الدكتور عبد الله سيف
 

حين تضطرب الصفوف، وتتباعد القلوب التي صاغتها الفكرة الواحدة، وتتسلل ظلال الريبة إلى النفوس، لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في تقدير المواقف أو تباين في الاجتهادات، بل يتحول إلى أزمة تمس روح الكيان ذاته، وتستنزف رصيده المعنوي قبل أن تنال من قدراته التنظيمية. ففي مثل هذه اللحظات لا تكفي النصوص التنظيمية، ولا تنجح القرارات المجردة في رأب الصدع؛ لأن الأزمات التي تنشأ بين الإخوة لا تعالج بالأوامر، وإنما تُداوى بالحكمة، وتُرمم بالثقة، وتُستعاد بالشورى.

غير أن الشورى في معناها العميق ليست مجرد وسيلة لاتخاذ القرار، ولا آلية إجرائية تُحتكم إليها عند اختلاف الأصوات، وإنما هي مدرسة تربوية تُعيد تشكيل العلاقة بين الأفراد، وتغرس في النفوس قيمة المشاركة، وتؤسس لثقافة الاعتراف بأن الحقيقة الإنسانية لا يحتكرها فرد، وأن الرأي يزداد نضجًا كلما مرَّ عبر عقول متعددة وتجارب متنوعة.

وغالبًا ما تبدأ الانقسامات الداخلية حين يظن كل فريق أنه الأقرب إلى الصواب، أو الأقدر على تشخيص الواقع، فينشأ الشعور بالاستغناء عن الآخرين، ويتسلل الإقصاء إلى الممارسة ولو لم يُعلن صراحة. وعندما يشعر بعض الأفراد بأن أصواتهم لم تعد مؤثرة، أو أن حضورهم أصبح شكليًا، تتراكم في النفوس مشاعر المرارة، وتتشكل روايات متبادلة من سوء الظن، حتى يصبح الحوار نفسه ساحةً للصراع لا طريقًا للحل.

هنا تستعيد الشورى رسالتها الأصيلة؛ فهي لا تبدأ بحسم الخلاف، وإنما بإزالة أسبابه النفسية. إنها تدعو الجميع إلى الجلوس على أرضية واحدة، لا غالب فيها ولا مغلوب، حيث يتقدم كل طرف بفكره لا بكبريائه، ويعرض رأيه لا باعتباره الحقيقة النهائية، وإنما باعتباره اجتهادًا يحتمل الصواب والخطأ. وفي هذه اللحظة تحديدًا يبدأ الجدار النفسي في التصدع، وتفسح لغة "نحن" المجال أمام انحسار نزعة "أنا"، فتتهيأ القلوب قبل العقول لاستقبال الحلول.

وليس أخطر ما تصنعه الخلافات اختلاف الأفكار، بل ما تتركه من جراح خفية في النفوس؛ فكم من أزمة كان يمكن تجاوزها لو أُحسن الإنصات قبل الإقناع، ولو قُدمت مشاعر الاحترام قبل عرض الحجج. ولذلك فإن مجلس الشورى الحقيقي لا يتحول إلى منبر للمرافعات، بل إلى مساحة آمنة يطمئن فيها الجميع إلى أن أصواتهم مسموعة، وأن كرامتهم مصونة، وأن مقصد الاجتماع ليس الانتصار لفريق، وإنما الانتصار للكيان بأسره.

إن قيمة الشورى لا تُقاس بعدد الأصوات المؤيدة لهذا الرأي أو ذاك، وإنما تُقاس بقدرتها على أن تجعل المختلف يقبل القرار وهو مطمئن النفس، لأنه شارك في صناعته، وشعر أن رأيه أُخذ بعين الاعتبار، حتى وإن لم يكن هو الرأي الذي استقر عليه الجمع. فقبول القرار في هذه الحالة لا يصدر عن ضعف أو استسلام، بل عن وعي بأن بقاء الجماعة أقوى من انتصار الرأي الفردي.

ولأن استعادة اللحمة ليست حدثًا عابرًا، بل عملية تربوية متدرجة، فإنها تحتاج إلى مسار واضح يقوم على ثلاث مراحل متكاملة.

تبدأ المرحلة الأولى بإعادة بناء جسور الثقة عبر وساطة حكماء الكيان؛ أولئك الذين اكتسبوا مكانتهم بما عرف عنهم من نزاهة وتجرد وحسن سابقة. فهؤلاء لا يفرضون حلولًا، وإنما يهيئون المناخ النفسي، ويبددون المخاوف، ويعيدون فتح أبواب الحوار التي أغلقتها سنوات الاحتقان، حتى يصبح اللقاء المباشر ممكنًا دون شعور بالهزيمة أو الغلبة.

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي إعادة توجيه البوصلة نحو المقاصد الكبرى. ففي الجلسات الأولى لا ينبغي أن تستغرق الأطراف في تفاصيل اللوائح أو الإجراءات، بل أن تستحضر الرسالة الجامعة التي اجتمعوا عليها أول مرة، وتتذكر الغايات التي جعلت اختلاف الوسائل أمرًا محتملًا لا سببًا للقطيعة. وعندما تستعيد النفوس هذا الأفق المشترك، تتضاءل المسافات التي صنعتها الخلافات، ويصبح التنازل عن بعض الاجتهادات ثمنًا يسيرًا في سبيل المحافظة على المشروع الأكبر.

أما المرحلة الثالثة فتتمثل في بناء قواعد جديدة للعمل المشترك، يشارك الجميع في صياغتها، حتى تتحول الشورى من ممارسة موسمية إلى ثقافة مؤسسية. فالميثاق الذي يسهم الجميع في كتابته يكون أكثر رسوخًا من أي تعليمات مفروضة، لأنه يعبر عن إرادة جماعية ارتضت أن يكون الاحتكام إلى الشورى أصلًا ثابتًا، وأن يكون احترام مخرجاتها التزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون واجبًا تنظيميًا.

وعندما تستقر هذه الثقافة في وجدان الأفراد، تتغير طبيعة العلاقة داخل الكيان. تتراجع هواجس الإقصاء، ويحل محلها الاطمئنان إلى عدالة المشاركة، وتذبل بذور الشك لتحل محلها روح التناصح والتكامل. ويصبح الاختلاف مصدرًا للإثراء لا سببًا للتنازع، لأن الجميع يدرك أن وحدة الصف لا تعني تطابق العقول، وإنما حسن إدارة التنوع تحت سقف من الاحترام والثقة.

إن الكيانات التي تجعل الشورى جزءًا من بنيتها التربوية لا تخشى الخلاف؛ لأنها تمتلك أدوات احتوائه قبل أن يتحول إلى انقسام. فالشورى ليست علاجًا يُستدعى بعد وقوع الأزمة فحسب، بل هي وقاية دائمة تحفظ العلاقات من التآكل، وتجدد الثقة كلما ضعفت، وتبقي الأبواب مفتوحة أمام الحوار مهما اشتدت العواصف.

وعندما تصبح الشورى ثقافة راسخة لا مجرد إجراء، تستعيد الصفوف تماسكها، ويغدو اختلاف الآراء مصدرًا للقوة لا للوهن، ويعود الكيان إلى حركته الطبيعية، متماسك البنيان، متنوع العقول، موحد الوجهة، يجمع أبناءه هدف واحد، وتحرس مسيرته قيم المودة، والعدل، والرحمة.