تدفع حسابات ولجان يصفها متابعون بأنها مرتبطة بالشؤون المعنوية وأجهزة أمنية حملة رقمية واسعة على منصات التواصل في مصر للمطالبة بإقالة حكومة مصطفى مدبولي، في محاولة يراها الخبراء لإعادة توجيه الغضب بعيداً عن مركز القرار.

 

وتكشف كثافة الرسائل المتشابهة أن النقاش لم يعد محصوراً في أداء الوزراء، بل امتد إلى سؤال أوسع حول من يصنع السياسات فعلياً، ومن يتحمل كلفة الغلاء والديون ورفع الأسعار حين تضيق مساحة المساءلة داخل مؤسسات الدولة.

 

غضب يتجاوز الحكومة

 

وبدايةً، ركزت الحملة على تصوير الحكومة باعتبارها الحلقة الأضعف التي يمكن استبدالها سريعاً، بينما بقيت قرارات الإنفاق والاقتراض والمشروعات الكبرى خارج دائرة النقد المباشر، وهو ما يراه معارضون محاولة لإنتاج مخرج شكلي للأزمة.

 

وفي السياق نفسه، قال خبير الاقتصاد مدحت نافع إن الحكومة لا تملك حلولاً حقيقية سوى زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية، معتبراً أنها تتحرك داخل اقتصاد فقير مثقل بالديون ويفتقر إلى بدائل قادرة على تخفيف الضغط عن المواطنين.

 

ومن جهة أخرى، انتقد طارق السارح أداء حكومة مدبولي، معتبراً أن استمرار رفع الأسعار وكلفة الخدمات يضعف المجتمع ويستهلك قدرته على الاحتمال، ويشغل المواطنين بمعارك المعيشة اليومية بدلاً من معالجة أسباب الأزمة الاقتصادية المتراكمة.

 

كذلك، هاجم عاطف محمود الوعود الحكومية المتكررة، ورأى أن الفجوة بين التصريحات والنتائج اتسعت إلى حد أفقد قطاعات من المواطنين الثقة في أي تعهد جديد، بينما تتزايد الأعباء من دون مؤشرات واضحة على تحسن مستوى المعيشة.

 

وفي المقابل، كتب شريف سرحان أن تهدئة الشارع لا يمكن أن تبدأ باختيار شخصيات منفصلة عن الواقع اليومي، داعياً إلى البحث عن مسؤولين يفهمون ضغوط الأسعار والدخل والخدمات، ويملكون خبرة عملية لا تعتمد فقط على التقارير الرسمية.

 

وفي الأثناء، واصل مصطفى مدبولي إدارة مهامه من مقر الحكومة الصيفي في العلمين الجديدة، مع اجتماعات وخطط ومبادرات جديدة، بينما يعتبر منتقدوه أن هذا النشاط المؤسسي لا يعالج مباشرة أثر موجات الغلاء والسياسات التقشفية على الأسر.

 

وعلى هذا الأساس، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن استمرار الإصلاح والمشروعات، وبين قطاعات شعبية ترى أن نتائج السياسات تظهر في فواتير الكهرباء وأسعار الغذاء وتكاليف النقل أكثر مما تظهر في مؤشرات الأداء المعلنة.

 

صلاحيات بلا استقلال

 

وبناءً على ذلك، قالت الصحفية رانيا بدوي إن المشكلة لا تتعلق باسم رئيس الوزراء بقدر ما تتعلق بحدود صلاحياته، موضحة أن مدبولي نفذ السياسات العليا، وأن تغيير الشخص من دون تغيير آلية القرار لن ينتج تحولاً حقيقياً.

 

 

ومن ثم، أعاد هذا الطرح النقاش إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة ورئاسة الجمهورية، إذ يرى منتقدون أن الوزراء يعملون داخل هامش ضيق، بينما تظل الاختيارات الاقتصادية الكبرى مرتبطة بتوجهات أعلى لا تخضع لمحاسبة تنفيذية مماثلة.

 

وفوق ذلك، دعا الإعلامي عمرو أديب، حال تغيير مدبولي، إلى اختيار شخصية تجمع الخبرة الاقتصادية والقدرة السياسية، وتمتلك برنامجاً وطنياً يوازن بين إنقاذ الاقتصاد وحماية المواطن، بدلاً من الاستسلام الكامل لوصفات صندوق النقد الدولي.
 

 

ومع ذلك، فإن مجرد تعيين اقتصادي معروف لن يضمن اختلاف المسار إذا بقيت أدوات القرار موزعة بالطريقة نفسها، لأن أي برنامج بديل يحتاج صلاحيات فعلية على الموازنة والاستثمار والاقتراض وأولويات الإنفاق، لا مجرد تغيير أسماء الوزراء.

