أطلقت لجان إعلامية تابعة لقائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في مصر دعوات لتحويله إلى ملك، بعد 74 عاما من إسقاط الملكية، بالتزامن مع مطالب بتعديل الدستور بعد 2030، بما كشف مسارا منظما لاختبار قبول استمرار الحاكم بلا سقف زمني.
وفي المقابل، أثارت تلك الدعوات رفضا واسعا، لأنها لا تناقش شكلا دستوريا مجردا، بل تحاول منح شخص واحد سلطة ممتدة، بينما يعاني المصريون من أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة صنعتها سنوات الحكم الفردي وغياب المحاسبة.
وبحسب تسلسل الوقائع، بدأت الحملة بمطالبات لكتابة دستور جديد يتواكب مع ما سماه أصحابها طموحات الجمهورية الجديدة، قبل أن تنتقل إلى شعارات التمديد حتى يوم الدين، ثم إلى طرح السيسي ملكا على البلاد.
ومن اللافت أن الكاتب المعارض بلال فضل سبق هذه الحملة بطرح ساخر دعا فيه إلى تنصيب السيسي ملكا غير دستوري، لكن السخرية تحولت سريعا إلى وجهة نظر تتبناها صفحات موالية وتقدمها باعتبارها مطالبة شعبية.
دعوات تختبر المجتمع
في البداية، نشرت صفحة صقور المخابرات المصرية صورة للسيسي مرتديا زيا ملكيا، وادعت وجود مطالبات شعبية بإعلان الملكية وتعيينه ملكا، وهو ما اعتبره مراقبون بالون اختبار لتهيئة الرأي العام لتعديلات دستورية جديدة.
بعد ذلك، طرح رئيس محكمة الاستئناف خالد القاضي يوم 13 يوليو فكرة إعداد دستور جديد، ثم كرر رئيس حزب المصريين الأحرار عصام خليل الدعوة يوم 21 يوليو، بما عزز الشكوك حول حملة مرتبة.
وفي السياق نفسه، أطلق برلمانيون وقيادات شرطية وشخصيات تقدم نفسها إعلاميا الحملة الوطنية لدعم الرئيس للإعلام السياسي، مطالبين بتعديل الدستور تحت شعارات الاستقرار والتنمية، بينما انصب جوهر التحرك على إبقاء السيسي بعد عام 2030.
وعلى هذا الأساس، تبدو الحملة امتدادا لتعديلات عام 2019، التي رفعت المدة الرئاسية من 4 إلى 6 سنوات، ومنحت السيسي عامين إضافيين وولاية ثالثة، لكنها تسعى هذه المرة لتجاوز أي سقف دستوري متبق.
ومن ثم، لا تبدو دعوات الملكية منفصلة عن مسار التمديد، بل صيغة أكثر صراحة لطرح الفكرة ذاتها، وهي تحويل منصب الرئيس إلى سلطة دائمة، مع تغليف استمرار الحاكم بشعارات الاستقرار والخوف من المجهول.
إلى جانب ذلك، يمثل الانتقال من تعديل الدستور إلى تنصيب السيسي ملكا تصعيدا متعمدا في سقف الخطاب، يسمح للموالين بطرح أقصى السيناريوهات، ثم تقديم تمديد الولاية لاحقا باعتباره حلا أقل تطرفا وأكثر قابلية للقبول.
وبالتالي، يؤدي طرح الملكية وظيفة مزدوجة، فهو يختبر رد فعل الشارع من جهة، ويعيد صياغة النقاش من جهة أخرى، بحيث يصبح السؤال حول شكل بقاء السيسي، بدلا من مناقشة رحيله عند انتهاء ولايته.
رؤية الحاكم المطلق
ويرى السياسي المصري رضا فهمي أن المشكلة ليست في الاختيار بين النظام الملكي أو الجمهوري، بل في نموذج حكم يجعل الحاكم فوق المؤسسات، ويعامله باعتباره منقذا لا تخضع سلطته للتداول أو المراجعة الشعبية.
وبحسب فهمي، يمثل السيسي نموذجا فجّا للحاكم الإله الذي يرى نفسه رسولا للعناية الإلهية، لذلك تبدو فكرة الرحيل أو تداول السلطة بعيدة عن تصوره، بينما تتولى الأبواق المحيطة به صناعة مبررات البقاء الأبدي.
وفي الوقت ذاته، أشار فهمي إلى المفارقة السوداء في احتفال السيسي بذكرى حركة يوليو التي أطاحت بالملك، ثم خروج مؤيدين له للمطالبة بإعادته ملكا، بما يكشف تناقض الخطاب الرسمي مع غاية الاحتفاظ بالسلطة.
ومن ناحية أخرى، ربط فهمي هذه الدعوات بحالة الغليان في المنطقة، معتبرا أن الأزمات التي أنتجها النظام أكبر من قدرته على معالجتها، وأن مصر مرشحة لتحولات مفاجئة بفعل الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي المتزايد.
وبالتوازي، اعتبرت الكاتبة الصحفية مي عزام توقيت الحديث عن تعديل الدستور نوعا من الغباء، لأن طرح تمديد الحكم مبكرا وسط اضطرابات إقليمية وأزمات داخلية يعكس انفصال مؤيدي السلطة عن مزاج المصريين.
وعلى الجانب الآخر، ظهرت بوادر رفض ميداني عندما أطلق ناشط من حملة 300 هتافا ضد السيسي من ميدان التحرير، ودعا المصريين إلى المشاركة في يوم الكرامة، في مقابل حملات التمديد المنظمة.
