أطلق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الجلسات التحضيرية للموقع الإلكتروني الخاص بـ منتدى مصر 2026 تمهيداً لانعقاده بين 19 و 24 أكتوبر الجاري، في محاولة متأخرة لتسويق سياسات اقتصادية مأزومة واستيعاب الغضب الشعبي المتصاعد ضد الإجراءات التقشفية.

 

وفي السياق ذاته، تسعى السلطة عبر توجيه الدعوات إلى الخبراء والمواطنين لاصطناع مشهدية ديمقراطية مفرغة من المضمون، بينما تتجاهل الأسباب الهيكلية التي قادت البلاد إلى أزمات الديون الخانقة وتدهور سعر صرف العملة المحلية.

 

 

مسرحية جديدة لتدوير أزمات الديون

 

وبناءً على المعطيات المعلنة، تدعي الحكومة طرح ملفات الحماية الاجتماعية وتطوير الصناعة وإدارة الديون للنقاش المجتمعي التفاعلي، متجاهلة سياسات التراكم المالي التي جردت الطبقة المتوسطة من قدرتها على الصمود أمام موجات الغلاء المتعاقبة وغير المسبوقة.

 

وفي هذا الصدد، يؤكد أستاذ الاقتصاد والتمويل الدولي الدكتور أحمد ذكر الله أن الأرقام الحكومية المعلنة تفتقر للشفافية وتتستر على استنزاف عوائد الإنتاج في سداد أعباء القروض الخارجية التي قيدت القرار السيادي للدولة.

 

ومن هذا المنطلق، يوضح ذكر الله بالأرقام الحسابية أن فاتورة خدمة الدين باتت تلتهم أكثر من 60 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة، مما يفرغ أي حديث تنموي مطروح داخل جلسات المنتدى من مضمونه.

 

وبالتوازي مع ذلك، تناولت الكاتبة دينا عبدالفتاح تقييم المشروعات المطروحة للمناقشة في المنتدى، واضعة اليد على المفارقة الصارخة بين الدعاية الرسمية المكثفة والنتائج الكارثية الملموسة على أرض الواقع الاقتصادي المعاش.

 

وعلاوة على ذلك، شددت كتابات عبدالفتاح على أن المشروعات التي وصفت بالعملاقة لم تقدم حلولاً لأزمات الفقر، بل تحولت إلى عبء يثقل كاهل الأجيال عبر التوسع في الاقتراض غير المحسوب للمشاريع.

 

واستناداً إلى الوقائع الميدانية، تبدو دعوة عبدالفتاح السيسي للمؤسسات والخبراء بمثابة محاولة لتجميل سياسات الجباية، بعدما تسبب الانهيار المستمر للجنيه في تآكل مدخرات المصريين وسحق الطبقات الكادحة بصورة مأساوية للغاية.

 

فضلاً عن ذلك، يبرز التناقض الصارخ بين الوعود البراقة بتشجيع الصناعة، وبين هروب رؤوس الأموال وتوقف آلاف المصانع نتيجة فرض الرسوم واحتكار الأجهزة التنفيذية لمفاصل السوق والتجارة بشكل يقوض المنافسة.

 

وعلى صعيد متصل، يعكس الجدول الزمني الممتد حتى 24 أكتوبر رغبة في تصدير مشهد دعائي، للالتفاف على استحقاقات سداد مليارات الدولارات من الديون المتراكمة المستحقة على الخزانة العامة المرهقة حالياً.

 

ومن زاوية إضافية، يرى محللون أن حصر المناقشات في أروقة مغلقة وتحت رقابة صارمة يستهدف تحصين الإدارة الحالية من أي مساءلة شعبية حقيقية حول إهدار الاحتياطيات النقدية في مشروعات خاسرة.

 

 

ضمانات أمنية لتطويق الرفض الشعبي

 

وتأسيساً على هذا الاحتقان، أطلق المذيع عمرو أديب عبارته الصادمة بأن من دخل المؤتمر فهو آمن، في توصيف يعكس الأجواء الخانقة التي دفعت قوى مجتمعية واسعة لرفض الحضور التام.

 

وفي المقابل يرى مراقبون أن استخدام صكوك الأمان لمخاطبة المدعوين يبرهن على أن الملاحقة الأمنية هي الأصل، وأن أصحاب الرأي المستقل يظلون مهددين بالحبس لمجرد إبدائهم مواقف مخالفة للتوجهات.

 

ومن جهته يوضح الخبير الاقتصادي والمدير الأسبق لمركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية الدكتور عبدالخالق فاروق أن هندسة مثل هذه الفعاليات تستهدف حجب الحقائق، لتفادي تفكيك بنية الهدر المالي المستمر بلا حسيب.

