تضرب موجة ركود قاسية أسواق الأجهزة الكهربائية في مصر، إثر تراجع قياسي في حركة المبيعات تجاوز 60% منذ منتصف أغسطس الماضي، الأمر الذي خلق انكماشا تجاريا عميقا شل مختلف قنوات التوريد وسلاسل الإمداد الممتدة.
وفي ظل هذا الانكماش الحاد، سقطت صالات العرض ومنافذ التوزيع في جمود تام، لتجد الشركات الصناعية وكبار التجار أنفسهم أمام اختناقات تمويلية وتشغيلية غير مسبوقة، نتيجة تبخر السيولة المالية وتآكل القدرة الشرائية بصورة شبه كاملة.
انهيار القوة الشرائية يعصف بالأسواق
وبالتالي، تحولت المعارض المركزية في المدن الكبرى إلى مساحات مهجورة تعاني شللا شبه كلي، حيث باتت البضائع راكدة فوق الرفوف دون مشترين، تزامنا مع انهيار مداخيل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان للاستهلاك المحلي.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ الاقتصاد السياسي والمالية العامة الدكتور أحمد ذكر الله أن تراجع الطلب بنسبة 60% يعكس سقوط المجتمع في هوة الفقر المدقع، جراء تآكل قيمة الجنيه واستنزاف مدخرات الأسر في تدبير المعيشة اليومية.
واستنادا إلى ذلك، لم يعد بمقدور المواطن التفكير في تجديد أجهزته المنزلية المعطلة أو اقتناء مستلزمات زواج الأبناء، بعدما قفزت أسعار السلع إلى مستويات جنونية لا تتناسب مطلقا مع الرواتب المتجمدة والضرائب المتصاعدة التي تفرضها السلطات.
وعلاوة على ذلك، استنزفت مصروفات المدارس والجامعات الخاصة والحكومية ما تبقى من فوائض مالية شحيحة لدى الأسر، مما وجه كامل السيولة المالية المتاحة نحو شراء الغذاء والخدمات التعليمية الحتمية بدلا من اقتناء الأجهزة المنزلية.
ومن جهتهم، يقف الموزعون المعتمدون عاجزين عن تحصيل أقساط السلع المباعة سلفا للمستهلكين، مما أدى إلى تعثر دورات رأس المال العامل وتراكم التزامات مصرفية خانقة باتت تهدد بجر العشرات من صغار التجار إلى دوائر الإفلاس.
وإضافة إلى ذلك، تسبب هبوط وتيرة المشتريات في خسائر فادحة للشركات التجارية، التي تضطر يوميا إلى سداد إيجارات مقار العرض الفاخرة وفواتير الكهرباء المرتفعة، بجانب رواتب العمالة المعرضة للتسريح الجماعي لتقليص النفقات المتزايدة.
وبالموازاة، امتد الركود الخانق ليصيب قطاع تجارة التجزئة في الأقاليم والمحافظات، حيث أغلقت محال عديدة أبوابها في وجه الزبائن، تجنبا لمزيد من الخسائر التشغيلية اليومية بعد انعدام المبيعات تماما خلال الأسابيع الأخيرة الماضية.
أعباء الجباية تفاقم اختناق المصانع
ومن جانب آخر، لم تنحصر المأساة داخل صالات العرض التجارية، بل ضربت أروقة المصانع وخطوط الإنتاج المحلية التي تواجه تكاليف تشغيل باهظة، في مقدمتها الارتفاع غير المسبوق لأسعار المواد الخام ومستلزمات الصناعة الأساسية المستوردة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث في العلوم الاقتصادية والتصنيع الدكتور عبد الخالق فاروق أن موجات الغلاء المفروضة على شرائح الكهرباء والوقود الصناعي، بالتوازي مع رسوم الجمارك، دمرت القدرة التنافسية للقطاع وأشعلت أسعار السلع المحلية.
وتبعا لذلك، قفزت أسعار الصاج المجلفن والمكونات المعدنية وقطع الغيار بنسب مضاعفة، مما وضع المنتجين أمام خيارين أحلاهما مر، إما بيع المنتجات بخسارة تفاديا للركود، أو وقف الماكينات وتجميد خطوط التجميع إلى أجل غير مسمى.
وبناء على ذلك، تضاعف مخزون السلع التامة لدى المستودعات المركزية للمصانع، ليعجز أصحاب الأعمال عن توفير سيولة كافية لسداد فواتير الطاقة المرتفعة التي تفرضها الحكومة شهريا، فضلا عن مستحقات الضرائب والرسوم المستحدثة المستمرة.
