رغم أن فصل الصيف يرتبط في أذهان الكثيرين بارتفاع درجات الحرارة وتراجع أمراض الشتاء، فإن الواقع يكشف أن نزلات البرد والعدوى الفيروسية لا تقتصر على الأشهر الباردة، بل تصيب ملايين الأشخاص خلال فصل الصيف أيضًا، في ظاهرة يفسرها الأطباء بمجموعة من العوامل المرتبطة بالعادات اليومية والتغيرات المفاجئة في درجات الحرارة، وليس بسبب الطقس الحار نفسه.

 

ويؤكد متخصصون أن الإصابة بنزلات البرد في الصيف أصبحت من المشكلات الصحية الشائعة، خاصة مع الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، والإفراط في تناول المشروبات المثلجة، والانتقال المتكرر بين الأجواء الحارة والباردة، وهي عوامل قد تؤثر في كفاءة الجهاز المناعي وتزيد من فرص الإصابة بالفيروسات التنفسية.

 

الانتقال المفاجئ بين الحرارة والبرودة

 

أوضحت الطبيبة الروسية سفيتلانا بورناتسكايا أن الانتقال السريع من درجات حرارة مرتفعة إلى أماكن مكيفة بدرجات منخفضة يعد من أكثر الأسباب التي تفسر زيادة حالات الإصابة بنزلات البرد خلال الصيف.

 

وأشارت إلى أن الجسم يحتاج إلى وقت للتكيف مع هذا التغير المفاجئ، فعندما ينتقل الشخص من أجواء تصل فيها الحرارة إلى 35 درجة مئوية إلى غرفة لا تتجاوز حرارتها 18 أو 20 درجة، يتعرض الجهاز التنفسي لتغيرات قد تؤثر في كفاءة الأغشية المخاطية الموجودة في الأنف والحلق.

 

وأضافت أن الهواء البارد لا يحمل الفيروسات ولا يسبب العدوى بشكل مباشر، لكنه قد يضعف قدرة الأغشية المخاطية على أداء دورها الدفاعي، ما يجعل الفيروسات الموجودة في البيئة المحيطة أكثر قدرة على اختراق الجسم وإحداث العدوى.

 

مشروبات مثلجة وسباحة في المياه الباردة

 

ولفتت الطبيبة إلى أن العادات اليومية خلال الصيف قد تلعب دورًا مهمًا في زيادة فرص الإصابة بنزلات البرد، ومن أبرزها تناول المشروبات شديدة البرودة مباشرة بعد التعرض لدرجات حرارة مرتفعة.

 

كما أن السباحة لفترات طويلة في مياه باردة بعد التعرض لأشعة الشمس والحرارة الشديدة قد تؤدي إلى انخفاض مفاجئ في حرارة الجسم، وهو ما قد ينعكس سلبًا على كفاءة الجهاز المناعي ويزيد احتمالات الإصابة بالأمراض الفيروسية.

 

وأضافت أن التعرض المباشر والمستمر لهواء أجهزة التكييف، خاصة عندما يكون موجهًا إلى الوجه أو الرقبة، قد يساهم أيضًا في حدوث هذا التأثير.

 

هل التكييف هو السبب الحقيقي؟

 

ورغم الاعتقاد السائد بأن أجهزة التكييف تنقل العدوى، تؤكد بورناتسكايا أن المكيفات ليست مصدرًا للفيروسات في حد ذاتها، طالما يتم تنظيفها وصيانتها بصورة منتظمة.

 

لكنها أوضحت أن المشكلة تظهر عندما تتراكم الأتربة داخل الفلاتر أو تهمل أعمال الصيانة، حيث قد تتحول الأجهزة إلى بيئة مناسبة لتجمع الغبار ومسببات الحساسية وبعض الكائنات الحية الدقيقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وزيادة احتمالات الإصابة بالمشكلات الصحية.

 

كما أن الهواء الجاف الناتج عن تشغيل أجهزة التكييف لفترات طويلة قد يتسبب في جفاف الأغشية المخاطية داخل الأنف والحلق، وهو ما يقلل من قدرتها الطبيعية على مقاومة الفيروسات والبكتيريا.

 

الحرارة المرتفعة قد تضعف المناعة

 

ويشير عدد من خبراء الصحة إلى أن التعرض المستمر لدرجات حرارة مرتفعة قد يفرض ضغوطًا كبيرة على الجسم، خاصة على القلب والأوعية الدموية، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على كفاءة الجهاز المناعي.

 

ويؤكد الخبراء أن الإجهاد الحراري قد يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى الفيروسية، خصوصًا إذا ترافق مع قلة النوم، أو نقص السوائل، أو سوء التغذية، وهي عوامل شائعة خلال أشهر الصيف.

 

كيف يمكن الوقاية من نزلات البرد الصيفية؟

 

ينصح الأطباء بعدم المبالغة في خفض درجة حرارة أجهزة التكييف، بحيث يكون الفرق بين حرارة الخارج والداخل معتدلًا، مع تجنب التعرض المباشر لتيار الهواء البارد.

 

كما يوصون بتنظيف فلاتر المكيفات بصورة دورية، وشرب كميات كافية من المياه، وعدم الإفراط في تناول المشروبات شديدة البرودة بعد التعرض لأشعة الشمس، إضافة إلى الحفاظ على نظام غذائي متوازن يدعم الجهاز المناعي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

 

ويؤكد المختصون أن نزلات البرد في الصيف ليست أمرًا نادرًا، لكنها غالبًا ما ترتبط بعوامل يمكن تجنبها بسهولة من خلال اتباع عادات صحية بسيطة تقلل من فرص الإصابة وتحافظ على كفاءة الجهاز المناعي طوال موسم الحر.