تهاوت دفاعات الجنيه في مستهل تعاملات الأربعاء مسجلة خسارة بنحو 15 قرشاً خلال ساعة تداول واحدة، ليتجاوز الدولار حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى منذ 5 أشهر وسط صدمة واسعة في الأسواق.
وبالتزامن مع ضغوط التوترات الجيوسياسية وخسائر البورصة، تتصاعد التحذيرات الدولية من الارتفاع الحاد في كلفة التمويل الخارجي، مما يضع استقرار سعر الصرف أمام اختبار استنزاف حقيقي تدفع ثمنه الفئات الهشة مباشرة.
تهاوي الصرف واختراق شاشات البنوك
فقد أظهرت شاشات البنوك تحركات متسارعة قادت العملة الأمريكية إلى ذروة بيع بلغت 53.05 جنيه في بنكي HSBC والبركة، بينما سجلت في بنكي فيصل والمصرف العربي مستوى 53.04 جنيه خلال التداولات.
وعلى الصعيد ذاته استقر البيع عند 53.03 جنيه في بنك الشركة المصرفية، في حين توقف أدنى سعر بيع عند 52.80 جنيه لدى بنك أبوظبي الأول، ليتسع الفارق التسعيري بين المؤسسات المصرفية.
وفي سياق متصل سجل البنك الأهلي المصري 52.94 جنيه للشراء مقابل 53.04 جنيه للبيع، بينما بدأ بنك مصر معاملاته عند 52.77 جنيه للشراء ونحو 52.87 جنيه للبيع مع بداية الجلسة.
وعلاوة على ذلك بلغ متوسط السعر الإجمالي 52.77 جنيه للشراء و52.87 جنيه للبيع، بينما حدد البنك المركزي السعر الرسمي عند 52.76 جنيه للشراء مقابل 52.90 جنيه لعمليات البيع اليومية.
غير أن التعاملات اللاحقة دفعت التسعير في بعض البنوك إلى نحو 53.07 جنيه للبيع، مما يعكس موجة طلب متصاعدة على العملة الصعبة تفوق قدرة القنوات الرسمية على التهدئة المؤقتة.
ومن جانبه يوضح خبير أسواق المال والاستثمار ومستشار التمويل الدكتور وائل النحاس أن الارتفاع يبرهن على هشاشة التوازن المالي، معتبراً الإجراءات المصرفية المتبعة مجرد تسكين وقتي يعجز عن وقف نزيف الجنيه.
ويؤكد النحاس في رؤيته الاقتصادية أن تغذية الشاشات بأسعار متذبذبة تعبر عن اتساع فجوة السيولة الدولارية، محذراً من أن الارتكاز على حلول محاسبية يفاقم اضطراب التسعير التجاري للسلع الحيوية بالسوق.
وبناءً على ذلك تصبح محاولات تصوير التحرك كهامش تداول طبيعي متجاهلة لواقع الضغوط الهيكلية، خصوصاً مع عودة القلق التجاري من موجة صعود جديدة تعيد خلط الحسابات الاستيرادية المرهقة لكافة القطاعات الإنتاجية.
وفي ضوء هذه المعطيات تتراجع الثقة في قدرة الاحتياطيات النقدية على مجابهة الضغوط، إذ تفضي أي هزة في أسواق السندات الدولية إلى تراجع فوري في السيولة المتاحة داخل الجهاز المصرفي.
سقف النطاق ومأزق الفائدة المرتفعة
وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع تجاوز فيها الدولار مستوى 52 جنيهاً أكثر من مرة خلال شهر سبتمبر الماضي، قبل أن يعاود التراجع المؤقت ثم يقفز مجدداً صوب قممه الحالية.
وفي المقابل يطرح خبير أسواق المال محمود نجلة تفسيراً يرى فيه أن التحرك الأخير يفتقر إلى مبررات واضحة، معتبراً أن العملة تتحرك فقط ضمن نطاق عرضي يتراوح بين 48 و53 جنيهاً.
بيد أن هذا النطاق العرضي يواجه مأزقاً حقيقياً بفعل تثبيت البنك المركزي أسعار الفائدة عند مستويات قياسية تبلغ 19% للإيداع و20% للإقراض و19.50% لسعر العملية المصرفية الأساسية دون تغيير.
وتترقب الأوساط المالية اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل المقرر في 29 أكتوبر الجاري، يعقبه الاجتماع الختامي للعام في 17 ديسمبر القادم، وسط ترجيحات واسعة بتأجيل خفض الفائدة إلى العام المقبل.
