أشعلت تصريحات ومواقف متزامنة لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ومؤسسات الدولة موجة انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما قارنت حسابات معارضة بين مطالبة القاهرة دول العالم بمقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية، وبين توسع اعتماد مصر على الغاز القادم من الاحتلال، إلى جانب الجدل المتجدد حول تمويل العاصمة الإدارية وتأجير مقار الوزارات للحكومة.

 

ورأى منتقدون أن المشهد يكشف فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الموجه إلى الخارج والسياسات الاقتصادية المنفذة في الداخل، إذ تستخدم السلطة لغة داعمة للحقوق الفلسطينية، بينما تتعمق في الوقت نفسه علاقات الطاقة والتجارة مع إسرائيل، وتواصل تقديم المشروعات العقارية الكبرى باعتبارها إنجازات اقتصادية رغم تحميل الموازنة العامة تكاليف استخدامها.

 

مقاطعة معلنة وغاز متدفق

 

بدأ الجدل بعدما رحبت وزارة الخارجية المصرية بقراري بلجيكا وهولندا حظر الاتجار بالسلع والمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعت دول الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، معتبرة الخطوة تطبيقا عمليا للقانون الدولي ورفضا للأنشطة الاستيطانية.

 

لكن شبكة رصد وضعت الموقف الرسمي في مواجهة مباشرة مع العلاقات الاقتصادية المصرية الإسرائيلية، وقالت إن النظام يطالب العالم بمقاطعة منتجات المستوطنات بينما يوسع تعاملاته مع الاحتلال من خلال زيادة واردات الغاز واستمرار التبادل التجاري، ووصفت ذلك بأنه تناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.

 

 

وتكتسب المقارنة قوتها من أن واردات الغاز الإسرائيلي لم تعد ترتيبا محدودا أو مؤقتا، بل أصبحت عنصرا رئيسيا في مزيج الطاقة المصري بعد تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك، فيما أشارت تقارير حديثة إلى وصول التدفقات إلى نحو 1.2 مليار قدم مكعب يوميا، بزيادة تقارب 26% عن مستويات سابقة.

 

كما أبرمت مصر وإسرائيل صفقة غاز طويلة الأجل تقدر قيمتها بنحو 35 مليار دولار، وتتضمن توريد قرابة 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، وهي الصفقة الأكبر في تاريخ صادرات الغاز الإسرائيلية، وتنتظر إسرائيل منها عائدات ضريبية بمليارات الدولارات.

 

ويقول منتقدون إن القاهرة تستطيع قانونيا التمييز بين التعامل مع دولة إسرائيل وبين استيراد منتجات المستوطنات المقامة على أراض فلسطينية محتلة، لكن الاعتراض السياسي يتجاوز هذا التفصيل، لأنه يركز على مطالبة الآخرين باستخدام الضغط الاقتصادي بينما تتجنب الحكومة المصرية مراجعة علاقاتها التجارية والطاقة الأوسع مع الاحتلال.

 

وتظهر الأزمة بصورة أكثر حدة مع اعتماد قطاع الكهرباء والصناعة المصري على الإمدادات الإسرائيلية، إذ أدى تراجع الإنتاج المحلي إلى دفع الحكومة نحو زيادة الواردات والتفاوض على شحنات غاز مسال لسنوات، بتكلفة قد تتراوح بين 8 و11 مليار دولار سنويا وفق تقديرات مرتبطة بالعقود الجاري بحثها.

 

ويعني ذلك أن خطاب المقاطعة يظل محدودا في نطاق منتجات المستوطنات، بينما تتحول إسرائيل إلى مورد أساسي للطاقة داخل مصر، بما يمنحها نفوذا اقتصاديا يتعارض، بحسب المعارضين، مع صورة الدولة التي تقود حملة دولية لعزل الأنشطة المرتبطة بالاحتلال.

