أثارت نتائج لجنة بمدرسة فاقوس الرسمية للغات في محافظة الشرقية جدلا واسعا، بعد تداول مجاميع تجاوزت 90% وحصول أحد طلابها على 320 من 320، ما دفع نوابا وناشطين للمطالبة بفحص مستقل.

 

وتعيد الواقعة كشف هشاشة الثقة في منظومة الثانوية العامة، بعدما تحولت درجات الطلاب إلى ساحة للشكوك والاتهامات، بينما تكتفي الوزارة بمراجعة داخلية وتجابه المطالبين بالشفافية بتهديدات قانونية لا تجيب عن الأسئلة الأساسية.

 

 

مجاميع تثير الشكوك

 

وبحسب النتائج المتداولة، حصل الطالب عبد الله محمود عمر، المقيد بمدرسة فاقوس الرسمية للغات، على الدرجة النهائية 320 من 320، وتصدر شعبة علمي علوم على مستوى الجمهورية بنسبة نجاح بلغت 100%.

 

وفي المقابل، لم ينصب الجدل على تفوق الطالب الأول وحده، وإنما على تداول نتائج أعداد كبيرة من زملائه داخل المدرسة واللجان المحيطة، بمجاميع تراوحت في أغلب المنشورات بين 90% و99%.

 

ومن جانبها، طالبت الناشطة شاهيناز الشاطر بفحص درجات اللجنة ومراجعة أوراق طلابها، معتبرة أن اجتماع هذه النسب المرتفعة بصورة لافتة يفرض تحقيقا يبدد الغموض ويحمي مبدأ المساواة بين جميع المتقدمين للامتحانات.

 

 

 

كذلك، سخر علوان من الأرقام المتداولة قائلا إن لجنة فاقوس تستحق الدراسة حتى تتعرف بقية اللجان على سر نجاحها، في إشارة ناقدة إلى صعوبة تفسير التجمع الاستثنائي للمجاميع المرتفعة داخل مكان واحد.

 

 

 

علاوة على ذلك، طالب النائب عماد الغنيمي بفتح تحقيق عاجل في النتائج، محذرا من أن ثبوت حصول جميع طلاب اللجنة على أكثر من 90% سيهدم تكافؤ الفرص ويطعن في نزاهة الثانوية العامة.

 

وبدوره، يرى الخبير التربوي حسن شحاتة أن النزاهة الامتحانية لا تتحقق بمجرد إعلان النتائج، وإنما تستلزم إجراءات رقابية قابلة للمراجعة، تكشف توزيع الدرجات وتفسر الحالات الإحصائية غير المعتادة دون اتهام الطلاب مسبقا بالغش.

 

وفي السياق نفسه، يعزز تركز الدرجات المرتفعة الحاجة إلى مقارنة أوراق الإجابات ونماذج التصحيح ومحاضر اللجان وكاميرات المراقبة، لأن التفوق الجماعي قد يكون مشروعا، لكنه يحتاج إلى أدلة موضوعية تحمي الطلاب والمنظومة معا.

 

وبالتالي، لا تكفي منشورات مواقع التواصل لإثبات وجود مخالفة، كما لا يجوز استخدامها لإدانة طلاب قد يكونون متفوقين بالفعل، غير أن غرابة المؤشرات تمنح الرأي العام حق المطالبة بمراجعة شفافة ومستقلة.

 

 

رواية الوزارة موضع اختبار

 

وأمام تصاعد الجدل، أعلنت وزارة التربية والتعليم أنها راجعت نتائج الطلاب المتداولة وسجلاتهم الدراسية السابقة، وخلصت إلى أنهم من المتفوقين منذ مرحلة التعليم الأساسي وخلال الصفين الأول والثاني من الثانوية العامة.

 

كما قالت الوزارة إنها فحصت الإجراءات المنظمة للامتحانات ومحاضر الغش والمخالفات داخل المدرسة، مؤكدة أن المراجعة لم ترصد حالات إخلال أو تسهيل جماعي، وأن النتائج المعلنة تعكس المستوى الحقيقي للطلاب.

 

غير أن البيان لم ينشر عدد الطلاب الذين شملتهم المراجعة، ولا التوزيع الكامل لمجاميع اللجنة، ولا صور محاضرها وتقارير المراقبة، وهو ما أبقى مساحة واسعة للتساؤل بشأن منهج التحقيق ودرجة استقلاله.

 

ومن ناحية أخرى، لوحت الوزارة باتخاذ إجراءات قانونية ضد من وصفتهم بمروجي الشائعات والمشككين في النتائج، وهو تهديد اعتبره منتقدون محاولة لإسكات النقاش العام بدلا من تقديم بيانات تفصيلية تحسم الجدل.

