عادت فعاليات أكتوبر الوردي إلى العاصمة السودانية الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط واقع صحي مأساوي تعاني فيه النساء من انهيار الخدمات الطبية وصعوبة الحصول على العلاج.
وكشفت عودة مستشفى الذرة لعلاج الأورام عن حجم المعاناة التي خلفتها الحرب، بعدما تحولت رحلة العلاج إلى معركة يومية تواجه خلالها المريضات خطر المرض وانقطاع الأدوية والنزوح وتدمير المؤسسات الصحية.
أكتوبر الوردي يعود وسط الدمار
شهد مستشفى الخرطوم لعلاج الأورام، المعروف بمستشفى الذرة، استئناف فعاليات الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي، بعد سنوات من التوقف الذي فرضته الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وجاءت العودة وسط ظروف استثنائية، بعدما تعرضت البنية التحتية الصحية لأضرار جسيمة، وأصبحت المستشفيات التي يفترض أن تنقذ حياة المرضى عاجزة عن تقديم خدماتها بصورة منتظمة.
وفي مشهد يعكس مأساة القطاع الصحي السوداني، تحاول الكوادر الطبية استعادة الخدمات العلاجية داخل منشآت أنهكتها الحرب، بينما تواجه المريضات رحلة شاقة للوصول إلى الرعاية الطبية.
وقالت استشارية علاج الأورام الرضية جبريل إن المستشفى يحرص على استعادة دوره التوعوي، من خلال تنظيم حملات تستهدف نشر ثقافة الفحص المبكر والتعريف بأهمية المتابعة الطبية المنتظمة.
وأضافت أن فعاليات أكتوبر شملت برامج للتوعية بالفحص الذاتي والفحوصات الدورية، في محاولة لتشجيع النساء على الاهتمام بصحتهن رغم الأوضاع الأمنية والإنسانية الصعبة.
وأوضحت أن استئناف العمل أدخل الفرحة إلى نفوس المريضات، خصوصًا اللواتي نجحن في مواصلة العلاج والوصول إلى مرحلة الشفاء بعد رحلة طويلة من المعاناة.
لكن هذه الفرحة لا تحجب المأساة الأكبر، فهناك مريضات فقدن سجلاتهن الطبية ودفاتر المتابعة خلال النزوح والاضطرابات، ما جعل استكمال العلاج أكثر تعقيدًا.
وأدى ضياع تلك السجلات إلى صعوبات إضافية أمام الأطباء في متابعة التاريخ العلاجي لبعض المريضات، وسط ظروف تفتقر فيها المؤسسات الصحية إلى الاستقرار والإمكانات اللازمة.
وبحسب الرضية جبريل، يستقبل المستشفى يوميًا ما يتراوح بين 16 و17 حالة منذ انطلاق الفعاليات، تشمل الفحص المبكر والمتابعة الطبية، في مؤشر على استمرار الحاجة إلى خدمات الأورام.
كما فتح المستشفى أبوابه طوال أيام أكتوبر لإجراء الفحوصات مجانًا، في خطوة إنسانية تستهدف تخفيف الأعباء المالية عن النساء وتشجيعهن على الكشف المبكر.
غير أن توفير الفحوصات المجانية، رغم أهميته، لا يعالج وحده الأزمة الصحية المتفاقمة، ما دامت الحرب تهدد استمرار الخدمات الطبية وتعرقل وصول المرضى إلى العلاج.
الحرب تدمر فرص العلاج والنجاة
تسببت الحرب السودانية في تراجع كبير لقدرات المؤسسات الصحية على تقديم خدمات علاج السرطان، بعدما توقفت مراكز عديدة في الخرطوم، بينما واصلت منشآت أخرى العمل بإمكانات محدودة.
ومع استمرار القتال، تعرضت المنظومة العلاجية لضغوط متزايدة نتيجة انقطاع الأدوية ونزوح الكوادر الطبية وتضرر المرافق، ما حرم أعدادًا من المرضى من الحصول على الرعاية المنتظمة.
وأصبحت مريضات السرطان أمام أزمة مزدوجة، إذ لا يقتصر الخطر على تطور المرض، بل يمتد إلى العجز عن الوصول إلى المستشفيات واستكمال الجلسات العلاجية في مواعيدها.
وفي ظل هذه الظروف، تحول الانتقال إلى المراكز المتخصصة إلى تحدٍ قاسٍ، خصوصًا بالنسبة للنساء النازحات اللواتي فقدن منازلهن ومصادر دخلهن وشبكات الدعم الأسري.
كما ضاعفت الحرب الأعباء النفسية على المصابات، بعدما أصبح الخوف من المرض متداخلًا مع الخوف من العنف وانعدام الأمن والمستقبل المجهول.
