تتصاعد أزمة الطاقة داخل المحافظات بصورة متسارعة مع الارتفاع الحاد في معدلات الفاقد الفني والتجاري، وسط عجز حكومي متواصل عن وقف نزيف الموارد والسيطرة على التدهور المزمن في منظومة التوزيع الوطنية.
بينما يواجه الجهاز التنفيذي مساءلة برلمانية حادة بعد تقديم النائب طلعت السويدي طلب إحاطة رسمي، موجها إلى رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، للتحقيق الفوري في غياب الخطط الزمنية الجادة لمواجهة الكارثة.
اختلال هيكلي واستنزاف عشوائي للقدرات
تتراجع كفاءة خطوط التوزيع القديمة ومحطات المحولات تحت وطأة إهمال الصيانة الدورية وتأخر التجديد، مما يؤدي إلى ضياع نسب هائلة من القدرات التوليدية الإجمالية قبل وصولها إلى المستلكين في مختلف المناطق.
حيث يوضح أستاذ هندسة القوى الكهربائية والطاقة بجامعة القاهرة الدكتور فاروق الحكيم أن الاعتماد المفرط على ترقيع الخطوط المتهالكة بدلا من إعادة الهيكلة الشاملة يعمق الاختناقات الفنية، ويهدر المليارات سنويا دون جدوى تشغيلية حقيقية.
إذ تحمّل هذه الفجوة قطاع الإنتاج أعباء وقود إضافية، فتتضاعف فاتورة تشغيل التوربينات لتعويض الضياع المستمر في مسارات النقل، الأمر الذي ينعكس سلبا على استقرار الخدمة ويفاقم موجات انقطاع التيار المتكررة.
فضلا عن تراكم الالتزامات المالية على شركات التوزيع التي باتت تعاني عجزا هيكليا، جراء تزايد الفجوة بين الطاقة المشتراة من محطات التوليد وتلك المحصلة فعليا من فواتير الاستهلاك المنزلي والتجاري المعتمدة رسميا.
لذا فإن الاقتصار على الحلول الأمنية وملاحقة التوصيلات العشوائية لا يجدي نفعا، طالما ظلت الشبكات تعاني من ترهل فني يبتلع وحده ما يتجاوز 15% من إجمالي التيار المتدفق عبر الخطوط الرئيسية.
علاوة على أن تجاهل وضع خريطة رقمية تلزم مسؤولي القطاع بأهداف تقليل محددة، يبقي منظومة الطاقة برمتها أسيرة لتجارب فاشلة تستنزف الاحتياطي القومي وتزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي الداخلي بصورة مباشرة.
رقمنة معطلة وتضارب بيانات التحصيل
تتعثر خطط نشر العدادات الذكية التي بشرت بها الوزارة لسنوات، حيث اقتصرت مشروعات التركيب على مراحل محدودة لا تتعدى نطاق التجارب الأولية، دون تعميم حقيقي يواكب النمو السكاني المتسارع.
بناء على ذلك، يؤكد استشاري نظم القياس الذكية والشبكات الرقمية المهندس ماهر عزيز أن غياب التكامل التقني بين أجهزة القياس ومراكز التحكم القومية يمنع رصد الانحرافات اللحظية، ويجعل المنظومة عاجزة عن مطابقة الأحمال.
في حين تنعدم آليات المراقبة اللحظية التي تسمح بالتفريق بين التلاعب المباشر والأخطاء المسجلة في القراءات، مما يحول دفاتر شركات التوزيع إلى مجرد تقديرات جزافية تفتقر للدقة العلمية المطلوبة في إدارة المرافق الحيوية.
كذلك يدفع المواطن كلفة هذا القصور التكنولوجي عبر تحميله بنود استهلاك وهمية، بينما تفلت مساحات عمرانية وصناعية واسعة من الرقابة دون حساب، ما يحرم الموازنة العامة من عوائد مالية تقدر بمليارات الجنيهات.
إضافة إلى ذلك، فإن تقاعس القطاع عن استخدام خوارزميات التحليل الرقمي في مراقبة المغذيات، يفسح المجال أمام استمرار الفاقد التجاري كأمر واقع لا تجد الوزارة سبيلا للخروج من دائرته المفرغة منذ عقود.
وبناء عليه، يظل الحديث عن تطبيق معايير الحوكمة مجرد شعارات صورية، في ظل بقاء قطاع التوزيع خارج نطاق الشفافية المؤسسية، ودون نشر جداول زمنية تقيد شركات التوزيع بمعدلات تحصيل وخفض واضحة.
تهميش الريف وغياب العدالة التنموية
تتجسد مظاهر الأزمة بشكل فج داخل مدن وقرى محافظة الشرقية، وتحديدا في مركزي ديرب نجم والإبراهيمية، اللذين يعاني سكانهما من محولات متهالكة وشبكات جهد منخفض تفشل في استيعاب التوسع العمراني.
من جانبه، يبين خبير التخطيط العمراني وتطوير البنية التحتية الدكتور محمود فؤاد أن التفاوت الصارخ في تخصيص الاستثمارات الحكومية يركز الإنفاق على المشروعات الدعائية، مقابل حرمان المحافظات ذات الكثافة السكانية من التحديث.
وفضلا عن ذلك، تتسبب المحولات المكشوفة والأسلاك الهوائية القديمة في تهديد مستمر لحياة السكان المحليين، وتفاقم حوادث الصعق، فضلا عن تعطيل الورش والأنشطة الحرفية والإنتاجية التي تعتمد كليا على انتظام التغذية الكهربائية.
إلى جانب أن إصرار الحكومة على عدم استبدال الكابلات الهوائية بخطوط أرضية معزولة داخل القرى، يكرس واقع التمييز التنموي بين العاصمة والأقاليم، ويترك البنية الأساسية للريف فريسة للانهيار التام عند أدنى تقلب مناخي.
وبينما تتكدس القروض الموجهة لقطاع الطاقة، فإن استمرار نهج رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي في حرمان شبكات المحافظات من التمويل اللازم، يفجر تساؤلات حادة حول أوجه إنفاق المليارات المهدورة دون أثر ملموس.
ومن هنا، فإن احتواء الانفجار المتوقع داخل شبكات التوزيع يفرض وقفا فوريا لسياسات التجاهل، وتوجيه الموارد المالية نحو إعادة بناء مرافق الأقاليم المنكوبة، قبل أن يخرج فاقد الطاقة عن نطاق السيطرة بالكامل.