 

ومن هذه الزاوية، لا ينكر المنتقدون أهمية مطالبة أوروبا بحظر منتجات المستوطنات، لكنهم يطالبون باتساق أكبر يضع العلاقات الاقتصادية المصرية الإسرائيلية تحت الرقابة العامة، ويكشف تفاصيل العقود والأسعار والالتزامات طويلة المدى، بدلا من الاكتفاء ببيانات سياسية لا تغير طبيعة الاعتماد القائم.

 

عاصمة تربح والحكومة تدفع

 

امتدت موجة الانتقادات إلى تصريحات السيسي بشأن شركة العاصمة الإدارية، بعدما قال إن الشركة بدأت دون أرصدة مالية ثم أصبحت تمتلك أصولا وإيرادات كبيرة، وتحصل من الحكومة مقابلا سنويا نظير تأجير المقار والمنشآت الحكومية التي شيدتها داخل العاصمة الجديدة.

 

وكان السيسي قد أوضح في تصريحات سابقة أن الشركة تؤجر منشآت الحي الحكومي للحكومة مقابل يتراوح بين 7 و10 مليارات جنيه سنويا، مؤكدا أن المقار أنشئت على حساب الشركة وليس مباشرة من الموازنة العامة.

 

غير أن المجلس الثوري المصري طرح عبر حسابه سؤالا بشأن مصدر رأس المال الأولي الذي بدأت به الشركة، ولماذا أصبحت الحكومة تستأجر مقرات جديدة بينما كانت تمتلك مباني وزاراتها القديمة، معتبرا أن هيكل التمويل والتأجير يحتاج إلى تفسير أكثر شفافية من الخطاب الرسمي.

 

 

ويتركز النقد هنا على ملكية الأراضي التي حصلت عليها الشركة وقدرتها على تحويلها إلى أصول وعقود استثمارية، إذ يرى معارضون أن الأرض العامة هي رأس المال الحقيقي للمشروع، حتى إذا لم تُضخ أموال مباشرة في حساب الشركة عند تأسيسها.

 

كما أن دفع الوزارات إيجارا سنويا يثير تساؤلات بشأن الجهة التي تتحمل التكلفة النهائية، لأن الحكومة تمول التزاماتها من الموازنة العامة، ما يعني أن التأجير يظل إنفاقا عاما حتى إن ذهب إلى شركة تصفها السلطة بأنها مستقلة عن الخزانة.

 

وفي منشور آخر، اعتبر حساب يحمل اسم مودي أن الدور الاقتصادي للحكومة أصبح قائما على رفع قيمة الأراضي وبيعها للمستثمرين، بدلا من زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي وتحسين الإنتاجية والصادرات، منتقدا عقد صفقات ضخمة لإقامة منتجعات ومشروعات لا تستطيع أغلبية المواطنين دخولها.

 

 

ويعبر هذا الرأي عن انتقاد متكرر للنموذج الاقتصادي القائم على التوسع العقاري وبيع الأراضي، إذ يرى معارضون أن هذا النموذج ينتج سيولة سريعة لكنه لا يوفر قاعدة إنتاجية مستقرة، ولا يعالج مشكلات العملة الأجنبية والعجز التجاري وتراجع قدرة المصانع المحلية على المنافسة.

 

وفي السياق نفسه، كتب حساب باسم علاء الدين تعليقا ساخرا على حديث السيسي عن قوة مصر وقدرتها على الصمود، مشيرا إلى أن المصريين أنفسهم يتركون البلاد وأن شبابا يخاطرون بحياتهم في طرق الهجرة، بما يعكس فقدان الثقة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

ورغم حدة اللغة المستخدمة في بعض التعليقات، فإن مضمونها يدور حول سؤال رئيسي يتعلق بمن يستفيد من المدن الجديدة والمنتجعات والأراضي مرتفعة القيمة، بينما تواجه قطاعات واسعة من المواطنين ارتفاع الإيجارات والأسعار وتراجع فرص العمل وضعف الخدمات العامة.

