شنّ النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، هجومًا واسعًا على ما وصفه بغياب المحاسبة السياسية عن مسؤولين أخفقوا في تحقيق المستهدفات الاقتصادية، معتبرًا أن الأزمة لا تتوقف عند وقائع الفساد المالي المباشر، وإنما تمتد إلى إهدار موارد الدولة وتحميلها مليارات الدولارات نتيجة قرارات وسياسات لم تحقق النتائج المعلنة.

 

ووضع فؤاد ملفات البنك المركزي والبترول والطاقة في صدارة حديثه عن ضياع الأموال وضعف الرقابة، مؤكدًا أن المسؤولية السياسية يجب ألا تقتصر على إثبات الاختلاس أو الاستيلاء على المال العام، بل ينبغي أن تشمل أيضًا من يفشل في تنفيذ الخطط ويترك الدولة تتحمل فاتورة اقتصادية متضخمة دون حساب، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مورد يمكن الحفاظ عليه.

 

 

 

استجواب طارق عامر ومعارك الرقابة

 

استعاد فؤاد بدايات تجربته البرلمانية عندما دخل مجلس النواب في سن الخامسة والثلاثين نائبًا مستقلًا، موضحًا أن واحدة من أبرز معاركه الرقابية بدأت بمعلومة وصلته عن صفقة مرتبطة بجدولة ديون داخل بنك حكومي، قبل أن تتحول المعلومة خلال أيام إلى ملف كامل من الوثائق والمستندات دفعه إلى تقديم استجواب ضد محافظ البنك المركزي الأسبق طارق عامر.

 

وأوضح أن تحركه بدأ بطلب إحاطة، قبل أن يتلقى لاحقًا مجموعة من المستندات التي رأى أنها تستوجب تصعيد الملف باستخدام أقوى الأدوات الرقابية المتاحة للنائب، مؤكدًا أن الاستجواب استوفى، من وجهة نظره، مقوماته القانونية والموضوعية، رغم أنه لم يصل إلى المناقشة الكاملة تحت قبة البرلمان.

 

وقال فؤاد إن ممارسته للرقابة لم تكن نابعة من خصومات شخصية، مشيرًا إلى أنه لم يتعرض لتهديد مباشر بسبب الاستجواب، وإن كان عدد من المقربين قد نصحوه بالابتعاد عن الملف، لكنه تمسك بما اعتبره واجبًا دستوريًا يرتبط بالقسم الذي أداه كنائب وبضرورة حماية المصلحة العامة.

 

كما تحدث عن لقائه بطارق عامر لاحقًا داخل البرلمان، موضحًا أن الخلاف ظل بالنسبة إليه متعلقًا بالسياسات والوثائق وليس بالمواقف الشخصية، وأن الرقابة البرلمانية الحقيقية تفترض القدرة على مساءلة أي مسؤول دون تحويل المسألة إلى خصومة خاصة.

 

وانتقد فؤاد بعض جوانب إدارة البنك المركزي خلال تلك الفترة، خاصة طريقة التعامل الإعلامي مع القضايا الاقتصادية، معتبرًا أن المنصب يتطلب قدرًا كبيرًا من التحفظ والدقة في اختيار التصريحات. وفي المقابل، رأى أن الإدارة الحالية برئاسة حسن عبد الله تتعامل بدرجة أكبر من الحذر والحصافة في التصريحات والقرارات، وإن كانت تتحمل، وفق رؤيته، جزءًا من تركة السياسات السابقة.

 

 

البترول والطاقة وفاتورة المليارات

 

ووضع فؤاد قطاع البترول في قلب حديثه عن إهدار الموارد وغياب المحاسبة، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تتمثل فقط في وجود فساد مالي بالمعنى الجنائي، وإنما في استمرار مسؤولين في مواقعهم رغم الإخفاق في تحقيق مستهدفات الإنتاج وما يترتب على ذلك من تحميل الدولة تكاليف ضخمة.

 

وأشار إلى أن فاتورة الطاقة السنوية وصلت، وفق الأرقام التي استند إليها، إلى نحو 42 مليار دولار، معتبرًا أن هذا الحجم من الإنفاق يكشف خطورة تراجع إنتاج الزيت والغاز، ويحول ملف الطاقة إلى أحد أهم مصادر الضغط على الاقتصاد واحتياجات الدولة من العملة الأجنبية.