 

وبحسب رؤية فاروق التحليلية، فإن التوجهات المتبعة منذ 2014 حجبت البيانات الحقيقية تماماً، مما قاد الدولة نحو رهن الأصول الإنتاجية والتفريط في الشركات لتغطية عجز السيولة الخانق القائم

 

ومن هذا الاتجاه، تتابعت مواقف المقاطعة الصريحة من قوى مهنية وأكاديمية رفضت التحول إلى واجهة شكلية، مشترطة إنهاء القبضة الأمنية ووقف التضييق على الحريات قبل الجلوس لأي تفاوض

 

وفي سياق متصل، تحول الموقع الإلكتروني المخصص للتسجيل إلى مصفاة أمنية مشددة لاستبعاد الكفاءات الحقيقية، وتمرير الأصوات الموالية فقط، بهدف منع محاسبة المسؤولين عن تدهور معيشة ملايين الأسر المصرية

 

وغير بعيد عن ذلك، تبدو مشاركة المجتمع المدني المزعومة محاصرة بترسانة تشريعات سالبة للحقوق، جمدت عمل الهيئات المستقلة، وجعلت الحضور مقتصراً على جمعيات تابعة، مما يفقد الفعالية مصداقيتها.

 

وتأكيداً لهذا المشهد، واجه الشارع وعود الإعلام الحكومي بسخرية واسعة، مدركاً أن الحصانة المزعومة داخل القاعات تنتهي فور مغادرتها، طالما ظلت منظومة الحكم ممسكة بزمام القرارات بالقوة وحدها.

 

وعلى ضوء ذلك، تسقط الادعاءات التي تروج لفتح مساحات للحوار، حيث يبرهن استمرار احتجاز الآلاف من سجناء الرأي على أن المنتدى مجرد أداة لتبييض السجل الحقوقي أمام الخارج.

 

 

تصدع الرواية الرسمية أمام الحقائق

 

ومن زاوية مقابلة، طرح الكاتب محمود عمارة تساؤلات محرجة حول جدوى تنظيم فعاليات باهظة التكاليف في منتدى السيسي، بينما تعجز الموازنة عن سد العجز وتأمين السلع الأساسية للفقراء

 

وبناءً على ما تقدم، شدد عمارة على أن الإنقاذ الاقتصادي الحقيقي يتطلب وقف مشروعات الواجهة، ورفع هيمنة المؤسسات عن النشاط التجاري، بدلاً من استنزاف الوقت في ندوات عقيمة مكررة.

 

وفي السياق التحليلي، يطرح خبير الإحصاء والباحث في الدين العام ونقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي أرقاماً تثبت انهيار المؤشرات، مشيراً إلى أن الديون الخارجية قفزت فوق 160 مليار دولار.

 

واستناداً لأرقام الولي المفصلة، فإن أعباء فوائد وأقساط الدين باتت تستحوذ على أكثر من ثلثي الإنفاق، مما قوض مخصصات التعليم والصحة، ليفاقم معدلات الفقر والاحتياج الشديد

 

وإزاء هذه الوقائع، تتلاقى مراجعات دينا عبدالفتاح مع خلاصات المتخصصين في تفنيد الرواية الرسمية، مؤكدة أن سياسات الهروب للأمام تضاعف أعباء الضرائب وتستنزف مدخرات المجتمع بلا أي عائد.

 

وبالنظر إلى المحصلة العامة، يتضح أن المؤتمرات المتعاقبة لم تكن سوى أدوات لتمرير الوقت، بينما يستمر التنازل عن المقدرات وتتعاظم قبضة الدائنين على القرار الوطني والسياسات المالية للبلاد.

 

ومع استمرار هذا النهج المغلق، يظل منتدى مصر 2026 دليلاً على انفصال النظام عن الواقع، في ظل الإصرار على سياسات أودت بقيمة العملة والقدرة الشرائية إلى قاع التدهور.

 

وتأسيساً على تلك الحقائق، تفقد دعوات المشاركة في المنتدى بريقها أمام تصاعد الغضب من انهيار الخدمات وتفاقم فواتير الطاقة التي تحولت إلى كابوس يطارد ملايين الأسر يومياً.

 

وفي المحصلة الختامية، يبرهن الرفض الشعبي الواسع على أن المناورات الدعائية عاجزة عن ترميم تصدعات السلطة، وأن أي مسار لا يبدأ بالمحاسبة الجادة عن الهدر يظل بلا قيمة.