 

الخوف من الشارع وسخرية الإنجازات

 

انتقلت الانتقادات أيضا إلى المشهد السياسي الإقليمي، إذ ربط الصحفي نظام المهداوي بين التطورات الاحتجاجية في تونس وبين مخاوف النظام المصري من انتقال الغضب الشعبي، ساخرا من تشييد العاصمة الإدارية باعتبارها مساحة بعيدة عن التجمعات السكانية التقليدية.
 

 

وتشهد تونس بالفعل أزمات اقتصادية وخدمية واحتجاجات مرتبطة بالمياه والكهرباء والحريات العامة، غير أن القول إن السيسي يشعر بالخوف من انتقال ثورة تونسية إلى مصر يظل تحليلا سياسيا لصاحب المنشور، وليس معلومة مثبتة أو تصريحا صادرا عن جهة رسمية.

 

ومع ذلك، يعكس انتشار هذا الطرح نظرة معارضة إلى العاصمة الإدارية باعتبارها مشروعا سياسيا وأمنيا بقدر ما هي مشروع عمراني، بسبب بعدها الجغرافي عن قلب القاهرة، وانتقال مؤسسات الحكم إليها، وارتفاع تكاليف الوصول والسكن داخلها بالنسبة إلى غالبية المواطنين.

 

كما هاجم حساب باسم محمد الإدارة الحكومية لقطاع الغاز، مستعيدا أزمة تراجع إنتاج بعض الحقول، ومتهما السلطة بإهدار الثروات الوطنية ثم اللجوء إلى الاستيراد من إسرائيل، إلا أن المنشور استخدم اتهامات وإهانات شخصية لم يقدم عليها أدلة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
 

 

وتتصل خلفية هذا الغضب بتراجع إنتاج الغاز المصري إلى أقل من 4.4 مليارات قدم مكعب يوميا خلال السنة المالية الماضية، مع توقع انخفاضه بصورة إضافية، وهو ما أجبر الحكومة على زيادة الواردات بعد سنوات من تقديم مصر رسميا باعتبارها مركزا إقليميا للطاقة ومصدرا للغاز.

 

وفي تعليق ساخر على خطاب الإنجازات، كتب حساب باسم داوود أن السلطة تكرر الحديث عن القضاء على الإرهاب والمشروعات الكبرى، بينما لا يرى المواطن انعكاسا مباشرا لهذه الإنجازات على حياته أو دخله أو مستوى الخدمات التي يحصل عليها.

 

 

وتجمع هذه المنشورات، رغم اختلاف أساليبها ودرجات حدتها، على اتهام الخطاب الرسمي بالانتقائية، إذ يعرض كل ملف باعتباره نجاحا منفصلا، دون مناقشة كلفته أو تناقضه مع سياسات أخرى أو تأثيره على المواطن الذي يتحمل الضرائب والديون وارتفاع الأسعار.

 

فالسلطة تدعو الخارج إلى مقاطعة منتجات المستوطنات، لكنها تزيد اعتمادها على الغاز الإسرائيلي، وتقدم شركة العاصمة باعتبارها نموذجا ناجحا لا يكلف الدولة، بينما تدفع الحكومة مليارات الجنيهات سنويا لاستئجار مقارها، وتتحدث عن قوة الاقتصاد فيما تتزايد صفقات بيع الأراضي واللجوء إلى الاستيراد.

 

وتعني شعبية هذه الانتقادات أن كل ما تتضمنه دقيق وموثق، إذ تحمل بعض المنشورات استنتاجات سياسية واتهامات وتكشف في الوقت نفسه فجوة ثقة واسعة تجعل قطاعات من الجمهور تستقبل التصريحات الرسمية بالسخرية والشك بدلا من التصديق.

 

وفي المحصلة، لا يتعلق الجدل بمنشور منفرد أو عبارة ساخرة، بل بصراع على تفسير السياسات العامة، بين رواية رسمية تعتبر الغاز والعاصمة والاستثمار أدوات لتعزيز الدولة، ورواية وطنية تراها دليلا على اقتصاد يعتمد على الديون والأراضي وصفقات لا تخضع لمساءلة كافية.