 

وفي تعليقه، قال الصحفي خالد محمود إن الواقعة تبدو أفضل من أن تصدق، مؤكدا أن سمعة المنظومة التعليمية أصبحت على المحك، وأن التحقيق المطلوب يجب أن تجريه لجنة مستقلة بعيدا عن مسؤولي الوزارة.

 

 

 

وأضاف محمود أن تهديد المشككين بالملاحقة القانونية يمثل ترهيبا معنويا للرأي العام، ولا سيما أن المطالبة بالتحقيق لم تصدر عن مستخدمي المنصات وحدهم، بل تبناها أعضاء في مجلس النواب بصورة رسمية.

 

وبحسب الخبير التربوي كمال مغيث، فإن الأزمات التعليمية المتكررة تتفاقم عندما تحتكر الجهة محل الانتقاد التحقيق في أعمالها، لأن استعادة ثقة الأسر تتطلب إتاحة المعلومات وإشراك جهات مستقلة في فحص الوقائع المثيرة للجدل.

 

وفضلا عن ذلك، فإن مراجعة تاريخ تفوق الطلاب لا تحسم وحدها سلامة الامتحانات الحالية، إذ يمكن للطالب المتفوق أن يحصل على درجات مرتفعة بصورة طبيعية، لكن ذلك لا يغني عن فحص ظروف اللجنة.

 

وعليه، كان بمقدور الوزارة إنهاء الجدل عبر نشر تقرير رقابي مفصل يوضح أعداد الممتحنين ومتوسط درجاتهم ونسب الحضور ومحاضر التفتيش، بدلا من الاكتفاء بتبرئة عامة مقرونة بتهديد كل من يطلب معلومات إضافية.

 

 

اتهامات بالغش والاعتداء

 

وفي تطور مواز، نشرت منصة مزيد رواية تفيد بتعرض معلمة للاعتداء بعدما رفضت السماح بالغش، وربطت الواقعة بخروج صاحب المركز الأول على الجمهورية من فاقوس، دون تقديم نتائج تحقيق رسمي تثبت الصلة بين الواقعتين.

 

 

 

وعلى صعيد آخر، تساءل إبراهيم عن تشابه ما يجري مع وقائع لجان أثارت الشبهات في محافظات أخرى، معتبرا أن اختبار حقيقة المجاميع يبدأ لاحقا داخل الجامعات عندما يواجه الطلاب امتحانات أكثر صرامة.

 

 

 

لكن ربط نتائج الثانوية العامة برسوب طلاب جامعيين لاحقا لا يصلح دليلا قانونيا على الغش، لأن الأداء الأكاديمي يتأثر بعوامل متعددة، وإن كان يكشف خطورة منح درجات لا تعكس القدرات الحقيقية للطلاب.

 

وفي تقدير الخبير التربوي رضا مسعد، الرئيس الأسبق لقطاع التعليم العام، تتطلب مواجهة الغش منظومة متكاملة تشمل اختيار رؤساء اللجان والمراقبين، وتأمين الأسئلة، وضبط وسائل الاتصال، والتحقيق الفوري في أي مؤشرات غير معتادة.

 

إلى جانب ذلك، يتعين حماية الطلاب الواردة أسماؤهم من حملات التشهير، لأن مجرد الوجود داخل لجنة مثيرة للجدل لا يثبت ارتكاب مخالفة، كما يجب حماية المعلمين الذين يبلغون عن محاولات الغش أو الضغوط.

 

ومع ذلك، لا يمكن مطالبة المصريين بالثقة العمياء في نتائج غير معتادة، بينما ترفض الوزارة نشر تفاصيل مراجعتها، خصوصا أن الثانوية العامة تحدد فرص الالتحاق بالكليات وتعيد توزيع مستقبل مئات الآلاف من الطلاب.

 

وفي المحصلة، يصبح تشكيل لجنة مستقلة تضم خبراء قياس وتقويم وجهات رقابية وقانونية هو المسار الأكثر عدالة، على أن تفحص أوراق الإجابات ومحاضر اللجان وبيانات الدرجات دون افتراض مسبق بالإدانة أو البراءة.

 

وأخيرا، لا تختبر واقعة فاقوس نزاهة لجنة واحدة فقط، بل تختبر استعداد وزارة التعليم لمواجهة الشكوك بالشفافية، لأن حماية المتفوقين الحقيقيين تبدأ من تحقيق علني، لا من التهديد والصمت وترك المجتمع للاتهامات.