يواجه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مأزقاً حرجاً مع انطلاق الجلسات التحضيرية لفعاليات منتدى مصر 2026 المزمع عقده بين 19 و 24 أكتوبر الجاري، حيث تلاحقه اعترافات متكررة بتعثر كبرى مشروعاته العشوائية التي أهدرت مليارات الخزانة.
وتصطدم دعوة السيسي للأطياف المجتمعية لتسجيل آرائهم عبر الموقع الإلكتروني بتشكيك واسع حول جدوى الحوار، وسط تساؤلات عما إذا كان المؤتمر سيواجه الانهيار الاقتصادي للمشاريع أم سيصطنع إنجازات وهمية جديدة لتبرير الإخفاقات.
مليارات دمياط تتبخر بلا جدوى
وفي هذا السياق، تتصدر مدينة دمياط للأثاث واجهة المشروعات المتعثرة المقامة على مساحة 331 فداناً، بعدما تحولت إلى مجمع صناعي منعزل عاجز عن استقطاب الحرفيين الذين فضلوا البقاء في ورشهم التقليدية القديمة.
وتعود جذور الإخفاق إلى شهر ديسمبر من عام 2019 حين ظهرت صدمة المسؤولين من تدني نسب الإشغال، واصطدمت خطط التصدير بغياب دراسات التسويق الدولي وعجز الأجهزة التنفيذية عن تقديم أي دعم حقيقي للمصنعين.
وبموازاة ذلك، شكلت أعباء التمويل وتراكم الأقساط البنكية ضربة قاصمة لصغار الحرفيين، مقارنة بتكلفة الإنتاج في بيئتهم الشعبية، مما جعل التيسيرات المالية اللاحقة مجرد محاولات ترقيعية فاشلة لتفادي السقوط الاقتصادي الحتمي للمشروع.
ويؤكد الدكتور إبراهيم العيسوي، أستاذ التخطيط القومي والتنمية الاقتصادية، أن تغييب دراسات الجدوى الميدانية وفصل الأنشطة الإنتاجية عن حاضنتها الاجتماعية يمثل نهجاً فوقياً مدمراً يهدر أموال الدولة في كيانات إسمنتية عقيمة اقتصادياً.
ويوضح العيسوي في قراءته الاقتصادية أن إلزام الحرفيين بشراء ورش باهظة دون تأمين سلاسل إمداد ومواد خام رخيصة يعكس جهلاً بآليات السوق الحر، ويحول المشروعات القومية المزعومة إلى فخاخ ديون تبتلع صغار المنتجين.
وعلاوة على ذلك، امتد هذا التخبط ليصيب آلاف الوحدات الصناعية الجاهزة التي شيدتها وزارة التجارة والصناعة عبر المحافظات، إذ ظلت مغلقة لشهور طويلة جراء الشروط البيروقراطية التعجيزية والمغالاة الكبيرة في تكاليف تجهيزها للعمل.
فضلاً عن ذلك، عجزت المنظومة المركزية عن ربط هذه المجمعات الصناعية بالأسواق الاستهلاكية الحقيقية، لتتحول مليارات الجنيهات المقترضة إلى جدران مهجورة تفضح زيف الشعارات الترويجية التي سوقت للمواطنين طفرة إنتاجية خيالية لا وجود لها.
ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة لنقاش المشروعات في المنتدى المرتقب محاولة للتنصل من المسؤولية عن إهدار الثروات الوطنية، عبر توزيع أوزار الفشل الإداري والتخطيطي على عاتق المجتمع بدلاً من محاسبة متخذي القرارات المنفردة.
سراب الفرافرة يبتلع استصلاح الصحراء
وفي قطاع الزراعة، ابتلع مشروع استصلاح 1.5 مليون فدان ميزانيات طائلة دون جدوى، متجسداً في مأساة سهل بركة بالفرافرة التي أطلقت نهاية عام 2015 وبداية 2016 وسط دعاية صاخبة بشرت بعصر زراعي جديد.
غير أن استصلاح 10 آلاف فدان وحفر الآبار وبناء 3 قرى ريفية نموذجية بمدارسها ومرافقها انتهى إلى أطلال خاوية، نتيجة عجز المخططين عن إدراك استحالة تهجير الفلاحين قسراً دون تأمين مقومات الاستقرار الزراعي الحقيقي.
وتوالت الاعترافات الصادمة بهجر المساكن المشيدة بالصحراء، لتقر السلطة بفداحة خطأ بناء قرى مسبقة الصنع للمزارعين، قبل أن تسارع لتغيير مسارها نحو مشروعات بديلة مثل مستقبل مصر والدلتا الجديدة تاركة منشآت الفرافرة للضياع والاندثار.
ويؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن إقامة قرى نموذجية خرسانية في عزلة جغرافية قبل توفير مياه ري مستدامة ومجتمع زراعي منتج يمثل تخبطاً تنموياً بدد أموال الخزانة العامة.
