك كله أمام شهوة السلطة، فقد خُيِّل إليها أن السلطة قريبة ولا يفصلهم عنها سوى إزاحة من وصلوا إليها بالصندوق، وهذه الإزاحة لا بد أن تحدُث بأي ثمن، فأعرضوا عن الديمقراطية، وغضّوا الطرف عن القمع والاستبداد، حتى اكتووا بناره.
أغوى "المعز" هؤلاء بذهبه، ثم مزّقهم بسيفه عندما نال مراده. ومع هذا، لا يزالون أسرى حالة 2013 ولم يستطيعوا العودة إلى مساحة المشترَك الذي ساد قبيل الثورة المصرية عام 2011، وهذا هو التغيُّر الأهم في وعي القيادات السياسية غير الرسمية في مصر.
في السياق نقسه، نجد أن الدبلوماسيين، بمكانتهم الكبيرة في المجتمع، والقضاة، وغيرهم من الفئات في مصر، ترضخ للاشتراطات العسكرية في التعيين، وأخيرًا أبدى القضاة رفضًا لإسناد إجراءات التعيين والترقية لأعضاء الهيئات القضائية والنيابة العامة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية. ويبقى اشتراط اجتياز دورات داخل الأكاديمية شرطًا لتعيينات هذه الفئات، ومنها الأوقاف أيضًا، وتعدّ قيادات هذه المؤسّسات من "النخبة المصرية"، لكنها اختارت الرضوخ للقهر والسيطرة بدلًا من الحفاظ على الهامش المتاح وهو هامش ضئيل أصلًا، وقبلت أن تتنازل عن سلطتها وتنضوي تحت واحدةٍ من جهات السلطة التنفيذية، من دون اعتبار لأهمية فصل السلطات في حالة القضاة، أو الفصل الوظيفي في حالة الدبلوماسيين الذين يختلف سلوكهم تمامًا عن سلوك العسكر في المواءمات وحسن التعامل مع الخصوم، ومثلهم دعاة الأوقاف الذين يرتكز عملهم على الدعوة بالحسنى، لا الأمر والنهي والضبط والربط.
خسرت مصر كثيرًا منذ يوليو 2013، خسرت اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًّا، لكن الخسارة الكبرى غياب نخبة وطنية تستطيع أن تنتشل الدولة من محنتها، فالنخبة السياسية لا تستحقّ هذا الوصف، والمجتمع انساق وراء الإعلام التعبوي سنوات، وتشوَّه وعي كثيرين بالفعل، وباتت الاستفاقة مرهونة بالأوضاع الاقتصادية، وعلى الرغم من أهمية استعادة الوعي، فإن استعادته نتيجة لقمة العيش فقط لا تعني وجود وعي سياسي بخطورة الوضع العام، ما يعني أن التغيير الكامل من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي لا يزال أمرًا بعيدًا، والمطالبة بوجود وعي بالوضع السياسي ليس فوقية، بل أثبتت تجربة عام 2011 أهميته، فقد كان المحرّك الأساسي لاستجابة الشارع للتظاهر بهدف إسقاط مبارك الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي عندما حدث التغيير استغلت جهة الحكم عقب رحيل مبارك الوضع الاقتصادي لتضغط على المطالبين بالحرية، وأصبحت التظاهرات سببًا لسخط كثيرين من غير المهتمين بالوضع السياسي. وبناءً على حالة السخط هذه، حلَّ أحمد شفيق في المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة عام 2012.
وكان الوضع الاقتصادي وتأزيمه سببًا لانجرار كثيرين ممن ثاروا على حكم مبارك إلى المطالبة بتحرّك عسكري ينهي حكم الرئيس الذي جاء بالصندوق، وكان هو الدافع لمطالبة السيسي بأن يفعل ما يريد لإنهاء "الفوضى"، واليوم يأتي الوضع الاقتصادي في مقدّمة أسباب سخط المصريين من سياسات السيسي. ولكن، إذا غاب الوعي السياسي وإدراك أهمية التغيير السياسي، فإن أي تغيير سيظل قصير النَّفَس، ولا يصمد أمام المطالبات الاقتصادية من دون اعتبار لأهمية استقرار المسار الديمقراطي. وبدلًا من خوض معركة طويلة لانتزاع الحرية، التي ستؤدّي إلى تحسين الاقتصاد غالبًا، ستكون عملية التغيير مرهونة بتغيير لحظيٍّ للتخلص من الوضع الاقتصادي المتردّي، ومرّة أخرى، رغم أهمية الوضع الاقتصادي وتمثيله قدرًا كبيرًا من اهتمام المجتمع، فإنه لن يؤدّي إلى عملية تغيير طويلة الأمد، بل قد يكون سببًا لانتكاسة مطالب التغيير، وهذا من الأمور التي مسَّت وعي المصريين بصورة مشوَّهة، فبات التغيير بوابة للفوضى وتعطُّل الأحوال والمصالح. ورغم صواب ارتباط التغيير بتعطيل مصالح كثيرة، فإنه تعطيل مؤقت يحتاج صبرًا يمتد إلى وضع الأسس، وحراسة عملية البناء الديمقراطي إلى حين اكتمالها، وهذا دور النخبة التي لم تعد موجودة، أو أمينة على مصالح المجتمع، فأي جنايةٍ جنتها أحداث يوليو على المجتمع المصري و"نخبته السياسية".