 

وانتقد فؤاد ما وصفه بالمبالغة في الاهتمام الإعلامي داخل قطاع البترول، ساخرًا من كثافة التصوير والجولات والظهور بالملابس الميدانية في الوقت الذي يجب أن يكون فيه الحكم الأساسي على المسؤول من خلال أرقام الإنتاج وقدرة الوزارة على تحقيق المستهدفات المعلنة.

 

ولذلك أطلق فؤاد ساخرًا على وزارة البترول وصف «وزارة الإعلام»، في إشارة إلى ما يراه فجوة بين النشاط الإعلامي والنتائج الفعلية، مؤكدًا أن المواطن والاقتصاد لا يستفيدان من البيانات المتفائلة إذا انتهى الأمر بتراجع الإنتاج وزيادة فاتورة الاستيراد.

 

وتطرق إلى ملف شركة «بي بي»، قائلًا إنه سبق أن أثار معلومات عن تحركات تتعلق بأصول الشركة في مصر، وإن تلك المعلومات قوبلت بالنفي في البداية، قبل أن تظهر لاحقًا تقارير دولية عن مفاوضات لبيع بعض أصولها في البلاد إلى «إنرجيان». وكانت تقارير منشورة في أغسطس 2026 قد تحدثت بالفعل عن مفاوضات حصرية بشأن استحواذ «إنرجيان» على بعض أصول «بي بي» المصرية.

 

كما أثار فؤاد تساؤلات بشأن أوجه الإنفاق داخل قطاع البترول، متحدثًا عن استثناءات في المشتريات وسفر لجان مالية وفنية إلى الخارج لفترات ممتدة، ومعتبرًا أن القطاعات التي تدير مليارات الدولارات يجب أن تخضع إلى رقابة أكثر صرامة، لا أن تتحول شبكة المصالح والعلاقات المحيطة بها إلى حاجز أمام المساءلة.

 

 

غياب المحاسبة يراكم الأزمات

 

وربط فؤاد بين أزمات الاقتصاد وغياب ما سماه «المحاسبة السياسية للإخفاق»، معتبرًا أن الثقافة الإدارية السائدة تحاسب المسؤول إذا تورط في اختلاس أو جريمة مالية، لكنها لا تتعامل بالجدية نفسها مع مسؤول يفشل في تحقيق الأهداف التي تولى منصبه من أجلها.

 

وأوضح أن المشكلة الاقتصادية لا تكمن في غياب الخطط والشعارات، فقد شهدت السنوات الماضية إطلاق رؤى وبرامج وحوارات ومبادرات متعددة، لكن الأزمة، من وجهة نظره، تبدأ عندما لا تتحول تلك الخطط إلى نتائج قابلة للقياس، ولا يتحمل أحد مسؤولية عدم التنفيذ.

 

وانتقد فؤاد استمرار بعض المسؤولين في إطلاق الوعود دون وجود آلية واضحة لمحاسبتهم عند الإخفاق، معتبرًا أن غياب التقييم الجدي للكفاءة يسمح بتراكم الأخطاء وترحيل الأزمات من عام إلى آخر، بينما تتحمل الموازنة والمواطن في النهاية تكلفة القرارات غير الناجحة.

 

وطالب بتغيير حكومي واسع يفتح المجال أمام إدارة جديدة تلتزم بالمستهدفات والأرقام والجداول الزمنية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن تقييم المسؤولين بالنسبة إليه يجب أن يستند إلى النتائج وليس الانطباعات أو الحملات الإعلامية.

 

وفي تجربته الحزبية الحالية، قال فؤاد إن انتقاله من العمل الفردي إلى رئاسة الهيئة البرلمانية لحزب العدل منحه فرصة للعمل داخل فريق منظم، مؤكدًا أن الرقابة تصبح أكثر تأثيرًا عندما تستند إلى عمل مؤسسي ودراسات وبيانات بدلًا من تحركات فردية متفرقة.

 

واختتم فؤاد حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الإخفاق وإهدار الموارد تحتاج إلى برلمان يمارس أدواته الرقابية بفاعلية، ومواطنين يشاركون في الحياة العامة، مشددًا على أن استمرار العزوف يضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على الرقابة، بينما تبقى المحاسبة، وفق رؤيته، المدخل الأساسي لمنع تكرار الأخطاء واستنزاف مليارات جديدة دون نتائج حقيقية.