ويشير نور الدين في تحليله الفني إلى أن الاستنزاف غير المدروس للخزان الجوفي النوبي بالفرافرة رفع تكلفة استخراج المياه، مما أجهض الجدوى الاقتصادية للزراعة ودفع المستثمرين الصغار للفرار من تلك البيئة القاسية والمكلفة للغاية.
وبناءً على ذلك، اضطرت الدولة إلى تقليص دورها وحصره في مد شبكات الكهرباء والترع للمستثمرين الكبار، في تراجع فاضح عن وعود دعم صغار الخريجين والمزارعين، وتكريس لهيمنة الشركات الكبرى على مساحات شاسعة من الأراضي المستصلحة.
وفي ظل هذا الفشل، تستمر فجوة استيراد الحبوب والسلع الغذائية بالعملة الصعبة في الاتساع، بينما تبقى آلاف الأفدنة المعلن عنها مجرد أرقام ورقية وحبر على ورق الاستهلاك الإعلامي الموجه للجماهير لتسكين غضبهم من تفاقم الغلاء.
ومن جراء ذلك، يترقب الشارع ما ستسفر عنه جلسات منتدى أكتوبر 2026، وسط مخاوف حقيقية من تكرار تصدير مسكنات إعلامية زائفة، تتجاهل محاسبة المسؤولين عن تبديد مئات المليارات في مشاريع صحراوية افتقرت لأبسط معايير الكفاءة والتخطيط.
مزارع غليون تعجز عن المنافسة
وفي ملف الأمن الغذائي، سقطت مشروعات الاستزراع السمكي العملاقة في بركة غليون ومزارع شرق بورسعيد وقناة السويس التابعة للمؤسسة العسكرية، بعدما عجزت كلياً عن خفض أسعار الأسماك بالأسواق أو تحقيق الاكتفاء الذاتي الموعود.
وبدلاً من توفير بروتين رخيص للمواطنين، تضاعفت تكاليف الإنتاج داخل المزارع الحكومية جراء الارتفاع الصاروخي في أسعار الأعلاف المستوردة، لتتحول الأسماك المنتجة رسمياً إلى سلعة تماثل أسعار السوق المرتفعة، وتبدد آمال التهدئة التضخمية للأسر.
وتجلت العشوائية الإدارية في استجداء القطاع الخاص لإدارة وتشغيل المزارع المتعثرة عبر عقود انتفاع وشراكة، بعد اعتراف رأس السلطة بأن الجهاز الإداري يفتقر للكفاءة التسويقية والتجارية اللازمة لإدارة مثل هذه الأنشطة البيولوجية المعقدة.
ويؤكد الدكتور شريف فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز بحوث الصحراء، أن مزاحمة الدولة للقطاع الخاص دون امتلاك رؤية اقتصادية شاملة لتوطين صناعة الأعلاف محلياً أدت إلى شلل منظومة الاستزراع وإهدار مئات المليارات عبثاً.
ويضيف فياض في دراسته الميدانية أن الانشغال بتدشين أحواض استزراع كبرى دون دراسة أسعار الصرف ومخاطر استيراد المدخلات دمر تنافسية المشروعات، وجعل الأسعار النهائية عبئاً لا طاقة للقدرة الشرائية للمواطنين على تحمله.
وبالمثل تماماً، تداعى مشروع تحسين سلالات الماشية نتيجة توزيع رؤوس تقليدية هزيلة على المربين، في وقت كانت فيه أسعار الأعلاف تتصاعد، مما كبدهم خسائر مالية جسيمة وحرم الدولة من تحقيق وفرة اللحوم والألبان.
وعلى صعيد متصل، أدى انهيار قيمة الجنيه وتتابع موجات التضخم إلى فضح الغياب الكامل لدراسات الجدوى المسبقة، حيث باتت المنظومة عاجزة عن تشغيل بنيتها المشيدة، لتتحول المشروعات القومية إلى عبء تمويلي خانق.
وتأسيساً على ذلك، تتجه الأنظار نحو منتدى مصر المقرر عقده بين 19 و 24 أكتوبر 2026، حيث يبرز التساؤل الحاسم عما إذا كانت المنصة ستشهد مواجهة حقيقية لأسباب هذه الإخفاقات أم ستكتفي باصطناع نجاحات وهمية.
بيد أن فتح الباب لتسجيل الآراء والمقترحات لا يعدو كونه محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، بعدما استنزفت المشروعات غير المدروسة موارد البلاد ومدخرات الأجيال، وخلفت فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة يصعب ترميمها بالمؤتمرات الاستعراضية.
وهكذا تتهاوى أسطورة الإنجازات السريعة أمام حقائق التعثر والركود، ليدفع المجتمع فاتورة قرارات فردية صادرت الأولويات التنموية، تاركة المشهد بأسره أمام استحقاق المحاسبة الشعبية الصارمة التي لن تجدي معها أي محاولات لتزييف الواقع الاقتصادي المأزوم.