وفي هذا الإطار يرى أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور مدحت نافع أن الإصرار على سلاح الفائدة المرتفعة لم ينجح في حماية العملة، بل كبّل الموازنة العامة بتكاليف خدمة دين مرعبة.
ويشير نافع بأدلته التحليلية إلى أن استرضاء الأموال الساخنة عبر الفائدة العالية يمثل استنزافاً مستمراً للموارد، في حين تظل الصدمات الخارجية قادرة على إسقاط الجنيه فور حدوث أي توتر إقليمي.
وإزاء هذا الواقع يتحول نطاق 53 جنيهاً من مجرد سقف فني إلى نقطة ارتكاز هشة، تنذر بكسر صعودي متتالٍ يجر خلفه تسعيراً أكثر قسوة لا تملك السياسة النقدية أدوات لردعه.
ومن ثم يظهر عجز السياسات المتبعة في إيجاد تدفقات حقيقية مستدامة، حيث يؤدي تأجيل خفض الفائدة إلى خنق النشاط الإنتاجي الخاص، وترك العملة رهينة لمضاربات الصرف والأزمات الدولية دون أي حماية.
بالإضافة إلى ذلك تفرض التكلفة العالية للاقتراض الحكومي أعباء متزايدة على دافعي الضرائب، حيث تبتلع خدمة الديون الحصة الأكبر من الإنفاق العام، مما يحرم القطاعات الخدمية التنموية من التمويل.
تآكل العملة وتبعات التضخم المتراكم
وتتجلى خطورة المشهد الراهن عند استحضار المسار التاريخي للعملة، إذ كان الدولار يدور قرب 15 جنيهاً قبل اندلاع موجات التخفيض المتعاقبة التي انطلقت بكثافة في عام 2022 وتواصلت حتى اليوم.
وفي هذا السياق تقدر أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتورة عالية المهدي أن الجنيه فقد نحو 87% من قيمته الحقيقية منذ عام 2010.
وتوضح حسابات المهدي المستقلة أن أسعار السلع والخدمات قفزت بمعدل قياسي بلغ 670%، مما يعكس عمق التدهور المعيشي والخلل البنيوي المزمن الذي يعانيه الاقتصاد المصري منذ أكثر من عقد كامل.
وبناءً عليه تنعكس هذه الانهيارات السعرية مباشرة على السلع الأساسية المستوردة، وفي طليعتها واردات الدقيق وعناصر الوقود الاستراتيجية التي تشكل عصب المعيشة اليومية للملايين من الأسر في المحافظات المصرية.
وفضلاً عن ذلك فإن مدخلات الدواء الحيوية ومكونات الهواتف المصنعة محلياً تتلقى ضربات تسعيرية فورية مع كل تحرك صعودي للدولار، لتبدد أوهام حماية الصناعة البديلة من تقلبات العملة الأجنبية.
ونتيجة لذلك تتحمل الفئات الأقل دخلاً العبء الأكبر من فاتورة التعويم، حيث تعجز شبكات الأمان الاجتماعي عن ملاحقة القفزات المتتالية في أسعار المستلزمات الطبية والغذائية وتكاليف النقل العام اليومية.
وعلى هذا النحو تتأكد محدودية مرونة الاقتصاد المعتمد بنيوياً على الاستيراد، فالصدمات التمويلية تنتقل لحظياً إلى الأسواق الاستهلاكية دون وجود مصدات إنتاجية حقيقية تمتص تداعيات الصعود المتواصل للعملات الصعبة.
وفي ظل بقاء معدلات التضخم مرتفعة قرب مستوى يتراوح بين 14-15%، يصبح الحديث الرسمي عن استيعاب الضغوط النقدية عاجزاً عن إقناع الأسواق التي تستشعر مخاطر انفلات تسعيري واسع النطاق.
إضافة إلى ذلك تظهر المؤشرات أن الاعتماد على الاستدانة وتأخير خفض الفائدة لن يوقف المسار النزولي للعملة، طالما ظلت القرارات تدور حول معالجة الأعراض وتجاهل الاختلال الإنتاجي الجذري.
وهكذا يظل الجنيه محاصراً بين استحقاقات خارجية تثقل كاهل الدولة وواقع استيرادي ينقل كل قفزة دولارية إلى موائد المواطنين، لتتحول كل جولة صعود إلى عبء دائم يفتقر للحلول المستدامة.

