لم تعد شركة OpenAI تكتفي بقيادة ثورة الذكاء الاصطناعي من خلال النماذج اللغوية المتقدمة، بل تتجه بخطى متسارعة إلى اقتحام سوق الأجهزة الذكية، في خطوة قد تعيد تشكيل المنافسة داخل قطاع التكنولوجيا العالمي، وتضعها في مواجهة مباشرة مع عملاق الصناعة آبل.
وتشير تقارير تقنية حديثة إلى أن الشركة تعمل على تطوير منظومة متكاملة من الأجهزة الذكية تشمل هاتفًا يعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي، وسماعة منزلية متطورة، إضافة إلى نظارات ذكية وسماعات أذن وأجهزة منزلية جديدة، مستفيدة من خبرات المصمم الأسطوري جوني آيف، الذي قاد تصميم أشهر منتجات آبل لعقود.
ويأتي هذا التوسع بعد صفقة استحواذ ضخمة على شركة io Products، إلى جانب استقطاب مئات المهندسين والمصممين الذين عملوا سابقًا داخل آبل، وهو ما يراه مراقبون بداية مرحلة جديدة من المنافسة قد تتجاوز البرمجيات إلى السيطرة على مستقبل الأجهزة الذكية نفسها.
سماعة ذكية تتجاوز مفهوم المساعد الصوتي
بحسب التقارير، سيكون أول منتجات OpenAI جهازًا منزليًا ذكيًا محمولًا يخلو تمامًا من الشاشة، لكنه يعتمد بصورة كاملة على تقنيات الذكاء الاصطناعي التفاعلي.
ولا تستهدف الشركة تقديم مساعد صوتي تقليدي، وإنما جهازًا قادرًا على التفاعل مع المستخدم بصورة طبيعية، وفهم البيئة المحيطة به، والتكيف مع عاداته اليومية، ليصبح أقرب إلى رفيق شخصي داخل المنزل.
ويتميز الجهاز ببطارية تسمح بنقله بين الغرف، إلى جانب كاميرا تساعده على إدراك محيطه، فضلاً عن مكونات ميكانيكية متحركة تمنحه مظهرًا أكثر حيوية أثناء التفاعل مع المستخدم.
كما يعتمد على تقنيات ChatGPT و GPT Live لإجراء محادثات صوتية فورية، وتنفيذ الأوامر، والتحكم في الأجهزة المنزلية الذكية، وتشغيل الوسائط، والرد على الرسائل، مع تطوير أسلوبه وشخصيته تدريجيًا وفقًا لطريقة استخدام صاحبه.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن OpenAI لا تعتبر أجهزة HomePod المنافس المباشر لهذا المنتج، لأن فلسفة التصميم والاستخدام تختلف جذريًا عن مفهوم السماعات الذكية التقليدية.
ومن المتوقع طرح الجهاز في الأسواق خلال النصف الأول من عام 2027، بسعر يتراوح بين 200 و300 دولار.
هاتف يعتمد على الذكاء الاصطناعي بدلاً من التطبيقات
وفي الوقت نفسه، تعمل الشركة على مشروع أكثر طموحًا يتمثل في تطوير هاتف جديد يحمل اسم AI Agent Phone، يقوم على مفهوم مختلف تمامًا عن الهواتف الحالية.
وبحسب المحلل التقني المعروف مينج-تشي كيو، فإن الهاتف لن يعتمد على التطبيقات المنفصلة بالشكل التقليدي، بل سيستخدم واجهة ذكية مستمرة تعمل كوكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على فهم احتياجات المستخدم وسياقه اللحظي.
ويهدف الهاتف إلى متابعة نشاط المستخدم وموقعه واتصالاته بصورة متكاملة، بما يسمح للذكاء الاصطناعي بتنفيذ المهام المختلفة دون الحاجة إلى التنقل بين التطبيقات أو إدخال الأوامر بصورة متكررة.
ويرى خبراء أن هذا التوجه قد يمثل تحولًا جذريًا في طريقة استخدام الهواتف الذكية إذا نجحت OpenAI في تنفيذه عمليًا.
مواصفات تقنية متقدمة
تكشف المعلومات المسربة أن الهاتف سيعتمد على معالج مخصص من شركة MediaTek، وهو Dimensity 9600، المصنع باستخدام تقنية N2P من شركة TSMC، وهي التقنية نفسها التي يُتوقع أن تستخدمها آبل في الجيل المقبل من معالجاتها.