 

وفي امتداد لذلك، يربط منتقدون الأزمة بسياسة توسع الدولة في المشروعات مرتفعة الكلفة بالتوازي مع تراكم الدين، بينما تتحمل الأسر نتائج التصحيح عبر زيادات متتابعة في الطاقة والخدمات والضرائب غير المباشرة وتراجع القدرة الشرائية.

 

ومن ناحية أخرى، قال الحقوقي نجاد البرعي إن هناك فرقاً بين إدارة الأزمة وحلها، معتبراً أن تحميل المواطنين ضغوطاً إضافية لا يمثل حلاً مستداماً، بل يؤجل الانفجار ويترك الأسباب الأساسية من دون معالجة جذرية.

 

 

وبالمثل، عرض حزب تكنوقراط مصر حالة سيدة مطلقة تعمل على مركبة صغيرة لأكثر من 12 ساعة يومياً، ثم حذفت من منظومة التموين بسبب امتلاكها المركبة، باعتبارها مثالاً على انفصال قواعد الاستحقاق عن الواقع المعيشي.
 

 

لهذا السبب، تتحول مسألة تغيير الحكومة عند كثيرين من سؤال أسماء إلى سؤال قواعد، لأن المواطن الذي يدفع ثمن الكهرباء والخبز والنقل لا يعنيه كثيراً من يجلس في مجلس الوزراء إذا استمرت السياسة ذاتها والنتائج ذاتها.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو المطالبة بصلاحيات أوسع لرئيس الوزراء مرتبطة أيضاً بالحاجة إلى رقابة أوضح، لأن منح السلطة دون مساءلة لا يصنع إصلاحاً، بينما تتطلب أي مرحلة جديدة شفافية في القرارات وتحديداً صريحاً للمسؤولية عن النتائج.

 

كبش فداء للأزمة

 

أما على مستوى الخطاب المعارض، فقد وصف الصحفي عبدالله ضيف الحديث الإعلامي المتكرر عن تغيير حكومة مدبولي بأنه غير كاف لامتصاص الاحتقان، ورأى أن الأزمة تتجاوز الحكومة إلى رأس السلطة وطبيعة المرحلة القائمة بأكملها.

 

 

وبالتوازي، كتب حساب خارج السرب أن البحث عن كبش فداء لفشل السياسات لن يصنع فارقاً، معتبراً أن استبدال مدبولي بوجه جديد سيبقي الأزمة قائمة ما دامت طريقة إدارة الدولة ومركزية القرار لم تتغير.

 

وفي الاتجاه ذاته، وصف حساب أنا إبراهيم التعديل المرتقب بأنه لعبة أخيرة لامتصاص غضب الشارع، موضحاً أن تغيير الأشخاص قد يمنح السلطة وقتاً قصيراً، لكنه يعيد المواطنين سريعاً إلى المشكلات نفسها إذا بقي النهج الاقتصادي دون تعديل.

 

إضافة إلى ذلك، رأى مصطفى أن تكرار الرسائل عن قرب رحيل مدبولي يهيئ الرأي العام لقبول حكومة جديدة وانتظار نتائجها، بما يمنح النظام مساحة لتهدئة الغضب، قبل أن تعود الأزمة إلى الواجهة عند استمرار السياسات ذاتها.

 

وعلى نحو مشابه، اعتبر حساب نيفو دوك أن مدبولي قد يتحول إلى كبش فداء يتحمل إخفاقات مرحلة كاملة، مؤكداً أن الحكومة تنفذ توجهات مقررة سلفاً، وأن المشروعات الكبرى ارتبطت مباشرة برؤية رئيس الجمهورية.

 

 

وبينما يتصاعد هذا الجدل، تساءل خالد الهلالي عن جدوى تغيير الحكومة أو البرلمان إذا بقيت الأزمات بلا استجابة جادة، في تعبير عن فقدان الثقة في قدرة التعديلات المؤسسية المحدودة على تغيير مسار اقتصادي يضغط على المواطنين.

 

وفي الوقت نفسه، كتب معتز عسل أن استمرار الوجوه الحالية مع تفاقم المعاناة أضعف ثقة قطاعات من المصريين، معتبراً أن الغضب لم يعد موجهاً إلى وزارة بعينها، بل إلى منظومة يرى المواطن آثارها في تفاصيل حياته اليومية.

 

 

وأخيراً، يواصل الخطاب الرسمي التأكيد على استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي وتعزيز المخزون الاستراتيجي وإطلاق مشروعات جديدة، لكن منتقدين يرون أن معيار النجاح الحقيقي يبقى في قدرة الدولة على خفض الأعباء وتحسين الدخول، لا في تدوير المسؤولين.

 

وخلاصة المشهد، أن تغيير حكومة مدبولي قد يوفر للنظام فرصة لإعادة ترتيب الواجهة، لكنه لن يغلق ملف المسؤولية عن قرارات السنوات الماضية، ما لم يترافق مع تغيير فعلي في صناعة القرار والرقابة والأولويات الاقتصادية وحماية الفئات الأضعف.