رأى البروفيسور ال مريَم، الأستاذ الفخري والمحامي، في مقال رأي نشره أن تصريحات رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي بشأن رفض الاستيلاء على أراضي الآخرين والتمسك بأمن مصر واستقرارها، ينبغي أن تنطبق أيضًا على تعامل القاهرة مع إثيوبيا في ملف سد النهضة وأزمة مياه النيل. وجادل الكاتب بأن مطالبة إسرائيل باحترام سيادة مصر وسلامة أراضيها تتناقض، بحسب رؤيته، مع استمرار الخطاب المصري الذي يلوّح بالخيارات العسكرية في مواجهة المشروعات المائية الإثيوبية، داعيًا إلى اعتماد التفاوض والقانون الدولي والتعاون الفني بدلًا من التهديد والتصعيد.


ونشر موقع «بولس أوف أفريكا» المقال مستندًا إلى مقارنة بين الموقف المصري من التهديدات الإسرائيلية بشأن سيناء والخلاف بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة. وطرح الكاتب رؤية منحازة إلى الموقف الإثيوبي، معتبرًا أن حق مصر في الأمن المائي لا يمنحها حق التحكم المنفرد في الموارد المائية لدول المنبع، كما دعا مصر وإثيوبيا والسودان إلى إبرام ترتيبات ملزمة تضمن التعاون وتقاسم المخاطر وحماية المصالح المشتركة.

 


سد النهضة وأمن النيل.. خلاف على المياه أم صراع على السيادة؟


تناول الكاتب تصريحات السيسي ردًا على تحذيرات أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتمال خسارة مصر شبه جزيرة سيناء إذا هاجمت إسرائيل، إذ أكد رئيس الانقلاب أن بلاده كافحت لاستعادة أرضها، ولا تخطط لضم أراضي الآخرين، وتسعى إلى الأمن والاستقرار. واعتبر الكاتب أن هذا الموقف يستند إلى مبدأ دبلوماسي سليم، مفاده أن الدول لا تحتاج إلى تهديد سيادة دول أخرى وسلامة أراضيها من أجل حماية مصالحها وأمنها.


وأكد الكاتب أن إثيوبيا لم تهدد، بحسب قوله، باحتلال أراضٍ مصرية أو مهاجمتها، وأن بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير وتشغيله على النيل الأزرق يمثلان مشروعًا تنمويًا أنجزته إثيوبيا في سبتمبر 2025 بجهود مواطنيها. وأضاف أن جوهر الخلاف يتمثل في قواعد ملء السد وتشغيله، وضمان الأمن المائي لدول المصب، وغياب اتفاق مشترك للتعاون، وليس في مطالبة إثيوبيا بالسيطرة على الأراضي المصرية.


وأشار المقال إلى أن إثيوبيا لا تنكر حق مصر في مياه النيل بموجب القانون الدولي، لكنها تتمسك بحقها السيادي في تنمية مواردها المائية وإنتاج الطاقة الكهرومائية لدعم اقتصادها. واستند الكاتب إلى اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي تدعو الدول المتشاطئة إلى الاستخدام المنصف والمعقول للمياه المشتركة، مع تجنب إلحاق ضرر ذي شأن بالدول الأخرى.


ودعا الكاتب السيسي إلى توجيه رسالة مماثلة إلى إثيوبيا، تؤكد أن مصر لا تريد الحرب معها، ولا تطمع في أراضيها، وتحترم سيادتها، وتتوقع المعاملة بالمثل. كما طالب القاهرة، وفقًا للمقال، بالامتناع عن دعم الجماعات المسلحة أو الدول التي تدعم الإرهاب في إثيوبيا، وعن تقديم الأسلحة والمعدات العسكرية لها سرًا، مؤكدًا أن الخلافات بين البلدين ينبغي أن تُحل عبر المفاوضات والقانون الدولي والتعاون التكنولوجي والضمانات الأمنية المتبادلة.


وحدد الكاتب ثلاثة مبادئ قال إن تصريحات السيسي بشأن سيناء تعكسها، وهي الحفاظ على وحدة الأراضي المصرية، والدفاع عن الأرض بدلًا من ضم أراضي الآخرين، وعدم ربط الأمن القومي بانتهاك سيادة دولة أخرى. ورأى أن هذه المبادئ ينبغي أن تنطبق على إثيوبيا أيضًا، معتبرًا أنه لا يمكن لمصر المطالبة باحترام أراضيها من جانب إسرائيل، بينما تتعامل مع إنشاء إثيوبيا سدًا على أراضيها باعتباره تهديدًا يبرر الضغط العسكري.