كما ستتولى شركة Luxshare عملية تجميع الهاتف، بينما ستوفر شركة Sunny Optical مكونات الكاميرات.
وسيضم الجهاز معالجًا متطورًا لإشارات الصور يدعم معالجة HDR المحسنة، إلى جانب معالجين مستقلين للذكاء الاصطناعي، أحدهما متخصص في معالجة الرؤية الحاسوبية، والآخر في معالجة اللغة، بما يسمح للجهاز بفهم البيئة المحيطة والاستجابة لها في الوقت نفسه.
وتشير التقديرات إلى أن موعد الإنتاج جرى تقديمه إلى النصف الأول من عام 2027، مع توقعات بشحن نحو 30 مليون وحدة خلال أول عامين من الإطلاق إذا سارت الخطط كما هو مخطط لها.
منظومة متكاملة من الأجهزة الذكية
ولا تقتصر طموحات OpenAI على الهاتف والسماعة المنزلية، إذ تشير التسريبات إلى أنها تطور مجموعة أوسع من المنتجات تشمل:
- نظارات ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
- سماعات أذن بقدرات تفاعلية متقدمة.
- أجهزة منزلية ذكية جديدة.
- منتجات تعتمد على مفهوم "الوكيل الذكي" في الحياة اليومية.
وتهدف الشركة إلى بناء منظومة مترابطة من الأجهزة والبرمجيات تعمل معًا بصورة سلسة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في مختلف تفاصيل الاستخدام اليومي.
جوني آيف يقود التصميم
ويعد انضمام المصمم البريطاني الشهير جوني آيف أحد أبرز عناصر المشروع الجديد، بعدما ارتبط اسمه بتصميم أجهزة أيقونية مثل iPhone وiMac وiPod خلال سنوات عمله في آبل.
وتسعى OpenAI للاستفادة من خبرته في تصميم أجهزة تعتمد على البساطة وسهولة الاستخدام، مع دمج الذكاء الاصطناعي في قلب تجربة المستخدم بدلاً من اعتباره مجرد ميزة إضافية.
ويرى محللون أن وجود آيف يمنح الشركة فرصة حقيقية لتقديم أجهزة مختلفة من حيث التصميم والفلسفة، وليس فقط من حيث المواصفات التقنية.
استحواذات وتوظيفات بمليارات الدولارات
وجاء هذا التوسع بعد استحواذ OpenAI على شركة io Products في صفقة بلغت قيمتها نحو 6.5 مليار دولار، وهي واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ الشركة.
كما كثفت الشركة حملات التوظيف، واستقطبت أكثر من 400 موظف ومهندس سابق من آبل، بينهم مسؤولون عن تطوير منتجات الرؤية المختلطة والتصميم الصناعي، وهو ما اعتبره مراقبون نزيفًا ملحوظًا للكفاءات داخل الشركة الأمريكية.
آبل تتحرك لحماية موظفيها
في المقابل، لم تقف آبل مكتوفة الأيدي أمام هذا التحرك.
فبحسب التقارير، قدمت الشركة مكافآت احتفاظ وصلت إلى 400 ألف دولار على هيئة أسهم لبعض أعضاء فرق تطوير هواتف آيفون، في محاولة للحفاظ على الكفاءات ومنع انتقالها إلى المنافس الجديد.
كما دخل الطرفان في نزاع قانوني، إذ رفعت آبل دعوى تتهم OpenAI بالحصول على أسرار تجارية مرتبطة بعمليات تطوير الأجهزة، وهو ما أدى، وفق التقارير، إلى إبطاء بعض خطوات OpenAI في التعاقد مع الموردين واستكمال عمليات التصنيع.
سباق جديد على مستقبل الأجهزة الذكية
في الوقت ذاته، تعمل آبل على تطوير منتجات منافسة تشمل نظارات ذكية وسماعات AirPods مزودة بكاميرات، إضافة إلى جهاز منزلي ذكي جديد، في محاولة للحفاظ على موقعها في سوق الأجهزة المتصلة بالذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء الصناعة أن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد واحدة من أقوى المنافسات في تاريخ التكنولوجيا، حيث لم يعد السباق يدور حول تطوير الهواتف أو الحواسيب فقط، بل حول بناء منظومات متكاملة يكون الذكاء الاصطناعي فيها هو المحرك الأساسي لتجربة المستخدم، وهو ما قد يغير شكل الأجهزة الرقمية وطريقة استخدامها خلال العقد المقبل.