والأشد قسوة أن تأخر اكتشاف سرطان الثدي قد يقلل فرص العلاج الناجح، وهو ما يجعل تراجع خدمات الفحص المبكر خطرًا صحيًا يتجاوز الأزمة الآنية.
وفي المقابل، يواصل العاملون في القطاع الطبي محاولاتهم لإحياء الخدمات الأساسية، رغم نقص الموارد والتحديات التي تعرقل استعادة القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية.
وأكدت ناهد فاروق، رئيسة قسم الأشعة العلاجية، أن عودة الفعاليات بعد سنوات التوقف تعكس التزامًا متجددًا بالتوعية الصحية وتحسين فرص التشخيص المبكر وتقديم الدعم المستمر للمرضى.
لكن استمرار تلك الجهود يظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات الطبية على العمل بأمان، وتوفير الأدوية والمستلزمات الضرورية لاستكمال العلاج دون انقطاع.
ومن هنا، تكشف معاناة مريضات السرطان وجهًا آخر للحرب السودانية، حيث لا تقتصر الخسائر على ضحايا المعارك، بل تمتد إلى المرضى الذين تهدد حياتهم تبعات انهيار الرعاية الصحية.
وتتحمل أطراف النزاع مسؤولية حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها، وضمان عدم تحول المستشفيات والمرضى إلى ضحايا إضافيين للحرب التي تستنزف البلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
مريضات السرطان بين الخوف والأمل
كشفت عبيدة آدم، العاملة بمعمل مستشفى الذرة، عن حالة القلق التي تصاحب النساء عند التوجه لإجراء الفحوصات، نتيجة الخوف من اكتشاف الإصابة بسرطان الثدي.
وأوضحت أن كثيرًا من السيدات يصلن إلى المستشفى وهن يعانين توترًا نفسيًا شديدًا، الأمر الذي يدفع العاملين إلى طمأنتهن وتوضيح أن إجراء الفحص لا يعني بالضرورة الإصابة.
وشددت على ضرورة توسيع برامج التوعية الصحية، حتى تدرك النساء أهمية الفحوصات الدورية، ويتراجع الخوف الذي قد يدفع بعضهن إلى تأجيل الكشف الطبي.
وفي بلد مزقته الحرب، تصبح التوعية بسرطان الثدي ضرورة مضاعفة، خصوصًا مع تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات المتخصصة وانشغال الأسر بتأمين احتياجاتها الأساسية.
ولا تقتصر أهمية أكتوبر الوردي على تنظيم الفعاليات والمحاضرات، بل تشمل ضرورة توفير مسارات علاج حقيقية ومستمرة للنساء اللواتي تكشف الفحوصات حاجتهن إلى الرعاية الطبية.
كما يتطلب تحسين الوضع الصحي دعم المؤسسات المتخصصة بالأدوية والمعدات الطبية، وإعادة تأهيل المراكز المتضررة، وتسهيل وصول المرضى إلى الخدمات دون تعريض حياتهم للخطر.
وفي الوقت نفسه، يحتاج القطاع الصحي السوداني إلى استعادة كوادره وإمكاناته، بعدما تسبب النزاع في تعطيل خدمات أساسية لا يمكن تعويضها بالحملات المؤقتة.
وتكشف تجربة مستشفى الذرة أن عودة مؤسسة طبية واحدة تستطيع بث الأمل في نفوس المرضى، لكنها تفضح أيضًا حجم الفراغ الذي خلفه توقف عشرات الخدمات العلاجية.
وبينما تستعيد بعض المريضات الأمل في التعافي، تبقى أخريات أمام مصير مجهول، بسبب صعوبات استكمال العلاج والتحديات التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.
والواقع أن نجاح أكتوبر الوردي في السودان لا ينبغي قياسه بعدد الفعاليات وحدها، وإنما بمدى قدرة النساء على الحصول على الفحص والعلاج والمتابعة بصورة آمنة ومنتظمة.
وفي النهاية، تحول أكتوبر الوردي من مناسبة عالمية للتوعية بسرطان الثدي إلى شهادة إنسانية على معاناة النساء السودانيات، اللواتي يواجهن المرض في بلد أنهكته الحرب وأضعفت مؤسساته الصحية.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كم مريضة أخرى ستفقد فرصة العلاج بسبب استمرار الحرب، وكم امرأة ستدفع حياتها ثمنًا لانهيار المستشفيات وانقطاع الأدوية وتأخر التشخيص؟.
فبين أنقاض الخرطوم وجدران مستشفى الذرة، لا تطالب النساء السودانيات بالمستحيل، وإنما بحق أساسي في الحياة والعلاج والأمان، بعيدًا عن حرب جعلت النجاة من المرض معركة أخرى.