وفوق ذلك، يظهر أحمد الطنطاوي، منافس السيسي في انتخابات عام 2024، استعدادا مبكرا لاستحقاق عام 2030، بعدما نشر حزب تيار الأمل مادة تشيد بقدراته، بما يؤكد وجود بدائل ترفض إغلاق المجال الانتخابي.
وبذلك، تزداد حساسية دعوات التمديد والملكية، لأنها تأتي بينما تحاول قوى معارضة الحفاظ على احتمال التنافس في عام 2030، في حين تسعى الدوائر الموالية إلى حسم مستقبل الرئاسة قبل موعد الانتخابات بأربع سنوات.
بدائل دستورية مطروحة
وفي قراءة مختلفة، طرح الإعلامي حافظ الميرازي الملكية الدستورية بوصفها وسيلة للخروج من الحكم العسكري المطلق، مؤكدا أن تحويل رئيس عسكري إلى ملك لن يصنع استقرارا، وأن الحل يكمن في ملك رمزي وحكومة برلمانية.
وبناء على ذلك، رأى الأكاديمي عماد شاهين أن النظام البرلماني، سواء كان ملكيا دستوريا أو جمهوريا شرفيا، يفصل بين الدولة الثابتة والسلطة المتغيرة، ويمنع هوس البقاء مدى الحياة والتوريث غير المشروع للحكم.
وفي المقابل، رفض الكاتب المعارض شوقي عقل أي تعديل دستوري جديد، مؤكدا أن وجود السيسي تجاوز أصلا المدة التي حددها دستور عام 2014 قبل تعديلات 2019، وداعيا إلى حملة لرفض التمديد.
وكذلك، قال الناشط عصام لالا إن السيسي حصل بالفعل على تمديد من 8 إلى 16 عاما، وإن المطالبات الجديدة تصادر حق الشعب في الاختيار، وتتناقض مع تعهداته السابقة بالاكتفاء بمدتين واحترام الدستور.
ومن داخل معسكر التأييد السابق، رفض الكاتب عماد جاد تعديل الدستور لمصلحة شخص، مؤكدا أن الوثيقة الدستورية تنظم الحقوق والمدد الرئاسية، وطالب بفتح انتخابات عام 2030 أمام عدة مرشحين وتعيين نواب للرئيس.
وعلى نحو مماثل، وصف الكاتب محمود عمارة مصر بمركب مائل يوشك على الغرق، وطالب السيسي بالالتزام بالدستور والإفراج عن سجناء الرأي وتشكيل حكومة اقتصادية، مع الاكتفاء بالإشراف خلال سنواته المتبقية.
إضافة إلى ذلك، اقترح عمارة تعيين مدير المخابرات حسن رشاد نائبا للرئيس، وتشكيل حكومة بصلاحيات كاملة تركز على التصنيع والتصدير والتشغيل، في إشارة إلى اتساع المخاوف داخل دوائر التأييد من استمرار النهج الحالي.
وعليه، لا يأتي رفض التمديد من المعارضين وحدهم، بل يمتد إلى شخصيات أيدت السيسي سابقا، ثم باتت ترى أن المساس بالدستور يهدد الدولة نفسها، ويفاقم مخاطر الانهيار بدلا من تحقيق الاستقرار المزعوم.
مخاطر التمديد والملكية
وفي الجانب الاقتصادي، حذر مراقبون من أن غياب تداول السلطة يرفع مخاطر الاستثمار ويضعف ثقة المؤسسات المالية ورؤوس الأموال، لأن المستثمر يفضل بيئة تحكمها قواعد ثابتة لا ترتبط ببقاء شخص واحد.
وعلاوة على ذلك، تضر الدعوات الملكية بصورة الدولة أمام المؤسسات الدولية، لأنها توحي بأن الدستور قابل لإعادة التفصيل كلما اقتربت نهاية ولاية الحاكم، وأن مؤسسات الحكم عاجزة عن إنتاج انتقال منظم وآمن.
وفي هذا الإطار، تساءل الكاتب مجدي الحداد عما إذا كانت القصور الرئاسية قد بنيت تمهيدا للتوريث، معتبرا الدعوات صناعة أمنية لتكريس الاستبداد، ومطالبا بمحاسبة من ينتهكون المادة الأولى من الدستور.
ومن جهة أخرى، طالب رئيس شركة البلا طابا للبلاستيك علي مصطفى الدبيكي السيسي باحترام الدستور، مؤكدا أن قوة الدولة لا تأتي من استمرار الأشخاص، بل من مؤسسات راسخة وقواعد مستقرة تحمي الجميع.
لذلك، تبدو حملة الملكية محاولة لتغيير طبيعة النقاش من سؤال رحيل السيسي في عام 2030 إلى سؤال شكل بقائه، بحيث يصبح استمرار الرجل أمرا مفروغا منه، ويقتصر الجدل على التسمية والصيغة الدستورية المناسبة.
كما أن تصوير التمديد باعتباره ضمانة للاستقرار يتجاهل أن الحكم الممتد نفسه أنتج أزمات الدين والغلاء وتراجع الخدمات، وأن ربط الدولة بشخص واحد يجعل انتقال السلطة أكثر خطورة كلما طال بقاؤه في الحكم.
وفي المحصلة، تكشف الدعوات أن معركة عام 2030 بدأت مبكرا، وأن دوائر موالية تختبر المجتمع تدريجيا عبر شعارات التمديد والخلود والملكية، بينما تتسع جبهة الرفض حتى بين مؤيدين سابقين يخشون انهيار الدولة.
وأخيرا، لا يتعلق الخلاف بعودة تاج أو تغيير اسم النظام، بل بحق المصريين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم، وبمنع تحويل الجمهورية إلى ملكية شخصية تتوارى خلف دستور جديد وشعارات مصنوعة عن الاستقرار.