وأوضح المقال أن إثيوبيا أعلنت مرارًا استعدادها لمناقشة المخاوف المصرية المشروعة بشأن تدفق المياه إلى دول المصب من خلال مفاوضات سلمية تقوم على الاحترام المتبادل والترتيبات القانونية الملزمة، مع مراعاة مصالح إثيوبيا والسودان ومصر. وأشار إلى أن نحو 86% من مياه النيل تنبع من إثيوبيا، في حين تعتمد مصر بدرجة كبيرة على النهر، وهي حقائق جغرافية يرى الكاتب أنها تستدعي التعاون الاقتصادي، لا منح القاهرة حقًا حصريًا في تقرير كيفية تنمية إثيوبيا لمواردها المائية.


وأضاف أن سد النهضة يمثل مصدرًا لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية الإثيوبية، بينما يمكن معالجة المخاوف بشأن توقيت تصريف المياه من خزان السد خلال فترات الجفاف عبر تبادل المعلومات بشفافية، وتنسيق التشغيل، ووضع نظام صارم لسلامة السدود، وإنشاء آلية مشتركة لإدارة الجفاف. واستشهد بالتفاهمات التي حددها بيان مشترك صدر في يناير 2020 عن مصر وإثيوبيا والسودان والولايات المتحدة والبنك الدولي، وشملت الملء المرحلي للخزان، وإدارة الجفاف، والتشغيل طويل الأجل، وتبادل المعلومات، والتنسيق وتسوية النزاعات.


لكن الكاتب اعتبر أن العقبة الرئيسية تكمن في تنفيذ التفاهمات، واتهم مصر بعرقلة المسار عبر التمسك باتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، ومواصلة حملات إعلامية ضد إثيوبيا، وتكرار اتهامات أحادية الجانب بشأن تجاهل مصالح دول المصب وانتهاك القانون الدولي. وفي المقابل، شدد على أن إعلان المبادئ الموقع عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، إلى جانب قواعد القانون الدولي للمجاري المائية، يوفران إطارًا يمكن من خلاله التوصل إلى اتفاق عادل يراعي احتياجات الدول الثلاث.


وأكد الكاتب أن حق دول المصب في الأمن المائي لا يعني امتلاكها حقًا غير محدود في التحكم بموارد المياه في دول المنبع، كما أن سيادة دول المنبع لا تبرر تجاهل الآثار المترتبة على تدفق المياه إلى دول المصب. واعتبر أن المخرج من الجمود الحالي يتمثل في التفاوض على قواعد عملية تستند إلى الأدلة وتطبق بصورة متبادلة، بدلًا من تبادل التهديدات والتلويح بالحرب.

 


التهديد العسكري لا يحسم النزاع.. دروس من التاريخ


استند الكاتب إلى تاريخ التوترات المصرية الإثيوبية ليحذر من اللجوء إلى القوة العسكرية في النزاع حول مياه النيل، مشيرًا إلى أن الخطاب المصري بشأن الخيارات العسكرية لم يظهر للمرة الأولى في السنوات الأخيرة. وذكر أن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات حذر عام 1979 من المساس بحق مصر في مياه النيل، وقال إنه إذا اتخذت إثيوبيا إجراءً لعرقلة هذا الحق، فلن يكون أمام مصر بديل سوى استخدام القوة.


كما أشار المقال إلى اجتماع متلفز عقده الرئيس الراحل حمد مرسي عام 2013، وتحدث خلاله مشاركون عن دعم قوى مسلحة في إثيوبيا وإمكانية مهاجمة السد. وأضاف أن السيسي كرر خلال السنوات السبع الماضية وصف المساس بالأمن المائي المصري بأنه خط أحمر، محذرًا من أن تداعياته قد تمتد إلى المنطقة بأكملها، بينما تحدث في الوقت نفسه عن تفضيل الدبلوماسية على المواجهة العسكرية.


ورأى الكاتب أن استخدام القوة العسكرية المصرية ضد إثيوبيا ليس خيارًا قابلًا لتحقيق الأهداف المعلنة، مستشهدًا بالحملات التي شنتها مصر على الإمبراطورية الإثيوبية في القرن التاسع عشر بهدف توسيع النفوذ والسيطرة على حوض النيل. وأوضح أن الخديوي إسماعيل باشا أطلق حملات عسكرية على إثيوبيا في عامي 1874 و1876، لكن القوات الإثيوبية هزمت القوات المصرية في معركتي جوندت عام 1875 وجورا عام 1876.


واستشهد المقال بآراء مؤرخين وباحثين وصفوا هزائم القوات المصرية أمام الجيش الإثيوبي في تلك المعارك، كما أشار إلى انتصار الإثيوبيين على القوات الإيطالية في معركة عدوة في 1 مارس 1896. وخلص الكاتب إلى أن التفوق في التسليح لا يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأن التاريخ الإثيوبي يقدم، بحسب طرحه، أمثلة على قدرة البلاد على مقاومة التدخلات العسكرية والدفاع عن سيادتها.