وحسابيا، أدى شلل المبيعات إلى تبديد الأرباح التشغيلية للمؤسسات الصناعية، حيث تحولت هوامش الربح المتوقعة إلى خسائر محاسبية ثقيلة، تلتهم تدريجيا رؤوس الأموال وتهدد بتقويض ركائز صناعة وطنية استغرقت عقودا طويلة لبنائها وتطويرها.
وبالتبعية، عجزت المنشآت الصناعية عن استيراد مستلزمات الإنتاج نتيجة القيود المصرفية المشددة وشح العملات الأجنبية، مما خلق اختناقات حادة في الإمدادات عطلت مصانع حيوية تابعة للقطاع الخاص، وسط غياب شبه كامل للدعم الحكومي الموعود.
وفضلا عن ذلك، رفعت الرسوم والجبايات الحكومية المفروضة على سلاسل النقل والشحن الداخلي من التكلفة النهائية للمنتج، مما قيد حركة نقل الأجهزة بين الموانئ والمصانع ومراكز التوزيع، وأدى لتعميق حالة الركود الاقتصادي الراهنة.
وعلى هذا النحو، أضحت المصانع المحلية محاصرة بين فكي كماشة، تتمثل في ركود الأسواق الاستهلاكية من جهة، والقرارات الحكومية المجحفة برفع أسعار الطاقة وفرض غرامات التأخير المصرفية على قروض التوسع الصناعي من جهة أخرى.
عروض التقسيط تفشل بإنعاش المبيعات
وحصارا للأزمة المستفحلة، هرعت الشركات المصنعة لطرح خطط تقسيط تمتد لنحو 12 شهرا دون فوائد بهدف تحفيز المواطنين، غير أن هذه التسهيلات قوبلت بفتور جماهيري واسع، في ظل عجز الدخول عن تحمل أي التزامات مستقبلية.
وفي هذا الإطار، يرى أستاذ التمويل والاستثمار بالجامعة الأمريكية الدكتور مدحت نافع أن مبادرات التقسيط لمدة 12 شهرا تعد مسكنات ظرفية فاشلة، في ظل تآكل الدخل الحقيقي للمواطنين وغياب أي إصلاح هيكلي يخفف أعباء التضخم المالي.
وبالمثل، يترقب القطاع ما ستسفر عنه تخفيضات شهر نوفمبر المقبل كفرصة أخيرة لتصريف المخزون المتكدس، بيد أن التوقعات السائدة تشير إلى محدودية النتائج، نظرا لفقدان المواطن القدرة على شراء السلع المعمرة مهما بلغت الخصومات.
وإزاء هذا الواقع، طالبت قطاعات واسعة من المصنعين بتجميد أي زيادات سعرية جديدة للحد من وتيرة الانكماش الراهنة، مع تقديم مقترحات اضطرارية لإنتاج طرازات اقتصادية مجردة من المميزات التكميلية لتخفيض أسعارها أمام المستهلكين.
غير أن تصنيع طرازات رديئة أو مجردة من الرفاهيات يواجه صعوبات فنية وتقنية جسيمة، إلى جانب رفض المستهلك دفع مبالغ كبيرة مقابل أجهزة تفتقر إلى معايير الجودة والضمان، مما يجعل هذه المقترحات غير قابلة للتطبيق العملي.
وتأسيسا على المعطيات، يواصل شبح التعثر ملاحقة كبار المنتجين في ظل عجز السياسات الاقتصادية المتبعة، التي يكرسها رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي، عن إيجاد حلول حقيقية ترفع الأعباء المعيشية عن كاهل الغالبية الساحقة من المواطنين.
وعليه، تبدو سوق الأجهزة الكهربائية مقبلة على موجة إفلاسات واسعة وإغلاق لمصانع تاريخية كبرى، إذا استمرت أسعار الفائدة المصرفية المرتفعة ومساعي الجباية المالية التي تمتص دماء النشاط الإنتاجي لصالح خدمة الديون السيادية الخارجية.
وفي النهاية، يظل انكماش المبيعات القياسي بمثابة إنذار أخير لانهيار المنظومة الإنتاجية بأكملها، في ظل إصرار السلطة على تجاهل استغاثات الغرف الصناعية، واستمرار سياسات إفقار الشعب وحرمانه من أبسط مقومات الحياة الإنسانية والسلع المنزلية الضرورية.