وقارن الكاتب بين تلك الحملات والحروب المصرية الإسرائيلية، مشيرًا إلى هزيمة مصر في حرب يونيو 1967، حين سيطرت إسرائيل على سيناء، ثم النجاحات المصرية الأولية في حرب أكتوبر 1973، قبل أن تعبر القوات الإسرائيلية قناة السويس وتحاصر الجيش المصري الثالث. وأوضح أن مصر استعادت سيناء عبر المسار الدبلوماسي واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، وانسحبت إسرائيل من شبه الجزيرة عام 1982.
 

واعتبر الكاتب أن تجربة استعادة سيناء تقدم درسًا في أهمية الحلول الدبلوماسية، إذ استعادت مصر أرضها من خلال اتفاق سياسي بعد مراحل من المواجهة العسكرية. ورأى أن الحرب على إثيوبيا لن تمنح مصر سيطرة على النيل، ولن تضمن أمن إمداداتها المائية، ولن تجبر إثيوبيا على التحول إلى دولة تابعة أو خاضعة للنفوذ المصري.


ودعا الكاتب السيسي إلى إرسال إشارة واضحة إلى إثيوبيا ودول حوض النيل بشأن التعايش السلمي وتحقيق الازدهار عبر الاستخدام المنصف للمياه، كما طالب مصر بالتوقيع على الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل، التي تهدف إلى إنشاء إطار مؤسسي لتنسيق إدارة النهر وتنميته على مستوى الحوض بأكمله. وأكد أن النيل لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خلاف بين مصر وإثيوبيا، بل يمكن أن يصبح رابطًا للتعاون والتنمية المشتركة بين البلدين.

 


نحو اتفاق مصري إثيوبي سوداني يضمن الأمن المائي والسلام


طرح الكاتب مجموعة من المقترحات لتجاوز الجمود في العلاقات بين مصر وإثيوبيا والسودان، داعيًا الدول الثلاث إلى الالتزام بعدم الاعتداء، والتعهد بعدم التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة، وعدم دعم الجماعات الإرهابية أو اتخاذ خطوات من شأنها زعزعة استقرار المنطقة. كما دعا إلى إنشاء ترتيبات عملية لتبادل المعلومات وضمان سلامة السدود والحد من مخاطر الجفاف وتنسيق تشغيل الخزانات.


وشدد المقال على ضرورة ضمان حق إثيوبيا في إدارة مواردها المائية بصورة منصفة ومعقولة، مع مراعاة مخاوف دول المصب بشأن تدفق المياه، معتبرًا أن الخلافات الفنية يمكن تسويتها عبر المفاوضات والمشاورات. كما اقترح إجراء اتصالات عسكرية منتظمة وحوار بين الدول الثلاث تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، بما يساعد على معالجة القضايا الأمنية بحسن نية.


ورأى الكاتب أن مطالبة مصر باحترام سيادتها الإقليمية ينبغي أن تقودها إلى احترام سيادة إثيوبيا في الظروف المماثلة، وأن الحل لا ينبغي أن يقوم على انتصار طرف وخسارة الآخر، بل على تسوية لا تجبر أي دولة على الاختيار بين التنمية وأمن جيرانها. وانتقد ما وصفه بالتناقض بين إعلان القاهرة عدم وجود خطط عدائية تجاه إسرائيل، واستمرار تداول التهديدات العسكرية في الخطاب العام المرتبط باستخدام إثيوبيا مياه النيل.


وأكد الكاتب أن مصر لا تحتاج إلى أراضي دولة أخرى لضمان أمنها، كما أن إثيوبيا لا تحتاج إلى إثارة مخاوف مصر الأمنية حتى تحقق التنمية، داعيًا إلى إدارة مياه النيل بالتعاون والاتفاق والاحترام المتبادل، بدلًا من الإكراه والتهديد واستدعاء الخصومات التاريخية. واختتم مقاله بالدعوة إلى تعاون دول حوض النيل من أجل تحقيق الازدهار المشترك، معتبرًا أن الانتصار الحقيقي يتمثل في الحفاظ على السلام وسيادة الدول، وأن أفضل الحروب هي التي تنجح الدبلوماسية في تجنبها.

 

https://pulseofafrica.info/opinion/284?fbclid=Iwb21leAVAZPljbGNrBUBk9WV4dG4DYWVtAjExAHBkb2YFc3J0YwZhcHBfaWQMMzUwNjg1NTMxNzI4AAEeD4Bvn_3uY1khrIUn7qfuApkAcwHHtP8giOJ3WfnkthI-etil6RkRKJdHFkY_aem_baHkR_9aEml34-0U6zWSIQ